د. جودة عبدالخالق يكتب:المشروع القومى الأهم

592

لقطات
المشروع القومى الأهم

د.جودة عبد لخالق
تعددت المشروعات القومية عندنا وتنوعت أسماؤها. لكن يظل المشروع الأهم على الاطلاق حتى الآن في دائرة العدم. أعنى بذلك مشروع محو الأمية. مصر أحوج ما تكون الآن إلى مشروع قومى لمحو الأمية. لماذا نقول هذا الكلام؟ لأن مصر بتاريخها الطويل عرفت الكتابة (الهيروغليفية) نحو 3000 سنة قبل الميلاد استيفاء لمتطلبات الدولة وضبط عمليات الإدارة والاقتصاد عن طريق السجلات المكتوبة، في نفس وقت ظهور الكتابة في العراق. ومصر هى موطن مكتبة الإسكندرية القديمة في القرن الثالث قبل الميلاد، ومعقل الجامع الأزهر الذى افتُتِح عام 972 م كمسجد ومعهد تعليمى. في المقابل، فإن نسبة من يعرفون القراءة والكتابة عندنا الآن في حدود 71.2%، مقارنة بـ78.5% كمتوسط عالمى. فكيف لبلد بهذا التاريخ المضىء أن يرضى بمركز شديد التدنى على مستوى العالم من حيث معرفة القراءة والكتابة؟ لكن الأخطر من هذا المركز المتدنى هو غياب الوعى به والإرادة لتغييره.
كانت البداية الحقيقية للعمل لمحو الأمية عندما صدر اعلان رئاسى في سبتمبر عام 1989 باعتبار التسعينيات عقداً لمحو الأمية وتعليم الكبار. وتنفيذاً لهذا الإعلان الرئاسي صدر القانون رقم (8) لسنة 1991 في شأن محو الأمية وتعليم الكبار. إنطلاقا من حق كل مصري في التعليم وأن يبقى متعلماً ما بقى على قيد الحياة، وإيمانا بأهمية محو الأمية لتحقيق التنمية الأقتصادية والاجتماعية والثقافية. وبمقتضى هذا القانون أنشئت الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار عام 1992، كهيئة ذات شخصية اعتبارية تتبع وزير التربية والتعليم. وقد أناط القانون بالهيئة المسئوليات التخطيطية والتنفيذية والتعليمية التي يتطلبها العمل لمحو الأمية وتعليم الكبار. وطبقا للمادة 25 من دستور 2014، تلتزم الدولة بوضع خطة شاملة للقضاء على الأمية الهجائية والرقمية بين المواطنين فى جميع الأعمار، وتلتزم بوضع آليات تنفيذها بمشاركة مؤسسات المجتمع المدنى، وذلك وفق خطة زمنية محددة.
ماذا كانت النتيجة بعد اعلان عقد محو الأمية، وبعد إصدار قانون، وبعد إنشاء هيئة عامة، وبعد نص الدستور؟ للأسف لم يتحقق تقدم كبير. فما زالت مصر تقبع بصورة مخزية قرب قاع الأمم في مجال محو الأمية. فمعدل الأمية عندنا ما زال أعلى منه حتى في بلد مهول السكان مثل الهند. تمخض الجبل فولد فأرا! بل إنه بعد عشرين عاما من هذا التحرك، أوصت إحدى اللجان البرلمانية عام 2018 بإلغاء الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار وتحويل مهامها لبرنامج لمحو الأمية وتعليم الكبار، للقضاء على مشكلة انخفاض نسب الإنجاز وارتفاع حجم الاعتمادات التي تصرفها الهيئة! والطريف أن اللجنة الموقرة أوصت بإصدار قانون منظم لعملية محو الأمية في مصر وتحديد مسئولية من سيقوم بمحو الأمية في الجهات المختلفة في الدولة والمجتمع المدني. يعنى للخلف در، ومحلك سر!
في الاقتصاد نتحدث عن رأس المال البشرى. وفى المقارنات الدولية، فإن دليل التنمية البشرية هو أهم المؤشرات الدالة على درجة تقدم الأمم. وليس معدل النمو ولا ارتفاع الأبراج ولا طول أو عرض الطرق والكبارى. الأهم والأبقى هو بناء الإنسان. فهو البداية والنهاية لأى انجاز في اى مجال. ولا يجوز أن ننسى أن الأمية تسهل تزوير الانتخابات وسرقة الدعم. ولنتذكر جيدا أن من اهم عوامل نصر أكتوبر 1973 تجنيد المتعلمين بدلا من الأميين. فلماذا فشلنا نحن بينما نجح الآخرون؟ السبب أنهم تعاملوا مع المشكلة بنفس سياسى فجعلوها مشروعهم القومى، بينما أحلناها نحن إلى مسألة بيروقراطية محكومة بمنطق الميزانيات والدرجات والترقيات. فوصلوا هم إلى حيث أصبحوا، وبقينا نحن حيث كنا.

تعليق 1
  1. الديوانى يقول

    إلغاء الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار
    بعد عدة عقود من الفشل ربما حان الوقت لالغاء تلك “الهيئة” واعادة النظر فى مشكلة الأمية والوصول الى حلول جديدة خاصة بعد تطور التكنولوجيا التى تتيح “التعليم الذاتى” و “التعليم عن بعد”. وعلى عكس اغلاق مصانع الحديد والصلب التى لم يعد لها ضرورة استراتيجية تتطلب الدعم مهما كان الثمن ، “الأمية” تعتبر مشكلة قومية “مخزية”. ولكن العلاج ليس دائماً بتكوين “هيئة عامة”. حتى لو افترضنا ان تلك الهيئة تقوم بعمل خارق لمحو الأمية ، من الواضح ان اعداد الذين ينضمون الى هذه الفئة اكبر بكثير ممن تقوم بمحو اميتهم. مهمة تلك الهيئة تعتبر مكملة للنظام التعليمي وليست بديل له. بالتالى نقطة البداية يكون من خلال نظام تعليمي بدون ثغرات يسقط من خلالهما شريحة كبيرة من المجتمع او “الأميين”. للاسف نظرة المجتمع للتعليم بصفة عامة تعتبر ايضا “مخزية”. علن سبيل المثال نشر “المصري اليوم” راي احد الصحفيين المخضرمين عن التعليم الجامعى “هل نحن فى حاجة إلى جيش جرار من خريجى الجامعات يشكلون بعد قليل «منتجع بطالة»”. تصريحات المسؤولين ووسائل الاعلام لا تري فى التعليم سوي اكتساب مجموعة من “المهارات” لاستيفاء احتياجات “سوق العمل”. “التعليم كالماء والهواء” ينطبق اليوم اكثر من اي وقت مضىي ويعتبر الوسيلة الوحيدة للتقدم الاجتماعى. للاسف استخدم التعليم فى العقود الاخيرة لتفكيك الطبقة المتوسطة وما يصاحبها من تغييرات اجتماعية التى بدات بعد رحيل عبد الناصر.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق