د.جودة عبد الخالق يكتب : شهيد البطاطا وثلاثية العدالة الاجتماعية

30

مات الطفل علي بائع البطاطا برصاصة طائشة، وبسماع خبر مصرعه، انفطر قلبي وتجمدت الدموع في عيني، علي راح، وأخذ معه براءة الطفولة، كان طفلا ورجلا في وقت واحد، يكد ويكدح لإعالة أسرته، هكذا حكم المجتمع عليه، أن يعمل بدلا من أن يتعلم، عملية استلاب واضحة لمستقبله، كان من الممكن أن يقضي علي حتفه تحت عجلات سيارة مسرعة أو علي مزلقان قطار مفتوح، لا يهم الطريقة التي مات بها، الأهم أنه مات، وكلنا نتحمل مسئولية موته.. الرئيس ورئيس الوزراء ووزير الداخلية.. وأنا وأنت، فدم علي في رقابنا جميعا.

إن شهيد البطاطا يجسد ثلاثية غياب العدالة الاجتماعية في مصر.. العدالة بين الفئات والعدالة بين الأجيال والعدالة بين الجهات فمازالت العدالة الاجتماعية فريضة غائبة علي هذه المستويات الثلاثة جميعا، فهو ينتمي لأسرة من فئة الفقراء في مصر، وعاش في إحدي المناطق المهمشة، وهو من الجيل الجديد المظلوم، إنه واحد من عشرات الملايين من الفقراء والمهمشين الذين يزدادون فقرا وتهميشا في ظل سياسات جماعة الإخوان وحزبها التي لا تقل قسوة عن سياسات نظام مبارك، ويكفي أن نسترجع القرارات الأربعة بقوانين التي أصدرها الرئيس مرسي في ديسمبر الماضي، ثم عاد فجمدها انتظارا للحظة المناسبة، لكنها تأخذ من الفقراء لتعطي الأغنياء.

أما العدالة بين الأجيال فمازالت قضية منسية رغم مرور عامين علي ثورة 25 يناير فحق الأجيال القادمة في فرص العمل مهضوم، حيث تشير البيانات إلي أن نسبة البطالة بين الشباب «وهم الجيل الجديد» تزيد علي 30% أي أنها أكثر من ضعف نسبة البطالة في المجتمع ككل، وحق الأجيال القادمة في فرص التعليم أيضا مهضوم، وينطبق ذلك علي البنات أكثر من الأولاد.

وحق الأجيال القادمة في موارد الثروة القومية الناضبة من بترول وغاز وبيئة طبيعية «كالماء والهواء» يجري الاعتداء عليه بانتظام في ظل السياسات العامة في هذه المجالات، ثم هناك موضوع الدين العام الذي يتزايد بمعدلات مخيفة، ويلقي بأعباء ثقيلة علي الأجيال القادمة.

وعن العدالة بين المناطق أو الجهات فحدث ولا حرج، فتوضح دراسة حديثة للبنك الدولي «نشرت في يونيو 2012» أن هناك تفاوتا كبيرا في فرص الاستفادة من الخدمة الأساسية «التعليم، الصحة، مياه الشرب والصرف الصحي» بين المناطق الجغرافية، ويعاني الريف عموما، وريف الصعيد خصوصا، من أشد درجات الحرمان من هذه الخدمات، بل إن الوضع قد تدهور خلال العقدين الأخيرين، كما أن التفاوت في الفرص في مجال التشغيل والحراك الاجتماعي والاقتصادي للشباب تفاوت صارخ بين المناطق وعلي رأس قائمة المهمشين نجد الشباب في ريف الصعيد، ولننظر أيضا إلي الغليان الحادث في بورسعيد، إنه دليل آخر علي غياب العدالة بين الجهات.

فليرحم الله شهيد البطاطا، وليجعله بفضله آخر الشهداء.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق