EBE_Auto_Loan

“المارد الأبيض والصغيرة” لـ”إنتصار عبدالمنعم”

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

268

المارد الأبيض والصغيرة.
إنتصار عبد المنعم
ألمح حذاءه العسكري أولا يسبقه في دخول الشارع، البذلة البيضاء تحتل صفحة الذاكرة، تختفي من أمامها كل الصور، أشعة الشمس تتكسر فوق الأزرار النحاسية، نجمات تزين كتفيه تحددان الطريق إلى رأسه، قصيرة القامة أنا، أراه شاهقا مثل حلم لا نهاية له، حين يغادر، أركض خلفه، أتتبع خطواته، وحين يغيب اللون الأبيض، أعلم أنه رحل..
في مدرسة الشعب الصباحية، يتحدث الأستاذ عوض عن إعراب الفاعل، يذكر أنه كان هناك مع العابرين في 73، يرسم على السبورة جنديا مرفوعا على الأعناق، يقول إنه فاعل شهيد.. أرسم في كراستي غيوما رمادية، يخرج منها المارد الأبيض، يستقر على المدمرة “الناصر” ويمسك بمدفعه المضاد للطائرات..
يدق جرس الفسحة، يلتف الأولاد والبنات في حلقات، جدران المدرسة فرحة بالصياح، ترقص تحت وقع دبيب أقدامهم، تنفك أربطة حذاء المدرسة، يكتفي الأولاد بدسها في قلب الحذاء، لا يعرفون كيف يتعاملون معها، وحدي أعرف، تدربت على حذاء المارد الأبيض، أعيد الأربطة كما كانت، مثل ورقتي شجر متعانقتين في حديقة بيت العائلة..
بعد المدرسة، أتسلل إلى العراقية؛ سوق السمك المجاور لمسجد العراقيات، يقف الصيادون في الصيف والشتاء، لا تعرف أجسادهم الراحة، جرادل السمك من أمامهم، وفي قلوبهم شباك من أمنيات مهترئة، لا تتحقق إلا عندما يسلمون أمرهم لسلطان النوم.. أفرغ من المراقبة، وأعود إلى البيت، أعلم أن المارد الأبيض سيرجع نهاية اليوم بأسماك لم يرها أحد غيره، ولم يمسكها أحد غيره، يتيه بأنه يجلب الأسماك من البحر مباشرة إلينا، من بحر يخصه وحده..
في الليل، يعد المارد الأبيض طعم الصيد؛ الجمبري النطاط، الدود المشرشر، والعجينة. لديه وقت فائض بعد الانتهاء من محاضرات الطلبة، لا يجب أن يذهب الوقت بلا فائدة، يأخذ ماكينة الصيد والطعوم، ويدخل إلى قلب البحر، الأفرول الأزرق يحل محل البذلة البيضاء، ويتحول وجه البحر أمامه إلى صفحة فارغة إلا من أسماك القاروس والدنيس والشراغيش، تنعكس أشعة الشمس على شرغوشة، يُخيل إلي أنها عصفور يطير، لا أنتبه إلى أنها معلقة بالسنارة، أقفز في الهواء وأصرخ: عصفور يا بابا عصفور.. يبتسم المارد الأبيض: وهل تخرج العصافير من البحر؟
يهطل المطر، صحراء مدينتنا تتزين أخيرا، يقف المارد الأبيض في مقدمة حديقة بيت العائلة، يستقبل الوجود بصدره، يمد ذراعيه في صلوات تستدعي ملائكة البذور، وحين يشعر بنسمة هواء تلثم وجهه، يطلق بذور الخضرواتِ من بين يديه، ينثرها، يحملها الهواء إلى أماكن غير مرئية، يقول : في الليل، ستنزل الملائكة، تُعَدل من وضع البذور، وتخفيها تحت قليل من الرمال. أنسى أمر البذور تماما إلى أن أستيقظ على ندائه: تعالي، نهضت البذور.
شهر توت، يقول للحر موت، المدينة تنتظر الطيور المهاجرة إليها طلبا للدفء، البنات في البيوت، يتعلمن الحياكة والتطريز، والصغيرة إلى جوار المارد الأبيض، في أحراش المدينة، يضع بندقية الصيد بين ذراعيها، يثبت الابهام والسبابة على الزناد، تحتضن الدبشك بذراع لصيق بصدرها، بينما الذراع الآخر يعانق الماسورة المعدنية مستندا عليها، تريح خدها على دبشك البندقية، لا تسمع تعليماته بغلق عين واحدة، والتصويب تجاه أسفل منتصف الهدف، تغلق عينيها، تطلق النار، مطمئنة إلى أن المارد الأبيض سيهتم بكل شيء..
أمام مسجد الهداية، نصب الرجال أراجيح العيد، خيمة الأراجوز تلاصق جبانة البلدة، يحمل المارد الأبيض الصغيرة، تصبح أعلى من الجميع، الأراجوز يمازح الأطفال، ضحكات الأطفال يطيرها الهواء هنا وهناك، وعلى مرمى البصر ترى بيتا أرضيا، محاطا بالصبار الأخضر، عليه اسم يشبه اسم المارد الأبيض تماما، تدهش الصغيرة، تريد أن تستفسر منه، تلتفت إلى ماردها الأبيض، تشاهده يتحول إلى سحابة بيضاء تصعد حيث مكانها في السماء، تحاول التشبث بها، تتعثر الصغيرة، وتهوي على الأرض.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق