في ظل هيمنة التيارات الإسلامية.. هل ترتدي الثقافة المصرية النقاب ؟

15

تحقيق: أمل خليفة

في ظل المناخ الذي نعيشه هذه الايام هناك تساؤلات تطرح نفسها فيما يتعلق بمستقبل الثقافة المصرية هل من الممكن ان ترتدي ثقافتنا بجميع فروعها النقاب لتساير هوي التيارات الاسلامية فالمنع والتحريم رغم عدم ارتباطه بزمن ولكن هذه الايام زادت حدته كان آخرها ما حدث لتمثال طه حسين بمحافظة المنيا. وعن ذلك يقول د. جمال التلاوي – نائب رئيس اتحاد كتاب مصر وعميد آداب المنيا، أنني سألت في المحافظة عمن فعل هذا بقيامه بشتويه التمثال فقالوا لي إن التمثال قد تمت سرقته، وإذا كانت هناك تيارات معنية تتمسح بالدين فهذا أمر مرفوض تماما، يرفضه أي مثقف وأي عقل واع، كذلك عليهم أن يعلموا أن خطف أو سرقة تمثال لن تطفئ جذوة الإبداع، ولن تسبب تهديدا للمبدعين والمثقفين لأن قدرة الثقافة الحقيقية أكبر من أي تهديد.

يؤكد الكاتب الصحفي والمؤرخ صلاح عيسي وجود ثقافة ترتدي النقاب حيث إن الثقافة متنوعة ولا يوجد ما يسمي الثقافة الواحدة فثقافة الجماعات الإسلامية غير ثقافة الجماعات التنويرية غير ثقافة الحداثة غير الثقافة الكلاسيكية فالثقافة المنتقبة ظهرت في مصر قبل بداية القرن العشرين كجزء من التقليد الاجتماعي الموجود آنذاك ثم خلعته بعد ثورة 19 وحدث تطور لأشكال الثقافة واستمرت إلي أن عاد النقاب الثقافي ينشط مرة أخري في بداية السبعينيات وأصبح هناك اساتذة جامعة ومثقفون وكتاب يؤمنون به ويتبعوها فهذه الثقافة كانت ولا تزال موجودة وهي الشائعة منتشرة الآن بين العوام . وهذا لا يعني اختفاء الثقافات الأخري.

تفسير الشريعة

ويستطرد عيسي من بين التيارات الإسلامية من يعتبر الفنون بمجملها حرام فالتيار السلفي يفسر الشريعة علي إنها تحرم ما يسمونه بالمعادن وهي الألات الموسيقية وتعتبر صوت المرأة عورة وهذا يعني تحريم الغناء علي المرأة وتحرم اغاني الغزل كما تعتبرهذه التيارات إن التماثيل أصنام وبالتالي فن النحت حرام ولابد من تحطيم التماثيل الموجودة في الميادين سواء الموروثة عن العصور القديمة أو التي صنعت في العصر الحديث . وفي مرحلة من المراحل السينما المصرية كان هناك بلاد عربية ترفض شراء الأفلام التي بها مشاهد يختلي فيها رجل وأمرأة في غرفة واحدة ليس بينهم زواج أو علاقة شرعية وحاولنا أن نفهمهم ان هؤلاء ممثلين وهذا تمثيل وليس حقيقيا. وكذلك الشيخ الذي قام برفع دعوي علي الفنانة ألهام شاهين بدعوي إنها ترتكب الفاحشة وقدم مشاهد من أفلامها . ولذلك فعلينا ان نتوقع من هذا الكثير .

ولكن لابد من المقاومة مثلما قاومنا من قبل . كما أن مثل هذه الفنون أصبح من الصعب إقتلاعها حتي الناس التي تحرمها في بلادها تسمح بها تأتي عبر القنوات الفضائية . وتنفيذ مثل هذه الأمور أصبح أمرا في غاية الصعوبة .

الإتفاق المريب

وتقول الناقدة مسرحية مايسة ذكي الثقافة المصرية يجري تنقيبها منذ وقت طويل ولدي أدانة عميقة لكثير من المثقفين وأجهزة الدولة فيما يعرف حاليا باسم النظام السابق لأن القضايا الجوهرية هربنا منها لأن الاتفاق المريب بين المنابر الدعوية في مصر وبين أجهزة الأمن والسياسة الداخلية المصرية بصفة عامة كانت قوية جدا . أثناء النظام السابق في الوقت الذي كان يتم فيه تحجيم الثقافة والفن الحقيقي في مصر وإن لم يكن تقزيمه والحقيقة لا أجد فرقا كبيرا بين تسليع جسد المرأة في الفنون الاستهلاكية وبين تحريمه وحجابه الجسدي والذهني علي المنابر فهما وجهان لعملة واحدة فنحن ندفع ثمن خروج نصر حامد أبو زيد من مصر وتعايشنا مع خروجه بإستهانة . والمجال الذي كان نشطا في الثقافة كان مجال التأليف وصحيح أن الكتاب عماد الثقافة لكن الدولة انسحبت أو كادت من الفنون الأكثر جماهيريا وتفاؤلا مع الشارع مثل السينما والمسرح واتجهت لأشكال أكثر أستعراضية مثل المهرجانات وفقط بل إنها كانت تنقلب علي مشروعها الثقافي التقدمي . فتقيم مهرجان القاهرة التجريبي باليمين وتحارب الفنانين الذين تربوا علي مستحدثاته وإلهاماته باليسار وكان المظهر الأخير وقف علي الهناجر وهدمه لمدة خمس سنوات تقريبا . فنحن نجني ثمار صمتنا عن قضايا جوهرية وعن صراع فكري حقيقي وانه لمزايدة في أول الثورة دفعت ببعض الأصوات إنها تقارن بين إطعام الشعب وبين مشروع القراءة للجميع وكأن هذا ينفي ذاك .

وتستطرد مايسة إن استمرار هذه السياسة علي نحو أوسع وأعمق تم علي مدار العامين الماضيين وفصل السياسة عن المرجعية الفكرية بما يحول السياسة والديمقراطية إلي منظومة إجراءات يتصارع عليها القوي السياسية وكأنها لعبة كراسي بما فصل باقي الشعب وأدي إلي هشاشة التغيير التي أقصت الثقافة والفكر عن صراع في جوهره ثقافيا حضاريا استخدم الدين في السياسة والمتاجرة بالدين هو منظومة فكرية بالدرجة الأولي ولا يتم التعرض لها أو مناقشتها علي هذا المستوي بما يحولها لمسألة مساومات وليس ثورة فكرية جوهرية لشعب .

إنتصار المنطق

ويؤكد الفنان التشكيلي محمد عبلة أن الثقافة المصرية لن ترتدي النقاب فالمجتمع حاليا يتحاور مع نفسه ولايوجد قوة تستطيع أن تدعي انها تستطيع ان تصبغ المجتمع بصبغتها فالمجتمع لن يرتدي النقاب ولا الثقافة سترتدي النقاب وسنصل في النهاية أن كل واحد حر ومن يريد أن يتنقب فليتنقب ومن يريد أن يدعو للشريعة فليدعو والناس ستتوافق ويجب ألا نرتكن علي أن الحل سيظهر من تلقاء نفسه فمن الطبيعي أن يحدث هذا الشد في البداية ويجب علي المثقفين الحريصين علي الثقافة أن يعملوا علي ألا تنتقب واعتقد إن المجتمع بعد المشاكل الكثيرة التي مر بها في الفترة الأخيرة بدأ يدرك أنه لا يوجد أحد يستطيع ان يتحمل الحمل بمفرده فالدعوات المتعلقة بالحوار دليل علي أن الناس ستتوافق لانه في النهاية مهما كان هناك تشدد فالمنطق هو الذي سيغلب في جميع الاحوال والمجتمع هو الذي سيختار طريقه في النهاية. وسيظل هناك ناس تحرم وتمنع ولكن المجتمع سيتصدي لهذا التخلف والرجعية لأن الثقافة ملك المجتمع كله وليس المثقفين فقط فهي طريقة حياة و تفكير فكل الناس ستدافع عنها وعن وجودها وفي النهاية الناس الذين يحرمون ويحللون ليس لديهم تصور أو بديل يقدمونه في مقابل ما يريدون منعه فالناس دائما تبحث عن الثقافة والفن والإبداع منذ الأزل .

ويؤكد دكتور محمد الصبان عضو مجلس نقابة الفنانين التشكليين الثقافة المصرية إن الثقافة المصرية لن ترتدي النقاب حيث لا يمكن وضع الثقافة في قالب لأنها مرتبطة برؤي مختلفة تتنوع مع تنوع البشر فالثقافة محملة بتاريخ وبحضارات عندما توضع داخل قالب واحد ” الحجاب الشكلي ” يصبح هذا نوعا من التخلف فالإنسان الأكثر تحضرا يتقدم بالدين وبالفكر وعمره ما يتقدم بالجهل

والانسان المنقب لا يري حيث يسيطر عليه الجهل بسهولة والجهل معناه العنف والتدمير الحضارة المصرية القديمة دمرت بسبب الجهل فالسلطة مرتبطة بالثقافة واينما توجد سلطة ديمقراطية توجد ثقافة قوية وتزدهر الفنون والعكس الحاكم صحيح لو تحولت الثقافة لعملية التحجيب وكأننا نضع ستارة علي عقل شخص وبالتالي يحدث نوع من التخلف للبشر وتزول الحضارة .

ويستطرد الصبان في وجود الجهل تكون الدعوة للتخلف أسهل من الدعوة للبناء فكلما كان الانسان لديه تفتح في الدين والحياة يستطيع ان يقرأ ويعبر عن نفسه ويطورها فيدرك معني الثقافة والفنون فما زال بعض الجهلاء يطلقون علي الحضارة المصرية القديمة ” الحضارة الوثنية “وهم لا يعرفون تاريخها ومعني ماكتب عليها من كلمات فهذه التماثيل ليس مكتوب عليها اركع او اسجد لي او اعبدني ولوعلموا ما كتب علي احد التماثيل سيندهشون حيث كتب علي إحداها ” أنا اضع تمثال لتستمد منه القوي الخاصة بي ” فلم يقل له اعبدني . فكيف في وقتنا الحاضر تحرم التماثيل و يطلق عليها أصنام فالتمثال لن يحض علي الرذيلة مثل وسائل الاعلام الجديدة تبث افلام بورنو التي تلاقي أكثر نسبة مشاهدة في العالم في منطقة الشرق الاوسط وهذه تدمر الشباب وتسبب خلل في الكيان الأسري .

المقاومة والاستمرار

ويضيف المخرج المسرحي دكتور نصر عبد المنعم بالطبع هي ازمة عامة وليس امام الثقافة سوي المقاومة وهذا عنصر مهم جدا وعلي الناس أن تعمل والشيء الذي ممكن أن يحدث وفي متناول التيارات المتشددة بسبب وجودهم في السلطة هو السيطرة علي مؤسسات الثقافية التابعة للدولة في هذه الحالة لابد أن يجد المثقفون والمبدعون قنوات أخري علي اشكال جديدة من العمل الثقافي الابداعي لا يكون نابعا من المؤسسات المملوكة للدولة وهذا ممكنا يقوي فكرة المجتمع المدني ويعطي مؤسسات المجتمع المدني فرصتها إنها تلعب دورها في الثقافة والابداع بشكل قوي في المرحلة القادمة بالإضافة ان هناك افكارا كثيرة جدا تجعل الابداع مستمرا. واعرف ناس يريدون عمل شغل كتير جدا علي اليوتيوب والانترنت في مختلف مجالات الابداع ممكن جدا ويبقي في حالة حركة وحالة ابداع جديدة وآليات تستطيع مواجهة هذا المد وفي الاول والآخر هو تحدي ونوع من المقاومة والاستمرار ودفاع عن طبيعة الشعب المصري .

الصورة في المستقبل هي الملامح الموجودة حاليا غير إيجابية وهناك هجمة وردة وشراسة وهذا بسبب وجود هذه التيارات في الحكم والسيطرة علي المؤسسات وبالتالي بدأ الصوت يعلوا وبدأ …تكون موجودة لكن المطلوب لهذا نوع من المواجهة أي إن كان الامر لابد ان يكون هناك نوع من المواجهة ونوع من الرفض وهذا دور يجب أن تلعبه جبهة الابداع التي تشكلت بعد الثورة في رصد كل التحديات عن الثقافة وعن الابداع . لانه ليس امام المثقفين والفنانين والمبدعين غير المقاومة والاستمرار لأن فكرة المقاومة تلعب دورا كبيرا في افساد هذا المخطط .

وفيما يتعلق بتأثير ما يحدث علي المبدع ذاته وعلي انتاجه الفني يقول عبد المنعم بالضرورة إن كثيرا من المبدعين سيصابون بالإحباط وبحالة من الإغتراب وهذا حدث كثيرا في تاريخ مصر فلدينا كثير من المثقفين والمبدعين تقوقعوا وبعدوا وهناك البعض سافر وهناك هجرة للخارج وهجرة داخلية في مراحل كانت اقل سوءا من المراحل التي سنقبل عليها وهذا وارد ولكن يبقي دائما الفنان المناضل ومبدع مناضل يستطيع يستمر في عمله ويدافع عن ارضه وعن الموقع الثقافي الموجود فيه حاليا فكرة حرية الرأي والابداع لا تلغي وجود تجاوزات ووجود مشاكل كثيرة وهذه المشاكل لابد أن ترصد وتواجه بكل اشكال المواجهة والمقاومة وهذه حالة لا بد ان تتم ولن نترك الساحة ونكتئب ونجلس نتفرج . سنبتدع اشكالا في العمل والمقاومة .

ويذكرني موضوع تنقيب تمثال أم كلثوم بفيلم المبدع داوود عبد السيد ” مواطن ومخبر وحرامي ” حيث بحجة الفضيلة وما إلي ذلك قام احد ابطال الفيلم بتغطية التماثيل فهذا نوع من السبق أو الرفض المبكر من فنان كبير لهذه الفكرة . حيث قام بنقل الفكرة للمشاهد قبل ان توجد الظاهرة . وهذه مأساة وتخلف . ولكن التفاؤل والقدرة علي التجاوز تأتي من أن هذا التيار ليس اصيلا وغير متجذر في الشعب المصري والحياة المصرية والثقافة المصرية تميل …وللتسامح للفكر المتشدد وهذه تصبح عبارة عن هوجات او فورات تطفوا للسطح ولكن سرعان ما تختفي مرة أخري حيث ليس لها قبول عام لدي عموم الشعب المصري المتسامح الذي يحب الابداع والذي يحترم رموزه والذي يقدر الفن ويقدر تاريخه وتراثه وثقافته فهذه مجرد ظواهر وقتية ليس لها جذور ولن تستمر لفترات طويلة .

ونحن لدينا مؤسسة إسلامية وسطية هي الازهر لابد أن تلعب دورا كبيرا في الفترة القادمة في نشر ثقافة التسامح وقبول الآخر ولا اعتقد إن التربة في مصر مهيأة وإنه حالة نشاز لا اتصور ان يكون هذا في مصر.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق