محمود دوير يكتب:” منير” سحر المغنى .. وارتباك المواقف  

289

“ساح يا بداح يا سؤال جراح .. ما الذى كان وماعدتش وراح ” هذه الكلمات للشاعرة كوثر مصطفى التى غناها محمد منير ضمن أغنيات ألبومه الذى صدر فى عام بعنوان افتح قلبك.

قد يحمل السؤال الجارح كثيرا من الشجن وقد يلقى بظلاله على المعنى الأهم فى مسيرة الأغنية خلال العقود الخمسة الماضية.

الأهم لأنه الاكثر جرأة والأشد بأسا فى التمسك بمشروعه وتحمل الصعب والتهميش لسنوات عديدة …. الأهم لأنه حمل مضامين لم تكن مطروقه فى عالم الغناء العربي قبله .. الأهم لأنه كسر كل الحواجز – مع جيله طبعا – وظهر أمام الكاميرا وعلى المسرح مرتديا (تي شيرت – وبنطلون جينز ) فهو يشبهنا جميعا .. يشبه الجيل الذى يغنى له وغنى معه عبر عقود طويلة.

منير .. صاحب الرؤية والمقاتل صاحب الرسالة لاشك أنه وقع فى أخطاء كبرى ربما خطايا فى نظر البعض .. لكن تلك الأخطاء أو الخطايا الإنسانية-  فلا أحد معصوم – تستحق بالقدر الذى يمتلك منير مكانة فى وجدان ملايين المصريين.

فى صيف عام 1981 استيقظت مصر على صوت يشبه الذهب وكلمات لا تشبه غيرها وموسيقى تربكك وتأسرك دون مقدمات حين أطلق ألبوم شبابيك ليعد للألبوم الثالث له بعد تجربة ” علمونى عنيكى “1977 و”بنتولد ” 1978.

منذ ذلك الحين حتى الآن ومنير يقف شامخا مغردا يجمع حوله الملايين فى تزايد مضطرد وتفاعل إستثنائى ليبنى عبر السنينن مشروعا فنيا مغايرا لا يشبهه أحد ولا يستطيع أحد أن يقلده.

هذه المكونات والمواصفات لا تتوفر سوى فى مشروع فنى متكامل يجمع بين الإرادة والموهبة ويغزل من الوعى حبالا للصعود والإستمرار.

أنا من الذين تربى وجدانهم على صوت منير وكنا نوفر من قروش مصروفنا الزهيد لشراء ألبوماته بعد أن نتناقله بيننا لنتعرف على أغنياته ونكتشف الجديد فيه.

تعلق حلمنا بأحبال صوته وصار معادلا موضوعيا لقصصنا العاطفية . حيث الوطن والحبيبة شئ واحد ونغمات متداخلة … صرنا مع الوقت نحفظ غناه عن ظهر قلب ونرددها كأناشيد الوجد فى سهرات السمر ولقاءات الرفاق.

هو المغنى الذى شاركه عبد الرحيم منصور ومجدي نجيب وفؤاد حداد وصلاح جاهين والأبنودى ونجم فى مشروعه وعزف له أحمد منيب وهانى شنوده وكمال الطويل ووجيه عزيز .. هو المغنى الذى ألهمنا حب الوطن دون صراخ وذابت قلوبنا عشقا دون افتعال .. هو الذى عبر عن عجز وإرتباك أجيال بأكملها ورصد الاغتراب فى أغنياته بدقة وحساسية شديدة.

وفى حواره الشهير مع الفنان التشكيليى الكبير والمثقف الموسوعى  ” حامد العويضى ” والذى يشارك منير نشأته الجنوبية وثقافته النوبية لكن ما جمعهما أيضا انحيازهما اليسارى  – كل على طريقته طبعا –  فقد خرج “منير ” على صفحات “الأهالى ” فى عددها الصادر الأربعاء 9يوليو 1986 وجاء عنوان الحوار ( منير للأهالى : الكلمة الرافضة تأسرني ) فكان الشعور بالظلم يحاصر منير ويدفعه أحيانا إلى الإكتئاب والرغبة فى الهجرة أحيانا واعتزال الغناء أحيانا أخرى.

هو منير صاحب الإنجاز العظيم  والأخطاء العديدة  الواثق من موهبته والمرتبك أحيانا كثيرة مثل معانى أغنياته ..

فى عام 2000 أصدر منير البوم “عشق البنات ” الذى يمثل مرحلة جديدة فى مسيرته الفنية .. تلك المرحلة التى اكتشف خلالها قدرته أن يصبح مغنيا للجميع ولكل الوطن وأن يتخلص من صفة طالما أغضبته وهى صفة “مغنى المثقفين ” وعبر عن ذلك الغضب مرارا.

مع عشق البنات وصل منير إلى كل مواطن وصارت أغنياته تيمة فى الأفراح المصرية خاصة ” لما النسيم ” حين ذلك – فى ظنى – تغيرت بوصلة منير وسعى لتوثيق علاقته بذلك الجمهور الجديد الذى كان بعيدا عنه ولم يتغير الغناء وحده بل تغير الخطاب النظرى لمنير بشكل لافت.

اقترب منير من السلطة ويتم تتويج ذلك بغناء منير لأول مرة فى احتفالات أكتوبر – بعد رفضه المتواصل الغناء فى قاعات مغلقة – ليغنى أمام “حسنى مبارك “لأول مرة فى 2008.

ذلك التغيير الواضح كان منعكسا على تصريحاته وخاصة التى كانت تتخلل أغنياته فى الحفلات وبدى منير حريصا على التحدث إلى جمهوره دائما فى الحفلات وتقديم النصائح التى بلغت حد الوعظ المباشر وتأكيده عدة مرات أن مصر لا يوجد بها أزمة “بين حاكم ومحكوم “.

كانت تصريحات منير إلى حد كبير تختلف مع مضامين أغنياته القديمة – ربما هى حالة تغير فكرى وفنى.

لكن المؤكد أن هذا المنهج قد أثار جدلا واسعا لدى جمهور منير القديم بينما لم ينشغل جمهوره الجديد الذى تعرف عليه من “عشق البنات ” و” لما النسيم ” وغيرها من هذه النوعية الغنائية لم ينشغل هذا الجمهور كثيرا بالتصريحات أو التحولات.

أثار جدلا بتصريحاته حول النوبة وما جاء فى مسلسل المغنى وقبلها أثار جدلا كبيرا بتصريحاته قبل ثورة يناير أن مصر لا يوجد بها أزمة بين الحاكم والمحكوم ومؤخرا دخل منير بقدمه منطقة شائكة جدا حين اثير جدل حول احتمال أن يغنى فى الأرض المحتلة وأعلن هو نفسه فى تصريحات اتفاقه على اقامة عدة حفلات بالطبع سيحصل على تأشيرة إسرائيل لدخول الضفة أو غزة وهذا ما يخالف قرارات النقابات الفنية المصرية ويضع منير تحت مقصلة المحاسبة النقابية لكن المثير للدهشة وربما الغضب كانت تصريحاته التى قال فيها ” انه سيكون رسول سلام كما فعل السادات ” ولعل الضغوط التى تعرض لها منير أو نصائح الأصدقاء المخلصين أو أى كان السبب فى النهاية تم إلغاء الحفلات . كل ذلك ومنير أول من غنى للقضية الفلسطينية  والمقاومة اللبناية  بين أبناء جيله !!.

هذه التصريحات وغيرها توضح قدر الإرتباك الذى يعانى منه منير خلال السنوات العشر الماضية .

يبقى أن مشروع منير الفنى هو ملك للوطن ولم يعد ملكا لأحد حتى صناعه أنفسهم وأن المهة الرئيسية لكل غيور علي قيمة هذا المشروع هو الحفاظ عليه من أى تشوه …

فلنحافظ على منير بأن نقول له الحقيقة كل الحقيقة وبذلك نحافظ على مشروعه الفنى الإستثنائى.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق