فريدة النقاش تكتب:مأزق الثقافة والمثقفين

268

قضية للمناقشة
مأزق الثقافة والمثقفين
فريدة النقاش
في مصر الآن 600 قصر وبيت ثقافة ومكتبة, وهذا واحد فقط من إنجازات كبيرة لهيئة قصور الثقافة أو الثقافة الجماهيرية التي كان تطويرها الي هذا المستوي واحد فقط من الأعمال الكبيرة التي اسسها الوزير المفكر “ثروت عكاش” شأنها شأن اكاديمية الفنون التي تحولت منذ نشأتها الي قبلة للراغبين في دراسة الفنون من كل أرجاء الوطن العربي, وأدت دورا مركزيا في هذا السياق.
ولعبت مصر عن طريق مؤسساتها الثقافية تلك دورا تأسيسيا في كل البلدان العربية تقريبا, وتجلت الثقافة – في هذا السياق- كأساس متين وراسخ لتطلع العرب لوحدتهم القومية, فسبقت السياسة التي كانت أساسا للشقاقات والافتراق بين بلدان الوطن, ليدرك الجميع أن الثقافة هي عمود الأساس لأي وحدة قومية يجتمع حولها العرب اذا عز اللقاء.
وكان من أبرز إنجازات هيئة قصور الثقافة هو ترتيبها للأولويات. اذ كان جديدا علي جمهور المثقفين والمصريين عامة أن يبدأ عمل المؤسسة في الأقاليم في دولة ظلت طيلة تاريخها القديم والحديث دولة مركزية بامتياز.
ومن الأقاليم ومن معطف الثقافة الجماهيرية برزت عشرات المواهب في الأداب والفنون والفكر رعتها هذه المؤسسة بصبر ومحبة ودأب. وتشكل علي مر السنين مؤتمر أدباء الأقاليم الذي توافق المبدعون من أدباء وفنانين ومفكرين علي تغيير اسمه مؤخرا ليصبح مؤتمر أدباء مصر تخلصا مما علق بوصفه بمؤتمر الأقاليم من شبهة “دونية” طالما ارتبطت بكل ما يأتي من خارج المركز بسبب سطوة الدولة المركزية لا علي الافكار فحسب وانما علي الوحدان ايضا.
واصبح هذا المؤتمر علي مر الزمن – علامة مميزة تفخر بها مؤسسة الثقافة الجماهيرية, ويحرص الأدباء والمبدعون عامة علي التواجد الفعال أثناءها.
وحين تولي الدكتور أحمد عواض رئاسة الثقافة الجماهيرية حمل إليها مشروعا طموحا للتطوير, وكالعادة وقفت الموارد الضعيفة في وجه المشروع, وهو ما يدعونا الي توجيه السؤال الدائم للدكتورة ايناس عبدالدايم وزيرة الثقافة حول أولويات الوزارة, إذ يري مثقفون كثيرون- وأنا منهم- أن الثقافة الجماهيرية لابد أن تأتي علي رأس هذه الأولويات. فالثقافة الجماهيرية هي المؤسسة القومية التي تبحث عن المواهب في كل أرجاء الوطن لإبرازها ومساعدتها علي الحضور الفعال في الحياة الثقافية, ولطالما تطلعت مؤسسة الثقافة الجماهيرية الي تشجيع الموهوبين للبقاء في بلداتهم وحتي في قراهم بدلا من النزوع إلى القاهرة, ونادرا ما نجحت في هذا المسعى, لأن آفة المركزية الشديدة كانت دائما أقوى منهم, ومع ذلك بقي عدد منهم في الأقاليم ولم ينزحوا إلى القاهرة.
ولا تزال الثقافة الجماهيرية- رغم ضعف الموارد- هي المنبع الأساسي لاكتشاف الموهوبين في كل أرجاء الوطن, وهو الوضع الذي يدعونا لإعادة النظر في طرائق العمل وأساليبه في الأقاليم, مع الإقرار بحجم الصعوبات التي يمكن أن تواجه مثل هذه العملية في دولة شديدة المركزية.
وللثقافة الجماهيرية مهمة أخرى لا تقل خطورة هي نشر الثقافة في القري المحرومة, فرغم وجود هذا العدد الكبير من قصور وبيوت الثقافة فلا تزال هناك آلاف القرى المحرومة من الثقافة, وهو الوضع الذي يحتاج إلى رؤية جديدة تنفلت من قبضة المركزية, وسوف تتبلور في ظل مثل هذا الوضع تغييرات جدية في نظرة المجتمع للثقافة بما يناسب العصر وأدواته, ولا ننسي أن عدد سكان مصر ربما تجاوز المائة مليون نسمة.
ويتحمل المثقفون التنويريون مسئولية كبيرة في هذا السياق الشائك, وإذ يدفع الجمهور المتعطش للثقافة الجادة ثمنا باهظا للوصول إليها وتملك أدواتها, ولا يخفي علينا أن هذا الوضع يؤدي إلى عزلة واسعة للمثقفين عن جمهورهم المنشود, ثم تتباري الأقلام والأصوات الإعلامية في الحديث عن نخبوية ا لثقافة, وتعالي المثقفين علي الجمهور العادي, وهو ما يجافي الحقيقة, لأن المثقفين في أزمة.
كان إذكاء روح البحث والابتكار, والولوج الي المناطق المسكوت عنها, وكشف المستور- كانت جميعا ولا تزال أهدافا نبيلة امام المبدعين والمفكرين من بينهم, وطالما وقفت القيود علي الحريات لا فحسب تلك التي تفرضها الدولة أحيانا وانما أيضا القيود التي يتوافق عليها المجتمع ضمنيا- في طريق الإبداع الحر لتتبدد مواهب وقدرات وتتحلل من اليأس والقنوط. بينما تفرض المركزية علي مبدعي الأقاليم قيودا مادية ومعنوية شتي غير هذه تعوق مواهبهم ويكافح هؤلاء للوصول بأعمالهم إلى الجمهور العادي, ويكافحون أيضا للرد علي السؤال المطروح علي نطاق واسع. وهو: هل مازلنا بحاجة إلى الثقافة في عصر السماوات المفتوحة والتدفق الهائل للمواد الإعلامية؟
وربما سيكون علينا أن نجيب عن هذا السؤال ببحث جديد عن مستقبل الثقافة في مصر نجدد فيه سؤال “طه حسين” في بداية القرن الماضي عن هذا المستقبل.
وربما سيكون علينا أيضًا أن نتعامل مع مخاوف المثقفين من أن يجرف الإعلام الهادر كالشلالات أسس الثقافة ويعزلها على أقل تقدير اكثر مما هي معزولة فعلا.
وتؤدي هذه المخاوف الي قلق بين المثقفين حتي انهم يتداولون فيما بينهم فكرة البحث عن مخرج, ويدعو البعض منهم لعقد مؤتمرات لكل قطاع علي حدة تطلعا لمثل هذا المخرج من المأزق الشامل الذي تعيشه الثقافة والمثقفون خوفا من الاندثار, ولن يحميها من خطر الاندثار سوى الوصول لأوسع قاعدة جماهيرية.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق