“نخلة الغريب” لـ”نبهان رمضان”

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

158

نخلة الغريب
نبهان رمضان

إنطلقت سيارة الميكروباص و هو يركب بجوار السائق و لا يجاورهما أحد يمعن في الطريق كأنه يريد أن يتذكر شيئا ، أو يبحث عن شئ. عندما وصلت السيارة لمكان ما سأل السائق قائلا : مش كان فيه هنا ساقية ؟
—:ايوة يا استاذ فعلا………
اندثرت و تلاشت و لا تبدي سوى جزء من الجزء العلوي الذي كان هدف الصبية عندما يتسلقونها في الماضي و بشق الأنفس يصلون له .أصبح الآن تحت الأرض. هز رأسه بأسى و حسرة .
ربما مبادرة الرجل بسؤال فتح شهية السائق للثرثرة و دفع باب الفضول حتى انفتح على مصراعيه .
—:واضح من سؤالك أنك ما جيتشي هنا من زمان ؟
– :ده صحيح
– :ممكن أعرف إنت من بلدنا ؟
– :كنت
– :ممكن أتعرف لو مؤاخذة
– :أنا عبده والدي كان موظف بوستة زمان عندكم
– :ياه كان من زمان قوي أكتر من عشرين سنة.انا كنت معاك فى المدرسة الابتدائى قبل ما تسيبوا البلد
انطلق السائق في الثرثرة و لم يكترث الراكب بما يقوله و لا يصدر منه أي رد فعل سوى أن يهز رأسه و عينه على الطريق و أحيانا يقطع سرد السائق عن الماضي بسؤال عن أحد معالم الطريق التي تبدلت أو اختفت . واصل السائق حديثه قائلا :فاكر يا أستاذ عبده لما اتراهنا كلنا ميين يطلع لأعلى الساقية اللي كنت بتسأل عنها و انت صممت تطلعها للآخر و مقدرتش تواصل لحد ما وقعت فيها و لمينا البلد كلها علشان نطلعك منها.
الراكب يواصل هز رأسه مع ابتسامة خفيفة.
وصلت السيارة لمقرها الأخير و هبط الركاب و ظل عبده لدقائق داخل السيارة تتملكه الحيرة أين يذهب ؟
– انتبه السائق لحالته عرض عليه المساعدة لكنه رفض قائلا : هامشي في أي إتجاه و رجلي هاتوديني إلى حيث تريد .
– سار فى أحد الاتجاهات و لا يدرى الى أين المصير ؟ يمعن النظر في وجوه كل من يقابله ربما تعرف عليه و لا سيما عندما يقابله شخص في مثل عمره دون جدوى لأنه ترك تلك القرية و هو صبي.
– سار حيث حقول القرية و ذلك المكان الظليل عندما رآه شعر باشتياق و حنين . غاص بين الأشجار و النخيل حتى وجد تلك النخلة العالية دار حولها عدة لفات و تحسس جسدها الصلب كأنه وجد معشوقته بعد غياب طويل . جلس أسفلها و راح في شرود لدرجة أنه لم يشعر بأحد حوله و لا يكترث بمن حوله . تارة ينظر إلى السماء و تارة ينظر إلى الأرض.
غابت الشمس و حل الظلام و مازال على حالته تلك.
– لاحت شمس يوم جديد و تسلل شعاعها خجلا من بين أوراق الشجر الكثيف .دبت الأرض بأرجل من يعمرها من جديد و مازال عبده أسفل تلك النخلة لكنه مطأطأ الرأس لأسفل لا يحركها.
اقترب منه أحد الفلاحين ارتاب في جلسته تلك مناديا بصوت معتدل : يا أستاذ لم يعره اهتماما أو التفاتا.
زاد من صوته مع نغزة خفيفه لكن لا رد و لا نظرة .التف حوله جمع من الناس . مسكه أحدهم و هزه بعنف و لم يصدر منه أي رد فعل صاح أحدهم قائلا : إنا لله و إنا إليه راجعون .
أطلق سكان تلك القرية على هذه النخلة لقب نخلة الغريب . أصبحت مزار لكل من تاه ولدها أو غاب عنها زوجها وما كان عليها سوى أن تبيت ليلة كاملة أسفلها . في مثل هذا اليوم من كل عام يقام مولد نخلة الغريب

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق