ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأخرى… الطريق المسدود!!

أنور مغيث: أدعو إلى إنشاء صندوق أو تخصيص ميزانية لتشجيع الناشر الأجنبي على ترجمة الكتاب العربي

167

أحمد الخميسي: القارئ الأوروبي لا يعرف عن الأدباء العرب شيئا

سهير المصادفة: يجب عمل بروتوكولات مع الناشرين الأجانب في الخارج

تحقيق: أمل خليفة

قضية الترجمة العكسية من اللغة العربية إلي اللغات الأجنبية تحتاج إلي عمل جاد وواع، ولابد أن تقوم عليها مؤسسة تجمع خبراء في أكثر من مجال، مثل خبراء لتقييم الأدب الذي يستطيع أن ينافس في الخارج ويصل إلي العالمية، وخبراء في مجال الدعاية والإعلان، وأيضًا خبراء علي دراية واسعة بعملية النشر والترجمة من شيوخ الجاليات المصرية والعربية في الخارج، هذه “الروشتة” البسيطة في رأيي هي موجز لحل مشكلة الترجمة لمنتجنا الأدبي من العربية إلى اللغات الأخرى وسوف نتعرف بالتفصيل علي أبعاد المشكلة من خلال سطور التحقيق التالي.

قال الكاتب والقاص الكبير دكتور أحمد الخميسي أن الكتاب على كل الأحوال هو سلعة نسعى  إلى بيعها، وليس طبعها ووضعها في المخزن! فمن الذي سوف يشتري هذه الكُتب من الخارج وهو ليس لديه أي فكرة عنها؟!. فنحن  قمنا بترجمة رواية “الحرب في بر مصر” للأديب يوسف القعيد إلي أكثر من لغة، ولكن المعروف بالكاد بالخارج هو نجيب محفوظ فقط، وحتي دائرة الاهتمام به بالخارج ضيقة بل تكاد تكون مغلقة علي المستشرقين والمهتمين بالأدب العربي، ولا ترتقي لدائرة الاهتمام “بجابريل جارسا ماركيز” الذي يتهافت  الجميع علي القراءة له.

وأضاف الخميسي قائلاً: نحن هنا نتكلم عن نجيب محفوظ فما بالك بكاتب ليس في مكانته، من الذي سوف يشتري كتابه المترجم من العربية إلي اللغات الأخرى؟! فعملية ترجمة الكتب وطبعها تحتاج إلي أموال،  وبعد   ذلك لن يقدم أحد علي شرائها.

وأستطرد الخميسي متحدثاً عن تجربته الشخصية قائلاً: لقد قام شخص لا تربطني به أي علاقة يقيم في أمريكا بترجمة مجموعة قصصية لي بعنوان ” قطعة ليل” فلقد راسلني ليخبرني بإنه يترجم المجموعة ويريد مني تنازل عن حقوق التأليف فوافقت وبعدما ترجم الكتاب وطبعه أرسل لي نسخا من الكتاب، فاكتشفت إن هناك جالية عربية كبيرة هناك لهذا هو قام بترجمة الكتاب وطبعه وكان يبيع النسخة بعشرة دولارات للجالية العربية الكتاب وللجالية المصرية وأولادهم المقيمين هناك والذين يقرأون بالإنجليزية، فهو يعرف لمن سيبيع الكتاب.

دور الملاحق الثقافية

وعن دور الملاحق والمراكز الثقافية المصرية الموجودة بالخارج في الترويج للكتاب المصري والعربي، يقول الخميسي ليس لها دور أي دور وخاصة فيما يتعلق بهذا الموضوع، فنحن مثل الذي ينتج سلعة درجة ثانية ويريد أن ينافس بها سلعة درجة أولى، لذا أي دعاية سنقوم بها لن تأتي بثمارها! هل سنقوم  بعمل دعاية لأدبائنا الكبار الذين هم بالنسبة للأدب الأوروبي فرز ثاني!

لقد تمت ترجمة بعض الروايات القصيرة  لنجيب محفوظ مثل رواية “الطريق” و”اللص والكلاب”  إلي الأدب الروسي، وعندما كنا في “موسكو” قرر شخص مستعرب أن يترجم الثلاثية، بعدما  ترجم منها فصلا أو فصلين عرضها علي دار  النشر الحكومية في تلك الأيام والتي تسمي”رادوجا” فكان رد المسئول عن دار النشر لماذا أعيد ترجمة “بلزاك أو ديكنز” و فسر سؤاله بإن “نجيب محفوظ” يكتب بنفس طريقة بلزاك وديكنز، وهذا يدل على إن أكبر أدبائنا  يعدون مقارنة بالأدب الأوروبي والقاريء الأوربي “فرز تاني وثالث”، فهم يكررون أو ينسخون أو يعيدون التجربة الأدبية الخارجية، لذلك صعب أن نترجم للغرب، ولكن المفروض أن نحاول من خلال تخطيط سليم ونعرف إين توجد جاليات عربية كبيرة في الخارج ونطبع لها؟ فالموضوع ليس سهلا لأن الأدب لدينا لا يفرض نفسه مثل الأدب الأسباني، الذي لا يحتاج دعاية فهو في حد ذاته دعاية لوجود أدباء مثل ماركيز أو سرماجو في البرتغال وغيرهما فأدبهم دعاية لنفسه لأنه قوي.

فما بالك بإن الأدباء المتميزين لدينا قلة قليلة مثل يوسف القعيد بهاء طاهر، والمخزانجي، لكن المفروض يكون هناك تحرك في إتجاه الترجمة، ولكن وفق دراسة للسوق ومعرفة أماكن وجود الجالية العربية فمثلاً إذا كان هناك جالية كبيرة في فرنسا فهل إذا طبعنا وترجمنا لهم سيكون هناك إقبال علي الشراء.

“قوائم نشر محددة”

وفي نفس السياق تقول مستشارة الهيئة العامة للكتاب الأديبة دكتورة سهير المصادفة نحن في الواقع لم نفعل شيئًا من أجل دعم ترجمة الفكر والأدب العربي إلى لغات أجنبية، وما يُقال عن إن الغرب لا يدعم ترجمة أدبه هو محض أكذوبة. فالغرب يدعم ترجمة أدبه وكتبه من خلال مراكزه الثقافية المنتشرة في أنحاء العالم، ويمنح الناشرين قوائم محددة سلفًا لترجمة هذه الأعمال، ثم يدعمها بمبالغ ودعاية كبرى. لن يتم ترجمة الأدب والفكر العربي إلا بتعاون جميع مراكزنا الثقافية مع وزارة الثقافة وجامعة الدول العربية، لعمل بروتوكولات مع الناشرين الأجانب في الخارج. كما أن فكرة ترجمة أدبنا وفكرنا بأنفسنا لم تنجح وهذا متوقع، لأنه يجب أن يتم ذلك من خلال ناشرين وموزعين في البلد المترجم إليه، وأن تكون الترجمة على يد مستشرقين من البلد نفسه أو على الأقل مشاركين في عملية الترجمة. أيضًا، فكرة أن يختار الغرب ما يترجمه هي دائمًا محملة بمخاطر رغبة الغرب في ترجمة ما يريد أن يثبته لنفسه عنَّا، وليس ما نحن عليه فعلًا، فقد يهتم الغرب بانتقاء ما يعكس الصورة الفولكولورية التي في ذهنه عنَّا، أو يختار ما يعكس رؤيته عن صورة العربي الإرهابي والمتخلف. علينا تحديدًا أن نضع برامج طويلة المدى بالتعاون مع جهات عدّة في الداخل والخارج.

“اختيار الثقافات الأخري”

وفي سياق متصل أضاف الكاتب دكتور أنور مغيث مدير المركز القومي للترجمة سابقاً  قائلاً: نتمني أن يكون هناك ترجمة عكسية ولكنها لا تتم من تلقاء نفسها ، فمثلاً إذا قمنا بترجمة كتب أدب إلي اللغة الإنجليزي أو الفرنسية، المفروض القارئ بهذه اللغات هو الذي يطلب، فالثقافة المُستقبلة هى الأساس في البحث عن ما سوف تقوم بترجمته، فهذا هو المبدأ، وبالتالي لست أنا  الذي سيترجم، فنحن نقرأ بالعربي فما الداعي أن أختار مجموعة ليوسف إدريس وأترجمها إلي الإنجليزية أو الفرنسية في مصر ونحن  نقرأ بالعربي وهو أساساً كتبها بالعربي، إذا المفروض إن نترك الثقافات الأخري هي التي تختار ما تريد أن تترجمه؟

واستدرك مغيث قائلاً: لكن هل الدول فعلا بتطبق هذه الفكرة؟ سنجد أن هناك  أساليب لدفع الثقافات الأخرى على ترجمة أعمال كل دولة معينة. وذلك لأن هذه الترجمة أولاً بتعرف الناس بالبلد وآدابها وثقافتها وهكذا. فكل دولة لديها ميزانية تعتبر هذه الميزانية محفزا على الترجمة، لأن أنا إذا قلت لأي ناشر فرنسي خذ قصة عربية أو كتابا عربيا فهو بالتأكيد سيدفع للمترجم ويطبع الكتاب وفي الآخر لن يضمن هل سيكسب من الكتاب  أم لا ؟ لكن إذا  طمأنا الناشر من جهة المصاريف بتحمل نصفها، بذلك أشجعه وهذا موجود لدي كثير من الدول مثل أمريكا وفرنسا وألمانيا وروسيا وكثير من المراكز الثقافية التي نذهب إليها وتعرض علينا دفع نقود مقابل أجر المترجم إذا وافقنا علي ترجمة كتاب معين، وهذا للأسف ليس موجودا في مصر. فلا يوجد صندوق أو أموال مخصصة لتشجيع الناشر الأجنبي علي إنه ينشر الكتاب العربي. طبعا هناك كتب مترجمة وهناك كُتاب ليسوا في حاجة إلي  محام لكي تترجم الناس أعمالهم بل العكس هناك دور نشر تتنافس لتحصل علي أعمال كتاب مصريين أصبحوا حاليًا مشهورين مثل صنع الله إبراهيم وخالد الخميسي وعلاء الأسواني عندما يصدر لهم عمل يترجم تلقائياً، لكن نحن يهمنا أن لا تقتصر المسألة علي عدد محدود من النجوم أو الأسماء المعروفة، بل بالعكس الواحد كان يري إن في الأربيعينات والخمسينات تُرجم لتوفيق الحكيم “أهل الكهف”إلي حوالي عشرين لغة، وتُرجمت أعمال  لطه حُسين إلي ثلاثين لغة عالمية، لكن حاليًا لا يوجد هذا الانتشار ولابد من تدخل الدولة، وبالفعل الدولة حاولت ولكنها  أتخذت أسلوبا وهو إن نحن من نختار الكتاب الذي سيترجم ونحن الذين نترجم ونطبع ونضعه في مخازننا! فالقارئ الذي المفروض يقرأه بالفرنساوي لم يصل له الكتاب.

“وسائل النشر الإليكترونية”

حول فكرة تقليص التكلفة عبر النشر الإليكتروني تساءل  مغيث قائلاً: هل سنجد وسيلة تَقبل أن تنشر مجاناً أو تخصص صفحات تتكلف ألوانا وخلافه ؟

أنا أعرف ناس أدباء ومحترمين لهم أصدقاء في الخارج مثل كندا وأستراليا يقومون بالترجمة للقصص القصيرة والقصائد ويرفعوها علي النت وتسجل قراءات قد تصل إلى آلاف فأصبح بذلك الكاتب موجودا والمجال مفتوحا أمامه بأصحابه وعلاقاته .لكن نحن عادة نعتبر أن هناك دار نشر لها لجنة قراءة قررت إنها تصدر هذا الكتاب وتصرف عليه، هذا اعتراف من الدار ولجنتها بقيمة الكتاب، علي النت أنا أستطيع أن أكتب في الفيزياء النووية وأنا ليس لدي فكرة عنها، وممكن قارئ آخر ليس لديه دراية بالموضوع يقرأ عملي المنشور علي النت، فيتصور إن هذه مقالة مهمة في الفيزياء النووية ويستشهد بها طوال الوقت، كل هذا ممكن أن يحدث ولكن نحن نريد نوعا من الاعتراف بقيمة الأدب.

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق