حين تحدث طه حسين عن الحب

200

موضوع ” الحب ” من أهم الموضوعات التي تناولها الأدباء والشعراء منذ العصور القديمة ، في مختلف البيئات العربية والأوروبية ، ففي الحضارة المصرية القديمة نجد جداريات وبرديات بها نصوص للحب ، وكذك في الحضارة اليونانية ، فكثير من الأساطير تقوم على فكرة الحب ، وبداية من العصر الجاهلي ظهر الشعراء العذريون ، أصحاب قصص الحب الشهيرة مثل عنترة بن شداد ، وقيس بن الملوح ، وقيس بن ذريح ، وعمر بن أبي ربيعة ، وغيرهم ، ولم يكن الشاعر مجيداً في ذلك العصر إلا إذا بدأ قصيدته بالغزل في النساء .
في مقال له تحت عنوان ” في الحب ” نشر في أربعينيات القرن الماضي ، يتحدث عميد الأدب العربي ” طه حسين ” عن فكرة ” الحب ” باعتباره أحد المعاني السامية للإنسانية من خلال عقد مقارنة بين كاتبين تناولا هذه الفكرة ، كل واحد منهما من عصر مختلف ، وله طبيعة أدبية وثقافية وفكرية تختلف عن الآخر .
أولهما : الفقيه الإسلامي ” ابن حزم ” الأندلسي ، والثاني : الأديب الفرنسي ” ستندال” الذي ظهر في عصر الثورة الفرنسية .
قد يستغرب البعض أن يكتب مفكر في حجم طه حسين ، صاحب الكتب الفكرية التنويرية ، في موضوع قد يراه البعض سهلاً وبسيطاً وهو ” الحب” .
ولكن صاحب ” في الشعر الجاهلي ” كان يتوقع ذلك فقال في بداية مقاله ” سيبسم لهذا العنوان قوم ، وسيعبس له آخرون ، وسيكون بين الباسمين من سيبسم عن رضا لأنه يريد أن يقرأ عن الحب شيئاً ، ومن يبسم عن سخرية لأنه لا يرضي أن يكون الحب موضوعاً للحديث في مجلة ينتظر منها الجد الصارم ، ولا يحب منها الإقبال على لغو الحديث ، فأما العابسون فسيكون عبوسهم سخطاً خالصاً ، لأن حديث الحب لهو كله ، وما أكثر الصحف والمجلات التي تلهو باللغو وتغرق فيه”.
وتكمن إشكالية البحث ـ أيضاً ـ أختار طريقاً صعباً في التحليل ، حيث استخدم أكثر من منهج لعل أبرزها ” منهج التحليل التاريخي ” للمقارنة بين فكرين مختلفين وعصرين مختلفين ، وإن كان موضوع الدراسة واحداً وهو ” الحب” .
في بداية مقاله يؤكد د. طه حسين على أن الحب لا يتناقض مع الدين ، لأنه صفة إنسانية وشعور يتميز بالرقي ، الذي يصل أحياناً إلى أبعاد صوفية ، وهذا ما نراه ـ جلياً ـ في أشعار الغزليين العرب القدامي ، التي نقراها فنحس بالراحة النفسية والسمو الروحي ، وعلى حد تعبير طه حسين :
” تجد فيها النفوس غذاء روحياً يرتفع بها عن صغائر الحياة ، ويعزيها عن هذه السفاسف اليومية التي تنزل بها عما تحت لنفسها من مكان رفيع ” .
أكثر من ذلك يبين لنا صاحب ” على هامش السيرة ” أن شعر الحب والغزل أخترق البيئات الدينية والعلمية الصارمة والحازمة في مكة والمدينة في عصر صدر الإسلام فوجدنا أشعار جميل وكثير عزة تنشد في المسجد الحرام ، ووجدنا أحد رواة الأحاديث وقراء القرآن المشهورين في ذلك العصر وهو ” عبد الرحمن بن أبي عمار القس ” الذي أحب المغنية سلامة ” يهيم بها ويكتب فيها شعراً عفيفاً مثل قوله:
سلامة هل ي منكم ناصر .. أم هل لقلبي عندكم زاجر
قد سمع الناس بوجدي بكم .. فمنهم اللائم والعاذر
ونرى ” ابن عباس ” يؤثر سماع شعر عمر بن أبي ربيعة على أن يسمع لأسئلة ” نافع بن الأزرق ” في الفقه والحديث وتفسير القرآن .
ويرجع طه حسين ذلك إلى طبيعة العصر الذي كان يعيش فيه هؤلاء ، حيث الطبيعة الإنسانية السمحة ، وعن ذلك يقول ” كان القدماء أسمح منا نفوساً وأحسن منا استقبالا ، لأمور الحياة ، يعنفون بأنفسهم في مواضع العنف ، ويرفقون بها في مواطن الرفق ، ولا يتكلفون هذا الجد السخيف والتزمت الذي لايدل على شيْ ” .
يقرأ ” طه حسين ” موضوع الحب بين كاتبين أحدهما مسلم فقيه وسياسي ووزير وهو ” إبن حزم الأندلسي ” وبين أديب فرنسي ـ مسيحي الديانة ، شارك في الخطوب السياسية منذ عصر نابليون وعاش الثورة الفرنسية ، كل ذلك يدل على عمق ثقافة طه حسين وتنوعها ، وهذا هو المنهج الذي كان يعتمده في حياته .
يقول د. جابر عصفور : ” قرأ طه حسين تراثه العربي ، منذ أمرئ القيس في العصر الجاهلي إلى يوسف إدريس في العصر الحديث ، بالعقل نفسه الذي قرأ به التراث به التراث الأوروبي ، منذ هوميروس الذي كان يشك في وجوده اليوناني القديم إلى كافكا الذي كان يراه صورة أخرى من أبي العلاء ، كان يقول إنه ليس ضرورياً أن تكون رومانياً ، أو يونانياً ، أو فرنسيا ، أو إنجليزياً ، أو ألمانياً ، أو عربياً ، أو فارسياً ، أو هندياً لتجد اللذة الأدبية ، عند هوميروس أو جوته أو أبي العلاء أو الخيام أو طاغور ، وإنما يكفي أن يكون لك خط من ثقافة وفهم وذوق لتقرأ وتلذ وتستمع بهؤلاء جميعاً ، ففي إبداعهم جمال فني ، يتحدث إلى العقل الإنساني ، وإلى القلب الإنساني أحاديث تلائم ما أكتنفهما من الأطوار المختلفة والظروف المتباينة “(1) .
وهنا يمكن تميز طه حسين ” العميد الباحث في الأدب المشغول بهم نهضوي يتجاوز ضيق الأفق المثقف الاختصاص ” المتجمد ” بمجد السلطة حسب الكواكبي ، بل هو المثقف ( الماجد ) المجتمعي الذي يريد أن يكون الأدب ساحة لخوض معركة تنويرية شاملة على مستوى الفكر والسياسة والمجتمع ” (2) .
ومن هذا المنطلق يقدم ” طه حسين ” مقارنة ما بين ” إبن حزم” و” ستندال” من حيث البيئة والظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بكل منهما وساهمت في تشكيل ثقافته ، وأثرت ـ كذلك ـ على رؤيته الأدبية والفنية .
فإبن حزم ” مسلم متعمق للإسلام ، يؤمن به إيماناً صادقاً متيناً ، يرتفع به إلى شئ يوشك أن يكون نسكاً ، بالإضافة إلى تعمقه في العلوم الإسلامية المختلفة من الفقة والتفسير، عالم بشئون الفرق الإسلامية ، مهاجم لأكثرها ، مدافع عن أقلها ، فقد كان سني التوجه ، وهو صاحب مذهب فقهي هو مؤسسة وهو ” المذهب الظاهري” الذي يؤثر النص ويكره التأويل .
وعلى المستوى اللغوى متعمق في اللغة وراويه للشعر والأدب والأخبار ، وهو من أسرة سياسية تولت الوزارة إلا أنه أحب العلم والثقافة ، فأصبح عالماً ممتازاً ، ومعلماً ممتازاً أيضاً ومؤلفاً .
أما ” ستندال ” فهو بخلاف ذلك فهو أديب ثائر نشأ مع ظهور الثورة الفرنسية في نهايات القرن الثامن عشر ، وهو مسيحي حر الضمير وواسع الثقافة ، لكنه لم يكن وزيراً مثل ” إبن حزم ” ولم يسع إلى السياسة بل عاش كما أراد ، عاش لنفسه أولاً ، ” ومنح قلباً وعقلاً وضميراً حياً ونبوغاً فنياً ممتازاً ، فلم يجد بدأ من أن يصور حياته وحياة الناس من حوله وحياة العصر الذي عاش فيه ” ـ على حد تعبير طه حسين .
وهنا يكمن الاختلاف والذي يؤثر على طريقة تعبير كل من الكاتبين إذا تناولا موضوعاً مثل ” الحب ” .
فإن حزم تناول ” الحب ” في كتابه ” طوق الحمامة ” من منظوره الإسلامي الملتزم ، وجاء اهتمامه بالحب من ضمن اهتمامات أخرى فقهية ودينية وسياسية.
وقد كتب ” رسالته في الحب هذه ، حين طلب أحد أصدقائه الفقهاء منه أن يكتبها ” فلولا أن الامر له شئ من خطر ـ على حد تعبير طه حسين ـ لما طلب هذه الفقيه الحدث إلى ” إبن حزم ” أن يفرغ له ويكتب فيه ” وقد كتب ” إبن حزم ” طوق الحمامة ” وهو في لحظة المنفي ” .
وقد صور ” ابن حزم ” ” الحب ” وعرفه كما يعرفه أهل عصره ـ في الأندلس ـ ، واعتمد في تعريفه على البعد الفلسفي ، المنطقي ، في حين أن ” ستندال ” عرفه حسب الشعور والعاطفة .
غير ان ” ابن حزم ” والذي كان عالماً بالفلسفة والمنطق قدم نقداً للحياة الاجتماعية به ، وبالمثل فعل ” استندال ” إلا أن الأخير تميز عنه بانه تجاوز فكرة النقد إلى تقديم اقتراحات عرض من خلالها طرق لتربية الفتاة الفرنسية لتستطيع أن تحب حباً صحيحاً صالحاً نقياً .. يقول طه حسين :
” ثم هو يتجاوز ذلك إلى الزواج ، فينقذ نظامه ، ويقترح ألواناً من الإصلاح تقرب المسافة بين الحب والزواج تقريباً بعيداً ، وكل هذه الأمور لم تخطر لابن حزم ، لأنه كان مثقلاً بقيود عصره مقصوص الجناح لم يستطع أن يتعمق ولا أن يرتفع”.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق