“اعترافات” لـ”  نسرين طرابلسي”

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

380

 

اعترافات

  نسرين طرابلسي

في الضبابي من الوقت

كان في داخلي شيء من رامبو

أنا البنت التي كانت روحها أكبر من جسدها

وكان عمرها أكبر من عيد ميلادها

تطير بأجنحةٍ من كلامٍ مرصودةً بلعنة اللغة

ولأجل ذنوبٍ كالشعرِ والخيال الواسع اتُّهمَتْ بالجنون

أنا البنتُ التي هربت من البيت حين كان الهروبُ حكراً على الصبيان

والتي لن تحدّثكم عن تفاصيل تلك الليلة العجيبة

عليكم أن تنتظروا حتى تبلغ الثمانين لتستعيدَ حدّة الذاكرة

أعترف اليوم أنني أنا التي تجرأت وقطعت حبال الأرجوحة    لأعاقب نفاق الأولاد المتنمرين

وأنَّ أحداً لم يحب فتاةً تريد أن تكون دوماً سيدة اللعبة

وأنا لم أحب يوما منصة الاحتياط ولا لعبة الكلب الحيران

أنا التي شقت الحذاء الجلدي الجديد البشع، الذي دفعت أمها ثروةً لشرائه،

 بشفرة حادة لأنها أرغمتها على ارتدائهل

وأنا ذاتها التي ارتدته مشقوقاً بكامل الكبرياء وبلا ندم انصياعاً للعقاب

أعترف أنني أنا التي وزعت الكبريت وكنت صاحبة الفكرة

نفخت في الحريق

وأضرمت الماء في النار وبكيت

أنا التي في طريقي إلى البيت الآن ولا ينتظرني سوى الانتظار

كنت أول من رأى للأيام ألواناً

حين كان الثلاثاء أحمر

وللأربعاء لون سلحفاة

وللإثنين وهج برتقالة

وكنت لا أرى الصفر نقطة ذهبية

وعند العد سبعة كانت تتفتح بنفسجةٌ حزينةٌ ترافقني حتى اليوم

وكان للخمسة شحوبُ صِفرِ الوجوه

وللستة سوادٌ ملكي

أنا التي حدثت الريح قبل أن تسمعوا صفيرها

وتبادلت مع السحلية نظرات الخوف

ومع الضفدع القبلات

انتعلتُ الحصى وسابقتُ سكة القطار

أتأمل الشمس حتى أرى النقاط المضيئة في العمى

وحلمت قبل المراهقة بحبيب يطير بي ساعات في الحب مثلما يفعل الذباب

أنا التي كانت تهيم على وجهها بين الشوارع وكلما ضاعت تكشّف الطريق

أنا التي دخل سيخ الحديد برجلي لأنقذ وردة يابسة من حديقة منزلٍ مهجور

وأنا التي لحقت راكب الدراجة وطرحته أرضاً لأنه صفع مؤخرتي

ومرّغت وجهه بالإسفلت

وأنا التي قفزتُ على ظهر الرجلِ الخمسيني مثل عنكبوتةٍ

وغرست معاقيص أظافري بعنقه

لأنه تحرش برفيقتي في مدينة الملاهي

أنا المصابةُ اليومَ بسرطان الخوف

أذكر أنني لم أكن أخاف

كنت أعيد الكاسيت ألف مرة لأحفظ حواراً بين قرنفل والوالي

وأنتظر اليوم الذي سأحرر فيه كل معاملات الفقراء المعطلة

أنا البنت التي بكت في الخزانة حين انتحرت داليدا

ومازلت أصفف شعري مثلها

وأحلم بموتة ميلودرامية على المسرح تجعل كل الذين تركوني يندمون

حلمت بنعشٍ مزركش

 بنشيدٍ كالسلام الوطني لدولة الفرح

وبفرقةٍ كركلا تشيعني إلى مثواي الأخير،

قبل أن تكتب صباح وصيتها الهزيلة بأربعين عاماً

أنا البنتُ ذات الطاقة العالية

تصعقُ كلَّ من يلمسها بكهرباءِ الجسد

والتي كانت كلُّ جلاءاتِها ممهورةً بملاحظة قاضية:

“ذكية.. ولكنها كثيرة الحركة”

أنا التي دخلت الحظيرة باكراً وأقفلت الباب بالرتاج الثقيل

وهربتُ مثل فرسٍ برية قبل رصاصة الرحمة

أنا ذات البنت التي تؤمن اليومَ أن الحكمة تحتاج إلى بعض الجنون

وأن الجنون حتى يؤتي أكله يحتاج إلى الكثير من الانضباط

أنا التي كانت ترى ما وراء الرؤية

أعترف أنني حين أغمض عيني لا أنام.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق