أمينة النقاش تكتب:تماثيل رخام ع الترعة وأوبرا

276

ضد التيار

تماثيل رخام ع الترعة وأوبرا

أمينة النقاش

شكلت ثورة 25 يناير موجة الانطلاق الأولى، لكى تبدأ موجتها الثانية فى ثورة 30 يونيو ترميم جراح وطن مثقل بالفقر والمرض والجهل والتخلف والتفاوت الاجتماعى، والاستبداد المدنى والدينى. وكانت البداية خطة واضحة المعالم تمتلك الرؤية الاجتماعية النافذة، والإرادة السياسية، لبدء التصدى لسنوات من الركود وتفشى الفساد والعشوائية فى السلوك المجتمعى والقرار التنفيذى، وانعدام المسئولية، وغيبة الضمائر التى استحلت بشره عميم، مسنود بتشريعات مفصلة تفصيلا، نهب المال العام، وإشاعة مناخ من اللامبلاة واليأس. فضلا عن ترحيل مشاكل الوطن إلى خارجه، بتشجيع العمالة المصرية للسفر إلى دول الخليج، لتعود ليس فقط، بمشاكل اجتماعية وثقافية وسياسية، بل كذلك مشاكل اقتصادية ترهن مستقبل البلاد بدخل متغير غير ثابت، لارتباط تدفقه، بأوضاع غير مستقرة لدول الإقليم.

إنشرح قلبى أثناء مشاهدة الرئيس السيسى يصطحب معه أعضاء مجلس الوزراء لتفقد منطقة «عزبة الهجانة» بشرق القاهرة، وهى واحدة من أكثر المناطق إهمالا وعشوائية فى العاصمة، برغم أنها محاطة بتجمعين من تجمعات الإسكان الفاخر هما «مدينتى» ومدينة «الرحاب». مساحة العزبة نحو3 كليومترات مربعة، يعيش بها طبقا لتقديرات 2009 نحو المليون ونصف المليون نسمة وهو عدد تضاعف كثيرا خلال العقد الماضى بطبيعة الحال. تصطف البيوت الشاهقة بها، التى بنيت كلها بوضع اليد، كعلب السردين. حارات ضيقة تفصل بين مبنى والآخر، خدمات الصرف الصحى والكهربا والمياه الصالحة للشرب متهالكة، وغيبة تامة لأى سلطة تنفيذية تمنع وتنصح وتوفر الخدمات لأهلها، لتصبح العزبة بيئة مهيأة لكافة أنواع الجرائم، وعصية على الهدم وإعادة البناء.

تأملت وجوه الصبية من فتيان وفتيات الذين فوجئوا بزيارة الرئيس، وخرجوا أفواجا لتحيته والترحيب به، فذكرتنى وجوهم بما كتبه يحى حقى فى مذكراته «خليها على الله» واصفا وجوها مماثلة من أهل الريف الذى ذهب إليه بعد تخرجه من كلية الحقوق، نائبا فى الأرياف فى ثلاثينيات القرن الماضى. يقول يحى حقى: التناقض بين العمر والوجه كان يلاحقنى مرات غير قليلة. فى منفلوط تلقيت لأول مرة فى حياتى عن قرب وجها لوجه ضحايا البلهارسيا والملاريا فتية كثيرون فى زهرة العمر، اكتسى وجههم بسبب هذين المرضين الخبيثين بصفرة الموت. انتفخت بطونهم بثقل طحال متضخم. أصبحوا مسخا نحار كيف نصفهم، أهم شباب أم شيوخ؟ فى عيونهم نظرة مجهدة.. لهفى على صبية صغار لم يشبوا عن طوق الطفولة من الكادحين فى الريف والمدن. أولاد الفلاحين فى الغيط، الباعة السريحة فى المدن، والخدم الصغار من بنين وبنات.. حرموا جميعا من مرحلة هى أجمل العمر، مرحلة الطفولة بلهوها وأخيلتها. إن هذا الغدر بالطفولة مأساة نعيشها ونغفل عنها. وينهى حقى وصفه لهؤلاء مؤكدا أن سعادة الأمم إذا قيست بالدخل القومى أو انتشار التعليم، فإنها تقاس أيضا بنجاحها فى أن تتيح لكل مرحلة من مراحل العمر حقها وحظها فى الحياة .

ولأجل الحق فى حياة كريمة لهؤلاء الصبية وذويهم، بدأت الحكومة مشروعها الحيوى للتصدى للعشوائيات، كما باشرت خطة منهجية لإصلاح عزبة الهجانة ومدها بخدمات للصرف الصحى والكهرباء ومياه الشرب، والخدمات التعليمية والترفيهية، التى تيسر على سكانها سبل العيش الكريم. ولعل ذلك يعد امتدادا للمشروع الحضارى العملاق لتطوير الريف المصرى، الذى تعاقبت عليه عقود من الظلم والتهميش والتجاهل والإهمال. ويبدأ مشروع «حياة كريمة» بتطوير 1500 قرية فى الريف المصرى، تضم 50 مركزا، ويقطنها 18 مليون مواطن، بتكلفة تصل إلى 50 مليار جنيه، ليصبح حلم صلاح جاهين وعبد الحليم حافظ وكمال الطويل بتماثيل رخام على الترعة وأبرا فى كل قرية «مصرية».. دى ماهيش أمانى وكلام أغانى، ده بر تانى قصادنا قريب يا معداوية، يصبح ذلك الحلم المؤجل، والعزيز على قلب كل مصرى، على مرمى حجر.

تعليق 1
  1. الديوانى يقول

    “الحياة الكريمة” تبدا بالتعليم والخدمات الصحية. لعقود طويلة تحاول الدولة التنصل من تلك المسؤلية. حتى فى وجود نص دستوري يرغمها على تخصيص جزء يعتبر متواضع من ميزانية الدولة ، نري محاولات التملص من تلك المسؤولية. السياسة التى تتبعها وزارة التربية والتعليم تتلخص فى تعليم خاص للمقتدرين اما بقية الشعب فلهم “التابلت”. اثبتت الاحصاءيات والدراسات التناسب العكسي بين الإنجاب ومستوي التعليم للآباء وخاصة الأمهات. من الواضح ان بناء الطوب والخرسانة اسهل وارخص من بناء الانسان. مازالت الدولة تصر ان الغرض من التعليم اكتساب مهارات معينة بغرض “استيفاء احتياجات سوق العمل” فى حين ان التعليم “كالماء وأهواء”.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق