ثروت عكاشة: الثقافة والحرية

23

بقلم | نبيل فرج

في إطار احتفال معرض القاهرة الدولي للكتاب (44) برموز الثقافة المصرية الحديثة، عقد المقهي الثقافي ندوة عن الدكتور ثروت عكاشة (1921-2012) شارك فيها الكتاب شعبان يوسف، يوسف القعيد، طلعت رضوان، والفنان عز الدين نجيب.

إذا كانت الأوضاع الصعبة التي تمر بها بلادنا قد حالت دون حضور العدد الملائم من الجمهور، فضلا عن سوء الأحوال الجوية في القاهرة في هذه الأيام من السنة، فإن إعادة طبع الأعمال الكاملة لثروت عكاشة المؤلفة والمترجمة، والكتابة عنه وعن أعماله في الدوريات الصحفية، قد يعوض عن غياب الجمهور العريض في هذه الندوة، التي كان يفترض أن تغص بمن قرأ إنتاج ثروت عكاشة، وبمن تأثر بما أنشأ من هيئات علمية وثقافية، استفاد منها ولايزال يستفيد بها أعداد لا تحصي في مصر وفي كثير من الأقطار العربية والأجنبية، تعلموا في اكاديمية الفنون بالهرم، أو اقتنوا الموسوعات والكتب والمجلات التي صدرت بقلمه أو في عهده، وترددوا علي المسارح والمتاحف، وغيرها من العطاء الذي جعل ثروت عكاشة ينفرد بين قواد ثورة 1952 بمكانة في نفوس المثقفين لم يرتق إليها أحد سواه.

وليس من السهل حصر الجهود العديدة التي قدمها ثروت عكاشة في مجالات الآثار المصرية القديمة، وفي تحقيق التراث العربي. وأكاديمية الفنون، والمأثورات الشعبية والاداب العالمية، وحركة النشر، وغيرها من الأعمال التي شكلت ما يعرف بنهضة الستينيات التي اقترنت باسمه، ولم تعرف الثقافة المصرية نظيرا لها في عصرها الحديث.

حس مرهف

ولعل أبرز سمات ثروت عكاشة – إلي جانب وعيه بالثقافة والتراث الإنساني- حسه المرهف بتكامل الفنون، وتطلعه للمدنية والتحديث، التي اختلف بها مع زملاء السلاح، رغم وحدة الغاية والهدف.

نشأ هذا الخلاف بسبب الإجراءات السياسية المتعسفة التي كان مجلس قيادة الثورة يتخذها في صراعاته علي القيادة والسلطة، ويعد بعضها هدما لما كان ثروت عكاشة يشيده، أو لما كان بسبيل تشييده، ولما كان يحلم به.

وربما كان أكثر ما يزعجه أن يفاجأ باعتقال من يعاونونه في الوزارة من اليساريين. كما حدث للويس عوض بعد شهور قليلة من انتدابه مستشارا لوزير الثقافة.

إلا أن الخلاف الأساسي بينه وبين مجلس قيادة الثورة مغالاة الثورة في الدعوة للقومية العربية، ومعاداتها لكل ما عداها من اتجاهات، بينما كان ثروت عكاشة يريد تجاوز هذا المعتقد مع تقديره له، وفتح نوافد مصر علي العالم، إيمانا منه بأن الإنسانية في صميمها واحدة، ولا تفوق لحضارة علي الأخري، وبأن تبادل الخبرات بين الثقافات يقوي القوميات ويرفع من شأنها، لعدم التناقض بين جوهر القومية، وجوهر الثقافات الإنسانية.

وفي كتابه «مذكرات في السياسة والثقافة» الذي صدر في 1988 ، يقدم ثروت عكاشة شهادته عن هذا الخلاف وما عاني منه من ألم ومرارة.

وإلي جانب الجهود المتعددة لثروت عكاشة في وزارة الثقافة، هناك انتاجه الأدبي الخاص الذي لا يستطيع ناقد أو مؤرخ أو قارئ جاد أن يغفله.

ومن أهم هذا الإنتاج مجلداته عن مصر الفرعونية، وفنون عصر النهضة الأوروبية، وحضارات الشرف، والغرب التي طاف من أجلها متاحف العالم ومكتباته ومعارضه وأطلاله الدارسة لكي يجمع مادته وصوره التي تنفرد بها كتبه في المكتبة العربية.

«مسخ الكائنات»

أما عن ترجماته فأشهرها ترجمة روائع الكاتب المهجري جبران خليل جبران التي تقرأ في بعض الأقطار كما تقرأ الكتب المقدسة، وترجمة «فن الهوي» و«مسخ الكائنات» للشاعر اللاتيني أوفيد الذي يعتبر أفضل من فهم نفسية المرأة قبل الميلاد، وعرف كيف يعبر عن مشاعرها في غزلياته بأقصي درجات الصدق، وغيرها من النصوص الخالدة التي تقف بجانب مؤلفاته عن مايكل انجلو والواسطي و«معراج نامة»، المزينة بالصور والرسوم والمنمنمات الرائعة التي أتقن طبعها، ويصحبها ويمهد لها مقدمات وتعليقات وشروح تفصح عن معرفة وافية بموضوعه، وبما يتصل به من قريب أو بعيد، تتواءم فيها اللغة العربية في الترجمة مع النص الأصلي.

ولأن ثروت عكاشة يضع نصب عينيه دلالة النص، ترجم كتاب أوفيد «ميتامورفوز» التحولات بمسخ الكائنات، تعبيرا عن هبوط أحوال أبطال وبطلات الأساطير من المراتب الرفعية إلي الدرجات الأدني، التي يأخذ بها البشر شكل الحيوانات أو الحشرات أو النبات أو الجماد ، وليس العكس.

وتمشيا مع احتفال ثروت عكاشة بالتراث العربي حقق في رسالته للدكتوراه في جامعة السوربون كتاب «المعارف» لابن قتيبة الذي يتناول فيه هذا العالم والمؤرخ والفقيه نشأة الخلق، وأنساب العرب، والدولة الأموية، واعتني في مؤلفاته الأخري بسير الشعراء، الذين لم يخضعوا للتعاليم العربية السائدة، كما لم يخضع ابن قتيبة للأحكام الأدبية التي تجل القدماء لقدمهم، وتهون من شأن المحدثين لحداثتهم، معطيا لكل منهما ما قسم له من الجودة والرداءة بالعدل والميزان، لأن الأصالة والملكات في نظره لا تقتصر أو يستأثر بها عصر أو قوم ، وإنما هي ملكية مشتركة للجميع، في كل زمان، وعلي هذا الأساس يكون التقييم الصحيح.

وقد كان لهذه الأعمال لثروت عكاشة، وبخاصة لموسوعاته ومعجمه عن المصطلحات الثقافية، مكانها في إثراء المكتبة العربية ، وفي إلقاء الضوء علي مراحل وفنون مصرية ظلت بمنأي عن الدراسة، أو درست خطأ، كالفن القبطي الذي يؤكد ثروت عكاشة في بحثه عن خطوطات نجع حمادي للعارفين بالله أن علاقة هذا الفن بالفن الفرعوني علاقة امتداد، لا علاقة تأثر ومحاكاة.

ولا جدال أن هذا العطاء ساهم في تطوير أدبنا وفننا المعاصر بإظهاره علي نماذج رفيعة من الإبداع يعلي من الروح والرمز والخيال.

ولولا أن الشروط والقوانين الموضوعية للعصر الحديث لا تقبل إحياء الماضي بعد أفوله، لأن كل إنتاج يحمل شارة عصره، لكان الانتفاع بمؤلفات ثروت عكاشة أكبر مما كان.

ورغم هذا فمن الصعب جدا انتزاع هذا الغراس الطيب من التأليف والترجمة ، الذي حافظ فيه ثروت عكاشة علي الكيف حفظه لجماليات الشكل، حتي تبني الثقافة المجتمعات، وتصبح حقا للشعب.

ذلك أن الانسياق وراء حكم وحده امتهان للمتلقي ، وافساد لذوقه، بدلا من ترقية هذا الذوق بالمستويات الفنية والفكرية الرفيعة.

سلامة الرؤية

والدليل علي سلامة رؤيته، التي حاول البعض نعتها بأسوأ الأوصاف، أن عددا من كتبه أعيد طبعه خمس أو ست مرات في فترات زمنية قصيرة بالقياس إلي معدل توزيع مثل هذه الكتب، وتحدث عنها النقاد بتقدير عظيم، ومحبة غامرة.

ولم يكن ثروت عكاشة يتحرج من إجراء التعديلات علي أعماله المنشورة في طبعاتها الأولي، أن وجد فيها ما يدعو إليه، ولا يخرج به عن الأصل.

وفي هذه الأعمال يري القراء أن التاريخ الإنساني ليس تاريخ الملوك والحكام والقواد، ولكنه تاريخ الفكر والفن في ارتباطه بالحياة والمعتقدات، تحت مظلة الحرية والاستنارة، لا القيود والضغوط.

وعلي من يريد أن يقيم ما قدمه ثروت عكاشة لبلاده أن يتذكر أيضا في تقييمه المؤتمرات الثقافية التي عقدت بجهده، والمعاهد الفنية التي انشئت، وقانون التفرغ للأدباء والفنانين، ومعرض القاهرة الدولي للكتاب ، وانقاذ كنوز ومعابد ومقابر النوبة وأبو سنبل وفيله من الغرق بمياه النيل، وفرق الموسيقي العربية، والأوركسترا السيمفوني والباليه، ورضا، ومسرح العرائس والجيب والسيرك القومي، وارسال البعثات للخارج، ومشاركة الخبرات الأجنبية في إخراج المسرحيات العالمية في القاهرة، وظهور جيل جديد من المؤلفين والفنانين في كل المجالات، وغيرها من الانجازات التي تفخر بها مصر والعالم.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق