فريدة النقاش تكتب : الطرق المستترة للتضليل

18

هي ليست قصة الدراسة التي حملت عنوان «طرق مستترة للتضليل الإعلامي» والتي أعدها للجنة جودة المحتوي والمهنية بمجلس أمناء اتحاد الإذاعة والتليفزيون مجموعة من الإعلاميين وأساتذة الجامعات، ولكنها القصة المؤسفة لتعامل صحيفة «الأهرام» أعرق الصحف المصرية والعربية مع نتائج الدراسة حيث زجت بأسماء قنوات تليفزيونية وإعلاميين وإعلاميات لم تشر إليهم الدراسة من قريب أو بعيد علي حد تصريح الزميل الشاعر عمر بطيشة لجريدة «اليوم السابع» وهو رئيس لجنة جودة المحتوي والمهنية.

مؤكدا أن اللجنة معنية أساسا بمراقبة وتقييم أداء القنوات التابعة لتليفزيون الدولة فقط، وخلصت الدراسة إلي ضرورة تدريس الإعلام كمنهج دراسي للتلاميذ منذ الصغر لتحصين الطلاب ضد التضليل، وحتي نقرأ التقرير تفصيلا أتمني أن يكون قد توقف فعلا أمام أشكال التضليل والتزوير التي يمارسها الإعلام الحكومي نفاقا للحكم الجديد.

وليست واقعة الأهرام إلا واحدة من آلاف الوقائع التي تدل علي المنهج المتبع منذ زمن طويل الذي يبدأ بالنفاق الذليل للحكام وكانت أشهر وقائعه تلك الصورة المزورة التي غيرت موقع الرئيس «مبارك» ليكون في مقدمة الرؤساء في أحد لقاءاته مع «أوباما» و«محمود عباس» و«نتنياهو» والملك عبدالله ملك الأردن في واشنطن، وكان «مبارك» يأتي في الصورة الحقيقية متأخرا بسبب كبر سنه، وليس انتهاء بالحملة الكاذبة ضد الدكتور «محمد البرادعي» التي شارك فيها عدد من كتاب الأهرام مختلقين وقائع لم تحدث حول مشاركته كمدير للوكالة الدولية للطاقة الذرية في التحريض علي العدوان علي العراق بدعوي أنها تمتلك أسلحة نووية.

وكانت عملية توريث «جمال مبارك» تجري حينذاك علي قدم وساق وشكلت عودة البرادعي إلي مصر تحديا كبيرا لمشروع التوريث بسبب الشعبية التي حظي بها الرجل لدي عودته ومطالبة البعض له بالترشح للرئاسة. ولم تكن صحيفة «الأهرام» هي وحدها التي انخرطت في حملة التضليل والتلاعب بوعي الجماهير والكذب عليها بل شاركت في هذه الحملة كل مؤسسات الإعلام والثقافة والتنشئة الاجتماعية والدينية التي عملت جميعا في تناغم تام لتسويق مشروعية حكم كان قد فقد شرعيته واقعيا بسبب التدهور العام في حياة وأوضاع الطبقات الشعبية، والانتشار الواسع للفساد الذي اقترن بالاستبداد ونشأت في ظلهما دولة بوليسية لا مثيل لها، وذلك رغم أن إعلام الدولة من المفروض أن يكون ملكا للشعب يعبر عن أحلامه وآلامه تعبيرا موضوعيا.

والتضليل الإعلامي هو واحد فقط من آليات مؤسسة أكبر وأكثر تشعبا في بنية المجتمع وهي مؤسسة التضليل الإيديولوجي الذي تتأسس علي الأخلاق والدين والأدب والفن والقيم والعادات والتقاليد، وقد نشأت الأخيرة وتراكمت تاريخيا في ظل وكنتيجة للصراعات المعلنة والمخفية في المجتمع الطبقي بمراحله المختلفة، ولأن هذا الصراع التاريخي لم يكن أبدا أحادي الجانب فلم يؤد إلي نتائج متشابهة دائما.

لأن القوي الاجتماعية التي تعرضت للاستغلال علي امتداد التاريخ أقنانا كانوا أو عمالا زراعيين أو عمالا صناعيين طالما قاومت هذا الاستغلال وأنتجت مقاومتها أفكارا وتصورات ورؤي مختلفة بل ومقيضة لتلك التي أنتجها السادة، ولكن أفكار وتصورات ورؤي المقهورين فضلا عن أنها كانت مهمشة عبر التاريخ فقد أصابتها عدوي التضليل والتجليات الزائفة للوعي التي طالما لعبت أدوارها في تشويه مقاومة الكادحين خاصة حين أنتجت في سياق حركتها الدءوبة أشكالا مختلفة من العنصرية والتمييز والاضطهاد الديني والطائفي المترتب علي الاضطهاد الطبقي، ويكون التضليل سيفا بتارا حين يعمل بنعومة في عقول وقلوب الكادحين من عمال وفلاحين ويكون سلاح الدين في هذه الحالة هو السلاح الأمضي والأشد تأثيرا خاصة فيما يتعلق بتقسيم الله سبحانه وتعالي لأرزاق البشر، وطالما استخدمت القوي الرجعية التأويل الجامد والحرفي للنصوص الدينية لتبرر قوتها الاقتصادية وتحولها إلي قوة أيديولوجية تضليلية هائلة هي منبع الشرعية وغطاؤها.

ومع ذلك، ورغم كل الجهود والحيل وأشكال التلاعب بالوعي استطاعت أقلية عبر التاريخ أن تلتقط المعاني والدلالات العميقة للصراع، وفي عصرنا لعبت ثورة الاتصال دورها في الكشف عن حقيقته، أما الدور الأساسي فكان دائما للنضال الشعبي. ويبقي السؤال.. كيف يتم إذن تغيير مجتمع مع بقائه خاضعا لمنظومة من التصورات الوهمية تضفي عليه الشرعية؟ وكيف يمكن التحرر من هذه الأوهام بينما تبقي العلاقات الإنتاجية والاجتماعية الاستغلالية التي تنتجها قائمة ومتجددة بل وقوية، بل وهي الآن أشد قوة في الحالة التي تسيطر فيها الإيديولوجيا الدينية، وتتحكم في السلطة قوي شمولية تطبع كل من التعليم والإعلام والأسرة ومؤسسات المجتمع المدني بل والمؤسسة الدينية ذاتها بطابعها ولكن الوعي الجديد بحقائق هذا العالم وبطبيعة الصراع الذي يدور فيه والذي تلعب الفضائيات الجديدة دورا في تأكيده لذا تصبح موضوعا لعدوان الحاكمين – هذا الوعي الذي يجعل طفلا فقيرا في العاشرة يقول لمذيعة بيضربونا لأننا غلابة»..

فالفقر بالنسبة لهذا الفتي الغض ليس شيئا مفروغا منه.. وموقف الفتي هو من صنع الوعي الجديد الذي فجرته ثورة 25 يناير وآزرته بعض الفضائيات المغضوب عليها.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق