ماجدة موريس تكتب : مـن «90 دقيقـة» إلــي «بتـوقيت القاهــرة» من يضرب الأمن في مصر الآن؟

19

علي شاشة المحور، قدم عمرو الليثي مبادرة من خلال برنامج (90 دقيقة) الذي يقدمه بالتناوب مع ريهام السهلي.. كانت المبادرة هي فتح ميدان التحرير واستعادته كما كان قبل أحداث ثورة 25 يناير، وبالتالي إزالة المتاريس والخيام والكتل الأسمنتية منه وإعادة الوجه المشرق إليه، جاءت المبادرة – كما رأيناها مساء السبت 23 فبراير – من خلال قعدة أشبه بقعدات العرب بين بعض قيادات الشرطة وبعض قيادات شباب الثورة، لم نر الكثير مما دار في هذا اللقاء الذي استمر لمدة 3 ساعات كما قال الليثي، لكننا رأينا دقائق لا تزيد علي الربع ساعة في النهايات أعلن فيها الشرطيون علي ترحيبهم بهذا التعاون لصالح مصر، وكذلك أعلن شباب الثورة، ومن بينهم شادي الغزالي حرب،

عن رغبتهم في أن يتم هذا بدون أية تجاوزات أو معوقات، ثم قدم البرنامج لقطات من «الحدث» الذي أعد له، وفيه بدأت اشتباكات هنا وهناك قبل أن يتحدث شادي من جديد ليؤكد علي فشل المبادرة، حيث دخل مجموعة من البلطجية في «الصورة» في بداية تنفيذ شباب الثورة للاتفاق وهجموا عليهم لضربهم، ولم تتحرك الشرطة للقبض علي البلطجية ولحماية الذين اتفقت معهم علي إخلاء الميدان.. كانت نهاية مؤسفة لمبادرة علنية جيدة من جانب الإعلام، وكان من الواضح هنا أنه توجد «مساحات سرية» مسكوت عنها في علاقة الشرطة بالناس، وفي أدائها لعملها، وهو ما بدا واضحا من برنامج آخر، هو «بتوقيت القاهرة» علي قناة دريم الثانية، عرض مساء الجمعة، قبل (90 دقيقة) بليلة واحدة..

وفيه استطاع مقدم البرنامج حافظ الميرازي أن ينقل إلينا صور شديدة القسوة والبلاغة علي لسان العديد من الشخصيات من أعمار مختلفة في شهاداتهم حول ما فعلته الشرطة معهم أو أقاربهم أو جيرانهم، تجاوزات تبدأ بالسب والشتيمة المقزعة إلي الضرب والسحل والإهانة، من البداية وبدون تفاهم من ضباط سمي أحدهم نفسه بالسفاح كناية عن قسوته.. الحلقة تعرضت للكثير من الأسئلة المهمة وليس الوقائع فقط من خلال فتح ملفات التعامل الشرطي الآن مع المتظاهرين ومنها ما أوردته د. سوزان فياض – الطبيبة النفسية بمركز النديم – التي وجهت أسئلة مهمة عبر الشاشة لم يستطع زميلاها في الجلوس علي المنصة الإجابة عليها وهما من قيادات العمل الأمني، اللواء طارق خضر رئيس أكاديمية الشرطة السابق واللواء شحاتة إبراهيم، والاثنان أعلنا رفضهما لكل التجاوزات في حق المواطن،

وبينما طالبا بأن تكون أماكن الاحتجاز في الأقسام والنيابات لائقة صحيا بما يتوافق مع المادة (31) من الدستور فإن أحدهما لم يرد علي أسئلة الطبيبة الصعبة «لماذا يمارس التعذيب علي أوسع نطاق في معسكرات الأمن المركزي؟ ولماذا لا يوجد ما يلزم النيابة بالإعلان عن أسماء الموجودين لديها تحت التحقيق؟ ولماذا لا تعلن الداخلية كشفا بأسماء البشر الذين اعتقلوا ويتم اعتقالهم يوميا؟ ولماذا لم تعلن أسماء شهداء بورسعيد؟ كان من الواضح – علي الهواء – أن أحدا من الموجودين بالاستديو لا يملك الإجابة، كما أن الذين يملكونها رفضوا طلب البرنامج بالحضور والحديث كما أعلن مقدمه، لكنه، علي الأقل،

استطاع أن يكشف لنا العديد من النقاط ويضعها في سياق متصل، فإذا كنا نعرف أن التعذيب يمارس الآن، فإن الكشف عن أماكن لم تعد سرية هو أمر أصبح علنيا وأيضا فضح الوضع العام لأماكن الاحتجاز التي يحددها القانون، أما ما يخص سلوك الشرطي تجاه المواطن فهي المعضلة التي حاول اللواء خضر التصدي لها حين أعلن أن الطالب الجديد لا يتعلم في كلية الشرطة السب أو القذف ولكنه يتعلم المهارات القتالية وضبط النفس للتعامل مع الخارجين علي القانون، وحتي حقوق الإنسان تدرس له الآن من السنة الأولي، وبحسب قوله في البرنامج «الذي يحدث أن ما يدرسه نظريا يجده عكس ذلك تماما في الواقع العملي بعد تخرجه» لكنه – أي اللواء خضر – لم يقل لنا عن الضوابط التي تمنع تحول رجل الأمن إلي وحش علي الناس، صحيح أنه قال إن قدر الشرطة أن تواجه 99% من الأزمات بعد الثورة وقبلها، وأن تصبح حائط صد لما لم تقم به، لكنه لم يكمل بأن الشعب أيضا لم يصنع الأزمات وإنما السياسات الفاشلة،

في النهاية، كان من الواضح بالنسبة للبرنامج أن هناك ما لم يقال في مسألة حركة وأداء الشرطة، سواء في «بتوقيت القاهرة» أو (90 دقيقة) وأن ما يحرك الأمن هو سلطة أكبر هي التي دفعته لعدم التعرض لمن هاجم المعتصمين في التحرير، والتي أضافت إلي أماكن الحجز بالأقسام، معسكرات الأمن المركزي.. وربما يعتقد البعض بلا جدوي البرامج طالما انتهت بدون حلول معلنة، لكن العكس هو الصحيح، فعلي الأقل أصبحت هذه البرامج وثائق حقيقية إضافية ومهمة في إطار بحثنا كمصريين عن الحرية والكرامة للدرجة التي يمكننا تفريغها في ملفات أكثر صدقا من «الاعترافات الورقية»..

ولابد في هذه الحالة أن تضم إليها حلقتين سابقتين من نفس البرنامج الثاني «بتوقيت القاهرة» والتي توالت فيها اعترافات رجال شرطة من الجيل الجديد حول «التعليمات الصادرة إليهم» والتي لم تصدر، كما تواجهت الشرطة مع نماذج من الشعب وربما لهذا السبب، أي توفر نية الموضوعية وإعطاء كل ضيف حقه مهما كان شأنه، تراجعت قيادات الشرطة الحالية عن الظهور في الحلقة الأخيرة من هذا البرنامج الذي يقوده إعلامي لا تهمه «التكشيرة» علي وجهه بقدر ما يهمه إعطاء كل الناس فرصا عادلة للتعبير عن أنفسهم وإيقاف التجاوزات حتي يسمع الجميع آراء بعضهم البعض.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق