د. عبد الفتاح مطاوع رئيس قطاع مياه النيل الأسبق يكتب للأهالي عن حرب العاشر من رمضان السوداني

378

كل عام و حضراتكم بخير، بمناسبة قرب قدوم شهر رمضان الكريم، الذى ننتظر قدومه كل عام للصوم، والذي يذكرنا بانتصار القوات المسلحة المصرية والعربية في حرب العاشر من رمضان، حرب ٦ أكتوبر ١٩٧٣، على قوى العدوان الإسرائيلي، التي كانت قد احتلت الكثير من أراضينا العربية، ومنها شبه جزيرة سيناء في يونيو ١٩٦٧، ويذكرنا كذلك بإفطار رمضان في ميدان التحرير وكل ميادين مصر، قبل ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣ وإزاحة حكم المرشد الاخواني و عصابته، و غيرها الكثير من الذكريات الطيبة.
الذوق و العافية:
حرب العاشر من رمضان المصرية، خاضتها مصر تحت بصر و سمع كل العالم، لأنها صاحبة حق في استرداد أرضها و الحفاظ على أمنها القومي، وذلك بعد ست سنوات من الوساطات الدولية، والاجتماعات في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن، و أشهرها القرار ٢٤٢ القاضي بانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة، و العودة لحدود ما قبل ٥ يونيو ١٩٦٧ ، و التي لم تنسحب منها إسرائيل بالبلدي بالذوق، و لكن خرجت بالعافية.
أيضاً لم ينزاح الإخوان بالذوق، عند خروج جماهير الشعب المصري إلى الميادين من أغسطس ٢٠١٢ وحتى ٣٠ يونيو ٢٠١٣ من قصر الاتحادية، ولم ينزحوا بعدها من ميداني رابعة العدوية سابقاً، هشام بركات بمدينة نصر حالياً، ولا من ميدان النهضة بالجيزة بالذوق، بل تمت إزاحتهم بالعافية.
و في ديسمبر ٢٠١٨ بالسودان، لم يرحل نظام البشير وجبهة الإنقاذ بالذوق، و لكن بالعافية بعد ثورة شعب السودان عليه.
و في إثيوبيا عام ٢٠١٨ لم يرحل نظام هيلا ماريام ديسالين بالذوق، و إنما رحل بعد ثورة الإثيوبيين على نظامه.
مواقف تاريخية لا تنسى للشعب السوداني و قواته المسلحة:
لا زلت أذكر أيام الصبى في الستينيات من القرن العشرين، عندما كان يذهب ابن جيراننا الطالب في الكلية الحربية، التي تم نقلها إلى السودان بمنطقة سد جبل الأولياء، و التي تحتضن خزان جبل الأولياء على النيل الأبيض، أحد أدوات إدارة مياه نهر النيل للري بكل من مصر و السودان.
ولا أنسى مشاركة القوات العربية من معظم الدول العربية بجانب القوات المسلحة المصرية، و اتفاقيات الدفاع العربي المشترك، بين دولتين أو أكثر، تعتبر من تجليات حرب أكتوبر المجيدة، التي لا ينساها الشعب المصرى والجيش المصرى لأشقائه من شعوب و جيوش الدول العربية، و منها بكل التأكيد الشعب السوداني الأصيل و قواته المسلحة.
و قبل ذلك لن ينسى المصريون استقبال الشعب السودانى للزعيم جمال عبد الناصر بحفاوة، عند انعقاد مؤتمر القمة العربية بالخرطوم بعد نكسة يونيو ١٩٦٧.
ما سبق ذكريات لمواقف لاتنسى للسودان من مصر، حتى و إن جار الزمان على أي منهما أو كليهما.
الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل ١٩٥٩:
تم إنشاء الهيئة في عام ١٩٥٩، لأجل إنشاء السد العالى بأسوان وإدارة مياه النيل لمصلحة مصر و السودان، و حتى عقد مضى من الزمان، كنت أذهب مع زملائي أعضاء الهيئة من مصر و السودان، التى كنت أشرف برئاستها بالتناوب السنوي، وذلك لتنسيق وتوحيد المواقف المصرية السودانية المشتركة مع دول حوض النيل وفي المحافل الدولية، وحسبما تنص عليه لائحة الهيئة، وذلك أثناء عقد جزء من اجتماعاتنا في أحد استراحات الخزان وتناول الغذاء، وأما بنعمة ربك فحدث، على مائدة كريمة بها ما لذ وطاب من لحوم الأغنام و الأبقار وأسماك فيليه قشر البياض و البلطى النيلي، ومشروبات الدوم و الكركديه و عصير الجريب فروت الأحمر و منقوع الحلو و المر وغيرها الكثير مما لذ وطاب، والتي يجحدها الحاسدون والكارهون للنعمة.
سد النهضة و الحدود السودانية الإثيوبية:
تمتد الحدود السودانية الأثيوبية لمسافة ٧٥٣ كيلومتر، بداية من الجنوب الشرقي للسودان، حيث منطقة بنى شنقول السودانية الأصل، التي أهدتها ملكة بريطانيا لإثيوبيا عند توقيع اتفاقية ١٩٠٢، وتحترمها السودان حتى وقتنا هذا، وهي منطقة إنشاء سد النهضة، ونهاية بالشمال الشرقي، حيث ولاية الغضارف السودانية، و منطقة الفشقة السودانية، و حسب اتفاقية ١٩٠٢ التي ترفضها إثيوبيا تحت مزاعم أنها اتفاقية استعمارية تمنعها من الاستفادة من مياه النيل، و كذا لسابق احتلالها من المليشيات والقوات الإثيوبية، و مؤخراً عند تحريرها من قوات الجيش السوداني ترفض إثيوبيا إعادة الحقوق لأصحابها السودانيين، و تقول بغشومية أن هناك طرف ثالث يقف مع السودان، غير مدركة للعلاقات الأبدية و الأزلية بين مصر والسودان.
يوم ميلاد شبل نوبل:
من عجائب الزمان أن ١٥ أغسطس ١٩٧٦ هو يوم ميلاد شبل نوبل خريج معهد السلام و دراسات الأمن، عندما كان منجستو هيلا مريام يصول ويجول في إثيوبيا و أرتيريا، يقتل من يشاء من أى أثيوبي بدون حساب، والذي كانت نهايته بنهاية الحرب الأهلية التي كانت تقودها قوات تحرير التيجراي وخلفها قبائل الأمهرة.
صاحب الأربعة و أربعين ربيعاً ولد بعد ١٩٥٩ و ١٩٦٧ و ١٩٧٣ ، و حتى بعد إعادة فتح قناة السويس للملاحة البحرية الدولية في ٥ يونيو ١٩٧٦ للمرة الثانية بعد حرب العدوان الثلاثى على مصر فى ١٩٥٦ ، و لا يدرك شبل نوبل العلاقة الأبدية و الأزلية بين مصر و السودان، ومشاركة السودان لمصر في أفراحها وأحزانها.
سيناريو سد النهضة الأخير:
بعد مفاوضات طالت عقد من الزمان ولم تسفر عن شئ حتى كتابة هذه السطور، عن طريق المفاوضات والوساطات الأفريقية و الأمريكية ومجلس الأمن والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، و نظراً لتضييع الوقت بالنسبة للحكومة الإثيوبية، ثم ضيق الوقت الراهن لكى تأخذ حكومة إثيوبيا قراراً للوصول إلى اتفاق قانوني ملزم، للعديد من الأسباب السابق ذكرها فى مقالاتنا السابقة منذ ما قبل رمضان العام الماضي، و أهمها: الحروب الداخلية على التيجراي، و حرب الاعتداء على الحدود السودانية، و وباء كورونا المستجد، و حجم فيضان نهر النيل الأعلى و المدمر غير المسبوق منذ قرن من الزمان، وفي نفس الوقت الذي سبق وأن أعلنت إثيوبيا عن نيتها لاستكمال ملء السد موسم فيضان عام ٢٠٢١ المائي، الذي يبدأ في شهر يوليو في السودان و شهر أغسطس في مصر، سواء أكان هناك اتفاق أو بدون اتفاق، وغير معترفة باتفاقية ١٩٠٢ ، ولا إعلان المبادئ في مارس ٢٠١٥ ، فمن الواضح أن الإجابة على السيناريو الأخير الوحيد المتبقي لم يعد مجرد نعم أو لا!!!
و بناء عليه:
ليس أمام السودان و مصر سوى العمل على طريق إيقاف العمل بالسد، حتى لا يتم ملئه هذا العام المائي، و قبل العاشر من رمضان السوداني لاسترداد حقوقه في الأرض، و الحفاظ على حقوقه في مياه النيل قبل أو بعد هذا التاريخ، أو في التاريخ الذي يحدده أمان السدود السودانية، وأمن وأمان عشرات الملايين من المواطنين من السودان و مصر، بناء على توصيات هيئات و مؤسسات الدولتين كل في تخصصه، و التي نتمنى أن تكون جاهزة الآن الآن وليس غداً، عندها قد تبحث الحكومة الإثيوبية عن صاحب فلا تجد، يوم يفر المرء من أخيه و أمه و أبيه، ولن تجد من يشفع لها من المجتمع الدولي، الذي لم تستمع لنصائحه، ولم تمتثل لما أقره من قواعد وقوانين واتفاقيات دولية.
فهل تتمكن الحكومة الإثيوبية من التصرف وفقاً لمبدأ عدم الضرر؟ بالحفاظ على طموحاتها في إنتاج الكهرباء والتنمية؟ وفي الوقت نفسه مراعاة مصالح وحقوق كل من السودان ومصر؟ وعدم القيام بأي خطوة تسبب الضرر لدولتي المصب؟ وهل تدرك أنه لا سبيل إلى ذلك إلا بوقف صراعات الحدود مع شعب السودان الشقيق؟ وأنه لا سبيل إلى ذلك إلا بتوقيع اتفاق قانوني حول ملء وتشغيل سد النهضة معلن وملزم؟ هل تدرك أثيوبيا ذلك قبل الملء الثاني؟ أم تصر على مواقفها وتجر الجميع نحو اندلاع حرب العاشر من رمضان لمواجهة العدوان؟

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق