EBE_Auto_Loan

أمينة النقاش تكتب :فى عيد الأم كل سنة وأنت طيب يا أبى

500

ضد التيار
فى عيد الأم كل سنة وأنت طيب يا أبى

أمينة النقاش
فى مسرحية «دائرة الطباشير القوقازية» التى تعد واحدة من المسرحيات التى باتت جزءا ملهما من تراث المسرح العالمى للمؤلف الألمانى “برتولد بريخت “يلقى الراوى فى نهايتها حكمة النص ورسالته: أنتم يا من سمعتم قصة دائرة الطباشير، احفظوا حكمة الأقدمين: إن الأشياء ينبغى أن تعطى للذين يقومون عليها خير قيام، فالأطفال للأمهات اللواتى يرعينهم حتى يشبوا ويترعرعوا، والعربات لمن يقودها جيدا والحقول للذين يحسنون ريها وزرعها.
وتحكى المسرحية قصة حاكم وزوجته الملكة اللذين، تعزلهما ثورة شعبية عن سدة الحكم. فتهرب الملكة مذعورة تاركة طفلها الرضيع خلفها، دون أن تفكر فى مصيره، فتجده الخادمة وتأخذه لتربيه وتحميه وترعاه لعدة سنوات. وبعدما تتغير الظروف،تعود الملكة وزوجها إلى تسلم الحكم من جديد، وتطالب باسترداد الطفل،لكن الخادمة ترفض ذلك فيتم رفع الأمر إلى القاضى لكى يحكم أيهما أحق بالطفل الملكة أم الخادمة، فيأمر القاضى برسم دائرة بالطباشير، ويضع الطفل فى منتصفها، ويطلب من المرأتين أن تجذبه كل منهما االيها خارج الدائرة. وتنجح الملكة فى جذبه خارجها بقوة شديدة وعنف، بينما تعزف الخادمة عن فعل ذلك، خوفا من أن تؤذى الطفل وتؤلمه. فيحكم القاضى بأن يؤل الطفل إلى الخادمة التى بدت أكثر حنانا ورقة وعطفا على الطفل،من أمه الحقيقية، التى لم تأبه بألم الطفل بجذب يده بعنف، لكى تؤكد ملكيتها لا محبتها له، كما فعلت الخادمة.
وكما أن الأم ليست هى من تلد فقط، بل هى من ترعى وتصون وتحنو وترشد وتضحى وتحب، حتى لولم تلد، فإن سوزان طه حسين، كانت أكثر من زوجة محبة، كانت أما بكل معانى الكلمة للدكتور طه حسين. امرأة أوروبية مثقفة وغير مسلمة ترهن حياتها لأزهرى مسلم وكفيف وفقير، ولا تأبه بمعارضة أسرتها لهذا الزواج. وتتألم ألم من يجد نفسه بين حبين متعارضين، فتتحمل، وتلزم نفسها بنمط من الحياة لا يخلو من مشقة وجهد جهيد. وتثقف نفسها بألوان من المعارف فى الفن والموسيقى والأدب، كى تساعد طه حسين على امتداد نحو 56 عاما من حياتهما المشتركة، على التفاعل مع الحياة تماما كالمبصرين، وتيسر له أجواء ولعله الدائم بالقراءة والكتابة، وسماع الموسيقى. فضلا عما يعشقه من أصوات مقرئى القرآن الكريم. وبمساعدتها، يتعلم طه حسين أن يميز بين المدن التى يزورها بسماع خرير المياه وزقزقة الطيور، وشم نسيم الزهور وثمرات الأشجار، فتصبح هى عينه التى ترى، فتروى وتشرح وتفسر وتناقش وتستقبل ما يمليه عليها. وفى لحظات اليأس والحصار وشظف العيش وقلة الموارد، وملاحقة معاول الظلاميين، تصبر وتشجع وتصمت دون شكوى أو تذمر. بل تظهر قدرة فائقة على تطويع الظروف السيئة، والتأقلم مع قسوتها،حتى تنقشع الغيوم، فيغدو هذا الاختيار الذى يؤمن بفاعلية انجاز طه حسين وجدواه أبعد من مشاعر الحب. إنها الأمومة فى أرقى صورها، وأكثرها نبلا وتجردا.
من بين الأفكار التى باتت منتهية الصلاحية، وتحتاج إلى إعادة نظر، أن تقتصر صفة الأمومة على المرأة التى تلد دون سواها. الأمومة، كالرجولة هى صفة كونية، تنطبق على الإناث والذكور باعتبارها قيمة من قيم الحياة العليا والرفيعة. والحياة تعج بالأمثلة على رجال لعبوا فى حياة أسرهم أدوار الأمهات بجدارة وكفاءة وبمحبة غامرة. وقد عشت هذه التجربة حين ماتت أمى وأنا لم اتجاوز الثامنة من عمرى، فأصبح أبى المعلم الإلزامى والشاعر، هو أمى وأبى فى آن واحد. وأمتلك من القدرة على مواجهة فقر الامكانيات، وقلة الموارد، ما يسد بحنان ورفق و«أمومة» غياب أمى من حياتى، وإليه أتوجه فى مرقده لدى رب كريم، بالتهنئة بعيد الأم: كل سنة وأنت طيب ياأبى.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق