EBE_Auto_Loan

فريدة النقاش تكتب:دولة مدنية في العراق

176

قضية للمناقشة

دولة مدنية في العراق

*بقلم فريدة النقاش 

مباراة شاقة جرت فصولها في البرلمان العراقي علي امتداد الأسابيع الماضية بين قوي الإسلام السياسي من جهة, والقوى المدنية من جهة أخرى. أما موضوع المباراة فهو تعديل قانون المحكمة الاتحادية في العراق, تلك المحكمة التي تسبب عدم اكتمال نصابها بعد وفاة وتقاعد عدد من أعضائها في تعطيل قوانين وتعديلات تشريعية كانت معروضة عليها, خاصة في ظل حالة عدم الاستقرار والتقلبات التي عرفتها البلاد بعد الغزو الأمريكي.

تشكلت المحكمة في ختام المباراة, وكانت المفاجأة السارة للمنادين بالدولة المدنية وفصل الدين عن السياسة أن أغلبية ساحقة من عدد الحاضرين صوتت لصالح التعديل الذي ينص على “استبعاد رجال الدين وفقهاء القانون من تشكيل المحكمة والاعتماد علي القضاة وحدهم”, وذلك استنادا إلي المادة التي تؤكد علي أن القضاة مستقلون ولا سلطان عليهم لغير القانون, ولا يجوز لأي سلطة التدخل في القضاء أو في شئون العدالة.

ويري خبراء القانون أن البرلمان بإقرار هذا التعديل يكون قد حسم اختبار الدولة المدنية في العراق, وهو الذي ظل موضوعا لصراع ممتد لزمن طويل رغم الضغوط التي يمارسها النظام الديني في إيران المجاورة.

ويعرف المتابعون ومؤرخو الفكر والسياسة في الوطن العربي أن إغراق منطقتنا في الصراعات الدينية والمذهبية هو مشروع الاستعمار, الذي عرف منظروه مخاطر انتشار مفهوم المواطنة الجامع الذي يوحد صفوف الأمة في مواجهة الاستعمار, ومن أجل التعامل بعقلانية مع قضايا الوطن الكبرى, إذ أن المواطنين إذا اختلفوا على اختيار التوجهات والأفكار السياسية فإن مثل هذا الاختلاف يكون عنصر إثراء للحياة السياسية وإضاءة لطريق المواطنين لاختيار الأفضل.

وذلك علي العكس تماما من الاختلاف حول الديانات والمذاهب الذي علمتنا تجارب التاريخ أنه غالبا ما كان يقود الى الحروب الطائفية وصولا حتي للحروب الأهلية, ويخبرنا تاريخ مثل هذه الصراعات عن دموية وعنف وضحايا بلا حصر. وقد استمر الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا طيلة القرنين السادس عشر والسابع عشر, ودفعت أوروبا ثمنا فادحا حتي تخلصت نسبيًا من آثاره؟

وفي منتصف القرن السابع عشر ظهرت كتابات تدعو للتسامح ومدنية الحكم. وكتب “جون لوك” رسالة في التسامح, ورسالتين في الحكم المدني.

ومع مرور الزمن صار التسامح جزءا من ثقافة الديموقراطية الليبرالية، كما أن له جذورا راسخة في الفلسفة الاسلامية التي انتجها علماؤنا الأجلاء عبر القرون, وظلت دائما سلاحا لدعاة التنوير والتغيير إلى الافضل, ذلك أن افكار البشر وثقافتهم تتغير ببطء شديد, لا يكون بوسعه أن يواكب التغير المادي خاصة بعد التطور الهائل للتكنولوجيا.

وتدلنا الملاحظة المدققة لبعض سمات تطورنا السياسي والثقافي في العقود الأخيرة علي أن إقحام الدين بقوة في الشأن السياسي قد تواكب مع توجهات الرئيس الراحل “السادات” لشطب السياسات الناصرية من علي جدول الأعمال الوطني، وهي السياسات التي كانت قد تمحورت حول قضيتين أساسيتين هي التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية.

وحتي يغير “السادات” الدفة في اتجاه التمايز عن “عبدالناصر” أطلق مقولته الشهيرة وهي أن 99.9% من الحل “في أيد أمريكا”, وحتي يضع مقولته في التطبيق ألقى بكل ثقله علي السياسة الأمريكية. ودار الزمن دورته ليخذله الأمريكيون في أكثر من قضية رئيسية, مما دفعه لوضع المدماك الأول في هدم الموقف العربي الموحد ضد إسرائيل والصهيونية والذي كان شعاره “لا صلح لا مفاوضة لا اعتراف” حتي ذلك الحين. ويتوجه “السادات” إلى “القدس” منفردا ودون حتي تشاور عربي بدأ انفراط العقد,  وانهار أو كاد- الطابع المميز للعلاقات العربية التي كانت قد تجاوزت في ظل معارك التحرر الوطني بدءًا من تأميم شركة قناة السويس مفهوم الوحدة القومية الأولي البسيط لتصل إلى مفاهيم التحرر الانساني الأشمل تأسيسا علي العدالة الاجتماعية والمعنى الأعمق للديمقراطية التي قال عبدالناصر إن لها جناحين سياسي واجتماعي, متجاوزا حصر الديمقراطية في الانتخابات الدورية, وهو يؤسس لدور مصر القائد ضمن حركة التحرر الوطني العالمية, وتلعب مصر دورا محوريا في هذه الحركة.

ولم تكن مرحلة التحرر الوطني مجرد حقبة سياسية أو عسكرية, بل كانت في العمق منها قوة ثقافية هائلة غيرت تفكير المواطنين وشكلت عقليات الشابات والشبان على أسس جديدة كان من أهمها وضع قضايا تحرير المرأة في مكانها الصحيح على جدول أعمال النضال الوطني, ثم التعامل بعقلانية وتفهم مع قضية الأممية وفهمها بشكل إنساني.

وبالرغم من التاريخ النضالي المجيد الذي خاضه ملايين البشر على امتداد المعمورة من أجل تغيير الواقع البائس خاصة لشعوب المستعمرات, فل اتزال هناك قضايا جوهرية ومن ضمنها قضية مدنية الدولة وعلمانيتها تواجه عقبات وصعوبات كثيرة بالقطع سوف يجري حلها لكن علي المدي الطويل, وهو ما يحتاج جهدا خلاقا من المفكرين والمثقفين والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني كافة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق