أمينة النقاش تكتب:إجلال عبده

202

ضد التيار
إجلال عبده

أمينة النقاش
كان الزمن، السنوات الأولى لحكم الرئيس «السادات» حين أراد أن يثبت لمن يشككون فى ولائه لعبد الناصر، عكس ما يشيعون عنه، فيردد بعض شعاراته، ويبقى بعضا مما هو سائد فى مؤسسات الدولة التى غادرها ناصر فجأة. وكنت قد بدأت أولى خطواتى المهنية فور تخرجى من دراستى فى المعهد العالى للفنون المسرحية. مجموعة من اليسار المحسوبين على عبد الناصر، يتصدرون العمل فى أمانة الاتحادالعام للعمال، ويشرفون على إصدار صحيفة العمال الناطقة باسم الاتحاد. كانت المجموعة برئاسة المناضل الشيوعى أحمد الرفاعى، وكان من بينها الفنان التشكيلى عبد المنعم القصاص وعبد العظيم المغربى وبهيج نصار، وغيرهم.
تحلق حول عبد المنعم القصاص عدد من شباب الصحفيين كنت واحدة من بينهم، نتعلم منه وهو يعد للعدد الجديد من الصحيفة، كيف تصف الكلمات التى نكتبها حين تصل إلى المطابع، وكيف ترسم صفحات «العمال» النى كانت تصدر على شكل التابلويد، وهى كلمة إنجليزية تعنى الصحيفة الشعبية أو النصفية، لأن حجمها نصف حجم الصحف التقليدية. وكانت الصحيفة بفضل مهنية ووعى ورؤية من يشرفون على إصدارها، تشمل كل فنون العمل الصحفى من التحقيقات ومقالات الرأى وفن الكاريكاتير والنقد الأدبى والفنى. كان القصاص رجلا دمث الخلق ودودا ولطيفا، لا يبخل علينا بالنصحية وبوقته وبعلمه ومعرفته. وفى تلك الجلسات قابلت للمرة الأولى «إجلال عبده».
سيدة مهذبة وأنيقة، تبدو من طريقة لبسها وحديثها، أنها تنتمى إلى عائلة أرستقراطية، كان اسمها يظهر على صفحات جريدة العمال دون أن نلتقى بها. تجرى الحوارات وتعد التحقيقات وتكتب المقالات وتصيغ الأخبار وتترجم الموضوعات فى السياسة الداخلية والخارجية. قدمنا إليها عبد المنعم القصاص، وحين اقتربت منها أزالت الحدود الشكلية المصنوعة التى فرضتها الانطباعات الأولى التى تكونت عن شخصيتها. وجدتُ امرأة بسيطة تتحدث على سجيتها، مفعمة بمحبة التجربة الناصرية، ومتحمسة للدفاع حتى عن أخطائها، وهو ماتجلى فى الموضوعات التى كانت تنشرها على صفحات «العمال» لم تترك إجلال علاقتى بها تمضى بمحض الصدفة، أهتمت بما أكتب وبادرت بالاتصال بى لمناقشتى وتشجيعى، فتوطدت أواصر الصداقة بيننا منذ ذلك الزمن.
بعد نحو عام من تلك التجربة الثرية على المستويين المهنى والسياسى، حط رجال الرئيس السادات على الأمانة العامة للاتحاد العام للعمال، وتم تغيير قيادة الجريدة بطبيعة الحال، وحينها قال لى أحمد الرفاعى، إن السادات بعد أن استقرت السلطة فى يديه، قال لمعاونيه «روحوا شوفلكم حل فى الخلية الشيوعية اللى مسيطرة على اتحاد العمال» فذهبوا وفعلوا، وعادت جريدة العمال نشرة داخلية لا هم لها سوى تمجيد رئيس الدولة ورئاسة الأتحاد!.
تفرقت الصداقات التى تكونت فى ذلك العهد داخل صحيفة العمال بعد تغيير توجهها، بل الانقلاب عليه. أنضمت إجلال عبده إلى حزب التجمع عند تأسيسه، قبل أن تشد الرحال مع زوجها سمير كرم إلى بيروت. وهناك عملت مترجمة فى مركز الأبحاث والدراسات التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، ونشرت بعض كتاباتها فى مجلة الطليعة فى القاهرة وعدد من الصحف والمجلات اللبنانية، قبل أن تغادر بيروت إلى واشنطن، ليصبح بيتها كما كان فى بيروت، مقصدا لكل المصريين والعرب، بعدما باتت عمدة المكان ومقصد كل من يحتاج منهم إلى عون. وحين عادت للاستقرار فى القاهرة، وجهت كل جهدها بإخلاص شديد للعمل داخل اتحاد النساء التقدمى فى التجمع، كما دعمت بكل أشكال الدعم نشاط الأتحاد، وساهمت بدور ملحوظ بجانب فتحية العسال وليلى الشال وعظيمة الحسينى فى تشكيل الجبهة الوطنية لنساء مصر.
برحيل إجلال عبده، افتقد شخصيا صديقة من أوفى أصدقاء العمر، ويفتقد حزب التجمع نموذجا ممن أمنوا بحق بفكرته، وساهموا بإخلاص، فى تعزيز دوره فى خدمة مصالح الشعب المصرى، ومما يعظم من ذلك الفقد، أن تلك النماذج باتت للأسف نادرة، ولا أود التحسر بالقول أنها نماذج ترحل بلا بدائل،فلازلت أتمسك بقول الشاعر:
أعلل النفسَ بالآمالٍ أرقبها، ما أضيقُ العيش لولا فسحة الأمل

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق