“نداء استغاثة” لـ”هوشنك أوسي”

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

306

نداء استغاثة

      هوشنك أوسي

هذا الزّمن، ما عاد ينفعُ في شيء.

كأوراقٍ نقديّة مزوّرة، يوزّعها القدرُ على جالسين إلى طاولة قمار.

لا يثق بأحد، حتّى في نفسه.

يعتبر الأزمنة الأخرى، نذلة وخائنة

وأن مرورهُ بنا، شرفٌ عظيمٌ، لا نستحقّهُ.

هذا الزّمن، لا أملَ فيه.

لكننا لا نملُّ ارتيادهُ

كأنّه الطبيبٌ الوحيد في هذه المصحّةٍ النفسيّةٍ، التي تُدعى الحياة.

***

هذا المكان، ما عاد ينفعُ في شيء.

كسماواتٍ قلقة، ميئوس منها، تشهرُ في وجوهنا لعناتها والمخالب.

شديدُ الثقة في نفسه، وأن البحارَ مديونة له.

أوهَمَنا بأنّ عبورنا منه، عبورٌ بأنفسنا

ومكوثنا فيه، تلصّصُ على مقتناياته من أسرار الغيبِ ونفائسِ مجازاته.

مشعوذٌ، عبوسٌ، يبوسٌ، بخيلٌ ولئيم

كمقبرة قطارات قديمة، نخرها الصدأ، في انتظار الطحن والحرق.

هذا المكان ما عاد ينفع في شيء

كنهرٍ أرعنٍ وعشوائي، يتدفّق بغزارة من صورٍ تذكاريّةٍ، لا تذكّرنا بشيء.

***

هذا القلب ما عاد ينفعُ في شيء

دائم الثرثرة والبكاء، الندب والنحيب.

دائم الشكوى من خيانات الحياة، وخذلان الموت

كقلب ثور، مهووس بالثورات.

عينهُ عينُ طاووسٍ، شغوف بالشعر والوساوس.

متهوّرٌ، قلقٌ وعنيد.

يعبدُ كوارث الماضي.

يعبّدها. يعيدُ ترتيبها، كقلبِ يعسوبٍ عجوز، يلاحقُ ملكة نحل.

يحرجني أحياناً، يورّطني دائماً.

هذا القلب الَّذي ما عاد ينفعُ في شيء

حتّى في كونه خزانة ملابس نسائيّة مستعملة.

***

هذا العقلُ ما عاد ينفع شيء.

يقتفي أثر الأسئلة البائدة.

أفقدني الكثير من الأصدقاء.

أكسبني المزيد من الأعداء.

كأنّهُ ليس عقلي، بل عقلُ حافلة مكتظّةٍ بالركّاب

تسير بجنون على حافّة وادٍ سحيق.

يلعنُ الظلامَ، ويرفض إشعال شمعة.

يكتفي بإضرام النيران بثيابي، قصائدي، ذكرياتي ومصاحفي.

هذا العقلُ ما عاد ينفع في شيء

وقودهُ النوايا الحسنة، وعطورُ النساء، وتنانيرهن،

والقليلُ من ملحِ الثّورات وأوهامها.

***

هذا الخيال، ما عاد ينفع في شيء

مرعبٌ، لا تأويل له.

وعرٌ، لا تأجيل له.

كثيفٌ وغزير، لا عناوين ومواقيت له.

في ما مضى، ارتدته عشيقاتي حذاءاً بكعبٍ عالٍ.

استخدمنه دانتيلا يزيّن ملابسهنّ الداخليّة.

لكنه تآكل واهترأ، وما عاد ينفع في شيء.

عافته القصائدُ والسرود.

جافته الألحان والألوان.

لفظتهُ الصباحاتُ ديكاً.

بات ذئباً هرماً تساقطت أسنانهُ

وثوراً سقط من لائحة أبراج الطالع

ومن أناشيد وهتافات الثوّار، وأساطير وجدل الثورات.

***

هذه الحياة، ما عادت تنفع في شيء.

كماخورٍ سومري، بسقفٍ مهترئ، جدرانه آيلةٌ للسقوط.

أغنيةٌ عافها كلامها واللحن.

متحف للأقنعة، يلتهمهُ لهيبُ النسيان.

أوطانٌ خليعة، واغترابات خليعة، يحرسها قوّادٌ عتيق اسمه الموت.

ما عادت هذه الحياة تنفع في شيء

كمضاجعةٍ عديمة اللذّة، ولا تنتهي،

تبقي المرء رهين الخذلان.

تبقيهِ خرقةً باليةً ملطّخةً بدم الخسارات.

***

كطاغوتٍ بليد، ينقضُّ علينا.

لا يضعُ النقطة الأخيرة في آخر سطر من أسفارِ الحياة.

قطيعٌ من البغال، يجرُّ عربات الفشل والندم واليأس.

لا يخجل من كونه بلا أب أو نهاية.

لا يخجل من عار بداياته.

حشّاش وعربيد.

يجالسني، يشرب قهوتي، نبيذي،

يعدني، وينكث، يتنصّل ويتهرّب.

لا يحلو له النوم إلاّ في قصائدي.

هذا الوغد الذي لم يعد ينفع في شيء، وتسمّونه الموت.

31/12/2020

أوستند

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق