فريدة النقاش تكتب:وصولًا للإنسان المسرور

266

قضية للمناقشة

وصولًا للإنسان المسرور

*بقلم فريدة النقاش:

لفت نظري في خبر عن وفاة د. طه ريان الذي وصفه الخبر بعميد الفقه المالكي- إشارة الى انه عضو في مجمع فقهاء الشريعة في أمريكا الذي يضم اربعين عالما من علماء العالم الاسلامي مهمتهم أن يجعلوا الجاليات الإسلامية تتعايش في المجتمعات الغربية التي استقرت بها هذه الجاليات, وأن يتم هذا التعايش من خلال أحكام الفقه المتغيرة.

دفعني هذا الخبر للبحث عن تصريح سبق أن قرأته للدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية في سياق لقاء له مع السفير الفرنسي في القاهرة, قال الدكتور “علام” في تصريحه “إننا نريد أن نبحث عن المشترك الإنساني, وان تحكم قيم هذا المشترك المجتمعات كلها بما يحقق الانسجام بين البشر, ويجب علي المسلمين في الغرب ان يندمجوا اندماجا ايجابيا في مجتمعاتهم الاوروبية”.

ولا يتم مثل هذا الاندماج المرجو انسانيا وعمليا الا عبر مواجهة الاسلامويين المتطرفين الذين يعتمدون نصوصا دينية متجاهلين الزمان والمكان والسياق, ليميزوا انفسهم كمسلمين عن كل الاخرين وينعزلزون فيما يشابه الجيتوهات أو أماكن العزل معتبرين أنفسهم الأفضل والأقرب إلى الله بين البشر أجمعين .

ولا يخفي علينا ما تؤدي إليه مثل هذه الأفكار والممارسات من مشكلات وأزمات سرعان ما تندلع في البلدان التي هاجروا اليها, ولم يتقبل الا العدد القليل منهم طرائق  الحياة الجديدة, وحتي يتقبل المهاجرون المسلمون إلى أوروبا وأمريكا طرائق الحياة الجديدة هناك نضال ثقافي طويل المدي ومتعدد المستويات علي فقهاء المسلمين، سواء من بين هؤلاء المهاجرين أنفسهم أو من بين المثقفين الذين لم يهاجروا – عليهم جميعا أن يمارسوا هذا النضال بالجدية الواجبة.

وإذا ما حاولنا أن نلم بكل أطراف ومستويات هذه المهمة النبيلة سوف نجد أنفسنا مباشرة أمام مسألة التعليم.

وتدور في السنوات الأخيرة مناقشات ومساجلات كثيرة وعميقة حول التعليم مناهجه وغاياته- وما يحتاجه النضال الثقافي المطلوب من التعليم في هذا الصدد هو بلا شك تنمية الفكر النقدي والخروج من أسر الحفظ والتلقين, والخروج من الحالة العامة التي درجنا عليها من تغليب المعايير الدينية علي القوانين العامة للتطور اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وصولا الي تطبيق هذه القوانين العامة ذاتها علي الظاهرة الدينية برمتها وليس الاسلامية فقط.

وما أن ينسلخ التعليم من عباءته القديمة ألا وتنفتح أمام التفكير النقدي آفاق بلا حدود, وتعرف بلادنا أجيالا جديدة قادرة على إدارة الدولة بطرق عصرية عقلانية ومسؤولة والأهم من هذا وذاك مبدعة لأنها ستكون قد تحررت- عبر التعليم- من أسر مطلقات لم يكن من الجائز النقاش فيها, ذلك أن الفكر النقدي قادر دائما علي إعادة مناقشة المسلمات وصولا لابداع رؤي جديدة وبث الحياة في العالم الراكد إذ أنه يطرح كل الاسئلة دون خوف ويرفض الاجوبة الجاهزة المحنطة.

ولن يكون الاعلام بطبيعة الحال بعيدا عن مثل هذه الثورة في ميدان التعليم, بل سوف يتقدم الإعلاميات والإعلاميون الجدد وهم مسلحون بأدوات العصر وأهمها هذا الفكر النقدي للتوجه الي المواطنين عبر هذه الأدوات والأفكار, ليحدثوا جدلا واسعا في المجتمع, الذي فتحت ثورة الاتصالات الجديدة كل الآفاق أمامه أيا ما كانت ضغوط ومحاذير الطبقة الحاكمة التي تدرك جيدا ان طرح الأسئلة الكبري سوف يطولها هي نفسها, حيث يجري طرح السؤال المنطقي عن مشروعية التفاوت الطبقي الشاسع في المجتمع,  وبالتالي مشروعية تكدس الثروة الوطنية دون وجه حق أو منطق لدي فئة محدودة من المواطنين.

ولا تستطيع المؤسسة الدينية ان تنأي بنفسها عن هذا التغيير الهائل والمتسارع في الأفكار والممارسات, وسوف تتاح الفرصة للأصوات النقدية والمستنيرة في صفوفها ان تلعب دورا اكبر من حياة المجتمع وهي تفتح أمامه- وقبل كل شيء أمام نفسها- افاق التقدم واتقان لغة العصر والعيش في هذا العالم الجديد, ولا مفر امامها من الاعتراف بأن المشترك الانساني الذي ينهل من كل الديانات والفلسفات والثقافات هو مستقبل البشرية وهي في طريقها لتصفية المظالم واشكال الاستعمار والاستعباد والعنصرية والاستغلال, من أجل “الانسان المسرور” علي حد  تعبير عبدالرحمن الأبنودي إذ لا يصح إلا الصحيح في آخر المطاف.

فريدة النقاش

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق