EBE_Auto_Loan

أمينة النقاش تكتب:لا وجه للاسعجال

204

ضد التيار 

لا وجه للاسعجال

امينة النقاش 

بالإشارة لقانون الأحوال الشخصية الذى قدمته الحكومة للبرلمان، وعد الرئيس السيىسى فى كلمته فى الاحتفال بعيد المرأة المصرية، بأن القانون لن يصدر إلا بعد حوار مجتمعى يحقق التوازن فى نصوصه .وأشار فى هذا السياق إلى أن فضيلة الأمام أحمد الطيب نوه إلى مشروع  قانون جيد قدمه الأزهر. ومن المعروف أن الأزهر سبق أن نشر نصه منذ فترة، فى كتيب منفصل فى مجلته الشهرية ، وأثار حينها كثيرا من الاعتراضات ، شأنه فى ذلك شأن المشروع الحكومى  .

كلمة الرئيس جاءت بعد الضجة التى أثارها المشروع الحكومى من مواد ، لا تخالف فقط نصوص الدستور، لكنها كذلك تصور العلاقة الزوجية باعتبارها علاقة صراع بين الرجل وامرأة، وحلبة مصارعة ينتظر مشاهدوها من يهزم الآخر بالضربة القاضية ،مع أن الدين يصفها بأنها علاقة سكن ومودة ورحمة .

 وعلى سبيل المثال ،يحرم مشروع قانون الحكومة المرأة من حقها فى اخيتار زوجها ،التى يفترض أن تعيش معه طول العمر، فإذا أحبت رجلا وتزوجته، يحق لكل ذكر فى العائلة أن يطلقها منه دون إرادتها ، بزعم  نص فضفاض لا تعريف له ،اسمه عدم التكافؤ. والقانون فضلا عن ذلك يحرم الأم من الحق فى الولاية على أطفالها فى قضايا التعليم والسفر واستخراج الأوراق الثبوتية، وهو ما جعل حملة منظمة المرأة والذاكرة الأهلية التى أطلقت هشتاج بعنوان الولاية حقى، تحظى بمئات الالاف من  المؤيدين لها  .أما أغرب النصوص ،وأكثرها إدهاشا ،أن المشروع يحظر على الرجل الزواج من غير المنتمية للديانات السماوية .ولا أدرى من أى دين أو ملة أو شرع استمد هذا الحظر مشروعيته .

تشترك الأمثلة السابقة فى أنها  تخالف نصوص الدستور و المقاصد العامة للشريعة   وأهدافها المعبرة عن روح العصر والرامية لإسعاد البشر، وليست التطبيقات الفقهية الجزئية والزمنية،التى أفتى بها فقهاء الزمن الماضى،وهم بشر مثلنا ،يفترض أن نجتهد لزماننا ،كما سبق أن  اجتهدوا هم  فى زمانهم .وإذا كان الدستور يلزم الدولة بالحرص على تماسك الأسرة واستقرارها ،وترسيخ قيمها الأخلاقية والدينية والوطنية،ويطالبها بالمساواة بين الرجل والمرأة فى جميع الحقوق المدنية،فإن الأمثلة السابقة تشكل بذلك خرقا واضحا لنصوصه.

المجتمع تخيم عليه غلالات من المحافظة ،التى تنشر قيمها وثقافتها وتقاليدها ،الدعوةالسلفية وأنصارها، فى كل زاوية ومسجد وحارة بالإضافة لتغلغل أفكارها المتخلفة ، والمستقاة من تفسيرات فقهية مهجورة وغير ملزمة،فى صفوف المؤسسة الدينية ، ويدافع عنها ممثلوها التسعة  فى البرلمان ومجلس الشيوخ .

ولأن المجتمع بات أكثر محافظة من الحكومة ورئيس الدولة ،فلا وجه للاستعجال لتقديم مشروع جديد لقوانين الأحوال الشخصية فى تلك الظروف الملتبسة ،التى دفعت محاميا فى أحد البرامج الفضائية ، ليس للاعتراض فقط  بصوت جهورى ،على نص فى المشروع الحكومى ،يلزم الزوج والمأذون بإبلاغ الزوجة إذا ما تزوج عليها زوجها، بل أيضا بوصف النص بالبدعة والهرطقة .

وما الزوبعة التى تمت إثارتها فى مجلسى النواب والشيوخ بشأن تعديل بعض مواد قانون العقوبات لتغليظ العقوبة على جريمة ختان الإناث ،على من يأمر بإجرائها ، ومن يقوم بعملها من أطباء وحلاقى الصحة والدايات،  وإغلاق المنشآت الخاصة التى تقوم بذلك ،وتحويل الجريمة من جنحة إلى جناية ،سوى دليل من أدلة لا حصر لها ،عن النظرة الدونية  للمرأة التى لاتزال سائدة فى المجتمع  المصرى،وتُعلى من الصحة النفسية والجسدية للرجل على حساب المرأة  .

وليس صحيحا ما يروج له البعض، من أن تشديد العقوبة فى تلك الجريمة لن يوقفها ،أسوة بما يقولون أن المخدرات منتشرة، برغم العقوبات المشددة لتناولها والاتجار بها .وبرغم أن مثل تلك المبررات تروج للفوضى ، فالرد عليها بسيط  ، وهو أن العادات والتقاليد تتغير وتتعدل، بتراكم أساليب التصدى لها ، وفى القلب منها العقوبات الرادعة ، التى تحاصرها وتعمل على تجاوزها ،وتلك ليست بدعة فى مصر ، بل هى ، الردع القانونى وغايته فى أنحاء المعمورة.

لهذا ولغيره أجلوا عرض أي مشاريع للأحوال الشخصية فى تلك الأجواء المليئة بالغيوم والملبدة بالعواصف الترابية ،التى تسعى لجر المجتمع ،لمناقشة بديهيات ، كنا نظن أنها حسمت من منتصف القرن الماضى!

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق