“ظمأ العزلة” قصة قصيرة لـ”كرم الصباغ”

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

367

قصة قصيرة

  ظمأ العزلة    

كرم الصباغ

بهلول في أطراف الواحة يفترش الأرض ،أعين شاخصة تلتهم سرابا يتراءى  ،ثياب رثة أكل الدهر عليها موائد من  حزن، لحية من شعر أشعث لرجل آت  من كهف غابر، أقدام حافية ،أخاديد الكعبين فجاج مبثوثة، صدر موجوع يطارد سمان البوح ، مسبحة من فلق النور تتدلى على الصدر  شفاه يبست من ظمأ الحر، جوع  يحرق  أحشاء خاوية، رجل بالكاد يتذكر طعم الزاد، رسوم مشتبكة على أديم الرمل، أعين مشدوهة تراقب في ذعر أطيافا وشخوصا كالحة تطل في أفق الصحراء ، حركات متشنجة وزفير محموم، جواد من ريح طار خلف هواجس مجنونة،  بحر زاخر وسط الرمل  وبهلول يصارع أمواجا، أسماك متراقصة، سفن متمايلة، أشرعة خفاقة، ذئاب عاوية  في قلب الموج، ووجوه عابسة تقذف أحجارا ،دماء نازفة من قدمي المجذوب ، صرخات تستجدي القاذف أن يغمد وابل أحجاره، قذف منهمر في عناد سافر، جسد متكور يلوذ برمل كنخاس شره يبيع اللائذ في سوق الرجم المشؤوم ،  البهلول  يخبئ  وجها ملتاعا  ،ويهرول صوب الواحة يلتمس نجاة، سهم مارق، أنفاس مذعورة تبث مر الشكوى  ،عيون ساخرة كخناجر ،سباب داعر مزق فؤادا مكلوما ،و الأمن يمامة سحقت للتو  تحت سنابك خيول الحمقى، ضحكات ماكرة تغري الأطفال، طوفان من أيد خشنة تجذب في عبث أطراف ثياب المذعور،  تصفيق ممجوج ،ألسنة المارة مشارط حادة ، و البهلول المنعوت بخبل وجنون يطلق صرخات الشجب في وجه الريح والعميان، رجل كدمية قش يدفع سيلا أعمى من عفن القسوة ،أجنحة مكسورة لفرخ مذبوح ،والمجذوب  يفر من خناجر الضحك المسعور، فيطارده أطفال الواحة كعلكة تمضغها الأفواه ،والآبق دائما يلتمس ملاذا ،سيعاود كرته  بين طرفي الرمح المشدود :طرف مهجور يعج بقذف وحجارة ،وطرف مأهول يضج  بصديد القسوة ،والبهلول الآبق يركض بين طرفي الواحة  حتى يفنيه الركض ،لهاث متصل ،أنفاس متلاحقة ،والبهلول المنهك تخور قواه ،فيخر على الرمل المتوهج كسعف يابس تذروه الريح ، الشمس سعير فظ ،ورمل القيلولة نخاس غليظ القلب ،والمطروح على الرمل ضعيف لم ترحمه طقوس ظهيرة ، فراح يسب الشمس ، لا تعجبْ ؛ فالشمس المتغطرسة لم تسمع يوما أنين المجذوب .

                                                (  ٢ )

في كل مساء يترقب البهلول غروب الشمس، وحينما يجن الليل، وتلتمع نجوم ترسل شارتها إلى العشاق، يخرج البهلول نايا من غاب، ويعزف ألحانا عذبة لحسناء منسوجة من نور الأقمار عشقته منذ سنين ، ذاكرة مهترئة لم تحص عدد ليال ممتلئة بأريج النشوة في صحبة حسناء مهما طالت غيبتها تعود وفي يدها الترياق ، الليل رغيف من أنس يلتهمه المجذوب الجائع بنهم ، وحينما يملأ الأمن خواء القلب ، يسب الشبعان لتوه نهارا يتبجح بزحام ممقوت ،يالصفاء العزلة ، والبهلول  يقلب وجها في سماء لم يعشقها إلا في الليل الحالك، رجل يمقت شمسه ويعشق ليله يسكب من نايه ألحان الشوق ،فينشق الرمل ،وتولد حسناء من رحم  المحنة ،فيبتهج البهلول ، وكطفل تائه ينحي  الناي ،ويشكو إلى حبيبة طالت غيبتها جفوة أهل الواحة و شخوص الوهم وحجارتهم و أفعال الجمهور الأبله،  وبحنان مغزول من قلب عارف تهدهد الحسناء المجذوب ، وتسقيه رضاب القبلات، وتطعمه من تين أنوثتها ، الفجر سوط منقوع في الزيت، جلد بزوغه ظهر البهلول العاشق، فتشبث  برداء حبيبة راحت  تتلاشى كخيوط دخان ،  نور الصبح يعربد في الأجواء ،  الرمل الأخرس ينشق ،و الحسناء تودع  عاشقها البائس ، و تعود إلى عالمها المحجوب، والبهلول بحسرة   يعود  إلى سجن ضاقت قضبانه ذرعا بشمس ونهار وزحام .

                                          (  ٣)          

 الواحة صارت تابوتا ، والبهلول صار هشيما يابسا كأحطاب التنور ، ملَّ المجذوب حصوات الأرض المشؤومة  ، وعاف فتات الخبز ، وانزوى خلف الكثبان كوقود منتحر أضناه الصوم ، فصار ساكنا كظل زائل ، فازداد الجسد نحولا  ، و برزت عظام الوجه ، و انهمك في إبعاد الغربان الناعقة في وجهه صباح مساء ، ولما تعاظمت الطيور السوداء، و صارت غولا هم بافتراسه ،استغشى  ثيابه ، و رغب في الفرار كعادته، فلم يسعفه جسده الخائر ، فعجز عن الركض ، و قبع مكانه مكبلا  كعشاء مستسلم على مائدة الخوف و الإعياء.

                                        (  ٤)

 كالغربال المهترئ استقبل البهلول الليل، وأخرج نايه، وبأنفاس مكتومة عزف اللحن الواهن ، كرذاذ يغسل صحراء لم تفتأ ترتع في جنابتها نادى اللحن حبيبته، ولما تم الغسل ، وأمسى الرمل طاهرا كثلج  أبيض، فقد البهلول الوعي تماما ، وأنار بدر الحسناء جنبات الأرض ، و كعادتها أغاثت بنت الأقمار المغشي عليه ، فأعارته النبض، و سقته رشفات الماء ، فسرت رعشة خافتة في بدنه، قد آن رجوع مسافر تائه إلى داره بعد أن وفي الدَين في رحلة حبلى بالأسرار ، كانت الأرض فيها التفاحة ، وكان البهلول الغائص في محنته كآدم في صورته الأولى، بشفقة قلبت الحسناء الجسد المنهك ، جسد فان ملفوظ انكشفت عورته ، خصفت الحسناء على سوءته أوراق التوت  ، بحنان محب شقت بنت الأقمار صدر المجذوب وأخرجت علقة منكمشة غسلتها في طست فضي بماء الورد البارد ، و لما أتمت غسل القلب، صار قلب البهلول كشمعة تهب الرمل على استحياء حبات خافتة من عنقود الضوء الكامن في الدهليز، و لما سقته الحسناء شراب النور ، سرت الحرارة في أوصاله ، وصارت روحه فتيلا يتبتل أشعت منه أنوار خضراء كأوراق الزيتون، للكشف مخاض فائر جاء سريعا ، ففاح المسك حتى ملأ أنف المغشي عليه، ببطء صاحبه أنين و توجع فتح البهلول عينيه كرجل عائد من موته، و لما رأى الحسناء تمد إليه حلته الناصعة أنارت في وجهه أباريق الفرحة ،كمريد ارتدى البهلول ثيابه و شد عمامته الخضراء، و أقام الحضرة ، وانهمك في ترديد الأوراد خلف بنت القمر المغزولة من خيوط الألق الشفاف ،  ثمة مسافرون ظهروا للتو بوجوه من لبن خالص، هتفت الحسناء: ها قد حضر الأحباب، فذق كغريق و لا تحنث ، مدْ اليد كي تولد ، بسط البهلول الكف المتشقق ،و نال العهد،  و لبس  قميص طريقته و جبة عزمه ، بجسد مرتجف و عرق متصبب واصل تلاوة أوراده حتى أتم  الكلمات ، و لما اكتملت شعائر ميلاده ، ذاب البهلول في الحسناء ،وذابت فيه، فاختلطا كعجين مختمر،  وصارا  عند طلوع الفجر خيطا مغزولا من ذات الدخان المتلاشي ، و بأيد شفافة دفع البهلول باب الدار المغلق ، وعبر في صحبة حسنائه إلى أشجار النبق المزدانة بحمامات بيض ، بينما انساب خمر لذَّ شرابه في كواثر رقراقة

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق