د. رفعت السعيد يكتب : الطبقة العاملة المصرية في غمار النضال «13»

25

وما أن تخلصت الحركة العمالية من وطأة السيطرة البرجوازية سواء النبيل عباس حليم أو الباشا حمدي سيف النصر «الوفد» حتي نهض مجموعة من النقابيين العمال حقا في تشكيل تنظيم غير معلن وسمي «هيئة تنظيم الحركة النقابية» وكان هدفها الأول تخليص الحركة العمالية من سيطرة الباشوات كما قال محمد يوسف المدرك مؤسس هذه الهيئة في حوار معه.

وأسس المدرك مكتبا أسماه «مكتب الأعمال النقابية» وكان هدفه تقديم الخبرة القانونية والعملية للعمال سواء في تنظيم النقابات أو ممارستها لعملها، وعبر المكتب استطاع محمد يوسف المدرك وكان عاملا بسيطا ثم أصبح رئيسا لنقابة عمال المحال التجارية وكان في ظل حركة النبيل عباس حليم «وكيل أول اتحاد نقابات عمال المملكة المصرية» أن يصبح كادرا مرموقا في حركة نقابية غير معترف بها رسميا، لكنه وعبر اتصالات سرية وواسعة فاجأ الجميع بمظاهرة عمالية كبيرة في 8 مايو 1938 أسمتها جريدة الأهرام «المظاهرة العمالية الكبري» (9-5-1938) ويقول المدرك في حواره معي «أحسست بعد المظاهرة بأن الموج بدأ يتجه معنا وأن العمال علي استعداد للتحرك ففاجأنا الجميع بحركة جديدة ،فقمت أنا وسبعة من أشهر القيادات النقابية العمالية بافتراش مساحة من ميدان العتبة معلنين الإضراب عن الطعام حتي تصدر الحكومة القوانين المنظمة لإنشاء النقابات بما يكفل حق العمال في بناء تنظيماتهم النقابية، وقد أيقظ الإضراب الصحافة والمسئولين وأصبح يوم 12 يوليو 1939 وهو يوم بداية هذا الإضراب هو يوم مولدي كقيادة عمالية» (محضر نقاش أجري يوم 6 مايو 1976) .

فقد أنصت الجميع لي وأنا أتحدث باسم المضربين، وواصل المدرك كتابته في عدد من الصحف مثل شبرا – اليراع – الشعاع وأصدر عددا من الكتيبات منها: الحركة النقابية – الفكرة النقابية – عيد أول مايو – الضمان الاجتماعي ضد البطالة – دليل التعارف النقابي – مجموعة قوانين العمل والعمال، وبعدها يلتقي المدرك مع المحامي اليساري يوسف درويش ويلتقي معه بقيادتين عماليتين ليؤسسوا معا «لجنة العمال للتحرير القومي – الهيئة السياسية للطبقة العاملة»، والحقيقة أن يوسف درويش كان ضمن مجموعة ثلاثية تضمه مع أحمد صادق سعد وريمون دويك بدأت وبحذر شديد وربما مبالغ فيه في تأسيس تنظيم شيوعي اسمه في البداية الفجر الجديد ثم تسمي طليعة الشعب للتحرير ثم طليعة العمال.

وأسس يوسف درويش «جماعة نشر الثقافة الحديثة» بهدف محو الأمية وتعليم الحساب وتاريخ مصر واتخذ لها مقرا في بيته 7 سكة جلال الملك ببولاق ثم اتسع نشاطها لفرع آخر في السبتية بشارع ورشة القطن ثم فرع ثالث في ميت عقبة ثم رابع في طنطا وخامس في أبوصير الملق ببني سويف، أما النقابي الآخر فهو طه سعد عثمان وكان شخصية نقابية بارزة فقد ظل رئيسا للنقابة العامة لعمال النسيج الميكانيكي وملحقاته بالقاهرة وضواحيها من 1938 وحتي 1942 ثم أمينا للصندوق في ذات النقابة لعامي 1943 – 1944» (طه سعد عثمان – دراسة بمجلة الكاتب يوليو 1971)

وكان محمود العسكري واحدا من أشهر القادة العماليين في شبرا الخيمة وعضو مجلس إدارة نقابة النسيج المكانيكي، وكان شريكا للمدرك في الإضراب عن الطعام بميدان العتبة، وعندما عين فؤاد سراج الدين وزيرا للشئون الاجتماعية المختصة بشئون العمال نظم العسكري إضرابا لعمال النسيج معلنين تمسكهم بالوزير المدافع عنهم عبدالحميد بك عبدالحق ويعتقل العسكري وينتخب وهو في المعتقل سكرتيرا عاما لنقابة النسيج الميكانيكي، وفي 1944 يسهم بشكل بارز في تأسيس مؤتمر نقابات عمال الشركات والمؤسسات الأهلية وفي 1945 يصبح عضوا في اللجنة التحضيرية لمؤتمر نقابات عمال القطر المصري، وفي ذات العام يقرر اتحاد الصناعات إدراجه ضمن ما أسمي بالقائمة السوداء والتي ضمت أسماء عمال يلتزم جميع أصحاب المصانع بعدم توظيفهم كعمال.

ومع هذا الثالوث القيادي بدأ يوسف درويش رحلة نضال عمالي بارز، ولم تكن مصادفة أن تعلن هذه المجموعة تأسيس «لجنة العمال للتحرير القومي» وإصدار مجلة «الضمير» الناطقة باسمها في ذات يوم إلغاء الأحكام العرفية في 17 أكتوبر 1945، وفي هذه الأثناء ومع صعود المد الوطني والثوري بعد الحرب العالمية الثانية نشطت هذه المجموعة، ويقول طه سعد عثمان في مذكراته «وفي اجتماعات مطولة اتفقنا علي وضع برنامج سياسي يحدد مطالب جميع الفئات الشعبية وطنيا واقتصاديا واجتماعيا، وأن يكون اسم التنظيم هو «لجنة العمال للتحرير القومي»

وأن تكون اللجنة لجنة تحضيرية لقيام حزب عمالي يرتبط عضويا بالعمال والفلاحين والمثقفين الثوريين، وأن نستأجر مجلة تنطق باسمها وكلف محمود العسكري بهذه المهمة وقام العسكري بالاتصال بالدكتور عبدالكريم السكري وكان شخصية تقدمية يصدر مجلة إقليمية في بني سويف باسم الضمير منذ عام 1938 ويطبعونها في المكتب الدولي للطبع والنشر في الجيزة، وعندما اتفق السكري مع محمود العسكري علي أن تصدر الضمير باسم اللجنة كان قد أصدر منها 272 عددا كمجلة ليبرالية تقدمية..

وبهذا فإن السكري ظل مشاركا في إصدار الضمير وفي الكتابة فيها، وفي مسيرة ناجحة استطاعت هذه المجموعة جمع آلاف من التوقيعات وتبرعات نجحت بموجبها في إيفاد محمد يوسف المدرك لحضور الاجتماع التأسيسي للمؤتمر العالمي لاتحاد النقابات.

وبهذا تتعزز مكانة هذه المجموعة محليا وعالميا، وخاصة مع إصدار أعداد ملتهبة من مجلة الضمير.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق