EBE_Auto_Loan

عيد عبدالحليم يكتب:جماليات المسرح البديل

270

جماليات المسرح البديل

عيد عبد الحليم
تشهد الحركة المسرحية في مصر الآن ازدهارا من نوع خاص، يقوم على أفق تجريبي من خلال مجموعة من شباب المؤلفين والمخرجين والممثلين والفنيين، الذين يحاولون إثبات النظرية القائلة بأن “المسرح ضرورة ومتعة في آن واحد”.
وهذا التجريب ليس ضربا في الفراغ أو شكلا هلاميا بل هو مراوحة بين الواقع والرؤية، من خلال بث روح التمرد الفني على خشبة المسرح ولاستنطاق جماليات النص المكتوب، من خلال ابتكار طرق جديدة في الأداء المسرحي والديكور والسينوغرافيا والإضاءة وغيرها من الأدوات المسرحية.
ولعل هذه الطفرة هي ما جعلت أحد كبار كتَّاب المسرح العربي وهو الراحل ألفريد فرج يقول في أحد الحوارات التي أجريت معه “بأن المسرح المصري يمر ـ الآن ـ بأفضل فتراته” على الرغم من وجود فترة تاريخية مهمة للمسرح وهي حقبة الستينيات التي شهدت مسرحيات يوسف إدريس وعبدالرحمن الشرقاوي ونجيب وسرور وميخائيل رومان ومحمود دياب.
وعلى ما أعتقد أن هذا التميز أتى من وجود مجموعة من الفنانين الذين استفادوا ـ كثيرا ـ من المنجز المسرحي العالمي والعربي وأرادوا أن يدخلوا الإنسان بجوهره وخارجه، بجسده وروحه وقضاياه الاجتماعية والسياسية والنفسية داخل بنية العرض فأصبحت لغة الشارع والمهمشين وأحلام البسطاء وأغانيهم هي ما يؤطر لغة الأداء ويضفي أبعادا شعبية على الديكور والسينوغرافيا، فكأن “يد الله أدخلت ـ هؤلاء ـ في التجربة” على حد تعبير الشاعر الراحل أمل دنقل.
ونرى عبر هذا التلاحم والتمازج والتقارب بين ما هو عام وما هو خاص أشكالا متنوعة للتعبير تتراوح بين المسرح الجسدي الذي يعتمد على الأداء الحركي للممثل مع تنحية البعد الصوتي والخطاب اللغوي، حيث تتحول مركزية الحضور المسرحي من اللغة الكلامية المنطوقة إلى مسرحة الجسد وحده عبر أداء ارتجالي أحيانا، أو عبر نص مؤلف في أحيان أخرى.
وتأخذ هذه اللغة الحركية شرعيتها من تعبيرها عن العقد السيكولوجية التي يحياها الإنسان في العصر الحديث، وتأتي من خلال طريقتين للأداء إما بالرقص أو الإيماء كبديل موضوعي عن لا جدوى اللغة المنطوقة.
وبين الإطار الثاني للتجريب وهو “المسرح تحت الأرض” أو “مسرح مترو الأنفاق” “مسرح المقهورين” حسب تعبير “أوجيبتسو بوال” الذي يهدف من وراء نظريته هذه أن يكون العرض المسرحي تظاهرة تجعل من المتفرج عنصرا أساسيا وفاعلا في بنية الأداء المسرحي فالجمهور يشاهد المشكلة التي يطرحها النص، وتتماس مع واقعه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ويتدخل ـ في أحيان كثيرة ـ لإيجاد حلول مرتجلة تتوازى مع النص المعروض تكون عبارة عن مشاهد متداخلة يشارك فيها المتفرج، وهي طريقة أعتمد عليها كثيرا “بيتر بروك” في أعماله المسرحية المختلفة، بحيث يصبح الحدث في مواجهة الجمهور وجها لوجه في مرآة واحدة ينظر كل منهما للآخر فيما يمكن أن أطلق عليه “أنسنة الحدث” أو “حدث الأنسنة”.
وهي طريقة في الأداء تستكشف مناطق جديدة في الكتابة والاقتراب من ثقافة الآخر، من خلال حشد عدد هائل من الوسائل الفنية المتناقضة التي يكون الهدف منها في الأساس التودد إلى المتفرج لكي يكون مشاركا في العمل الدرامي.
وعلى حد تعبير بيتر بروك “المشكلة ترجع مرة أخرى إلى المتفرج: “هل يود أن تغيير في شروطه؟ هل يود أن يغير شيئا في نفسه في حياته؟ في مجتمعه؟، إنه بحاجة إلى الأثر الذي يخدش، وإلى أن يبقى هذا الأثر ولا يزول”
وإذا كان المسرح ـ عبر تاريخه الطويل ـ قد أعتمد على عنصرين فنيين في التجديد هما تنوع طرق الأداء التعبيري وعملية التلقي المتصاعد من قبل الجمهور مما نتج عنه سقوط الحواجز في علاقة تبادلية أنتجت أنساقا جديدة تعتمد على مسرحة فضاءات جامدة مهملة لم تكن مستخدمة من قبل في العرض المسرحي من أجل تثوير الوعي الغائب وإعطائه إمكانيات للحضور لم يأخذها في فترات سابقة، مع تكثيف الجانب الهامشي وإدخاله في متن العمل الفني لتصل في النهاية هذه العملية إلى المراوحة بين ما يريده الضمير الجمعي والوعي بآليات الفن، وتأتي هذه المراوحة من خلال كسر الثنائية المركزية للنص “الكلام والجسد” وهي ثنائية كانت تعطي للنص المكتوب الأولوية الأولى نظرا لأن المسرح ـ عرف منذ نشأته ـ بأنه “فن تقديس الكلمة”، وكان الفعل الحركي/ الجسد ـ رغم أهميته في إنتاج الدلالة هامشيا ومحفوفا بالمخاطر، وإن عُبر عنه ـ كما في المسرح التجاري ـ على سبيل المثال ـ كأداة للعرض والاستهلاك، وهو مفهوم ظهر منذ بداية السبعينيات نظرا لسيادة الثقافة الاستهلاكية وتغليب كل ما هو مادي وتغييب كل ما هو قيمي وروحي، ومن هنا أصبح الجسد الاستهلاكي بطلا لكثير من العروض.
وقد بات أمرا ملحا إيجاد علاقة توافقية تعبر عن المسكوت عنه في هذه الجدلية الشائكة، مع المحاولة بالخروج بالجسد من دائرة الاستهلاك إلى دائرة الأداء الحركي المعبر عن عذابات الإنسان المعاصر ضد قوى الهيمنة الخارجية وسطوة الآخر، من أجل إيجاد مساحة للذات أن تبوح بمكنوناتها. وأصبح تفتيت النص مقابل تكامل الدلالة هو الأهم في إنتاج مسرح بديل مختلف يتحرر من مركزية التقنية الفنية ليطرح أشكالا مغايرة تتضافر فيها أطروحات سياسية واجتماعية ووجودية.
جماعة المسرح الحر
وإذا كانت فكرة المسرح الحر قد بدأت في مصر مواكبة لثورة يوليو 1952 كنتاج طبيعي للتغييرات الهيكلية في بنية المجتمع المصري، فقد تكونت أول فرقة في سبتمبر 1952 وهي “فرقة المسرح الحر” التي أسسها مجموعة من خريجي معهد الفنون المسرحية كان من بينهم “سعد أردش وإبراهيم سكر وكمال ياسين وعبدالمنعم مدبولي وصلاح منصور وتوفيق الدقن وزكريا سليمان وغيرهم” بعد أن رفضت الفرقة القومية أفكارهم الجديدة نتيجة سيطرة الفكر الفني الكلاسيكي على معظم أعضائها في ذلك الوقت.
وقد ذهبت الفرقة إلى تقديم عدة أعمال اتسمت بالوطنيةـ في البدايةـ مثل “الأرض الثائرة”، و”الرضا السامي” عام 1953، وفي محاولة منها لاستلهام مفردات الواقع الاجتماعي في مصر قدمت عدة مسرحيات اجتماعية تختلف في أدائها عن الميلودراما التي روجت لها الفرقة القومية وبعض الفرق المسرحية الخاصة آنذاك.
كانت تلك المحاولات إيذانا وتمهيدا لميلاد حركة مسرحية جديدة مغايرة ظهرت نتائجها بعد ذلك في الستينيات التي أرى أنها أعلى فترات إنتاج النص المسرحي في تاريخ المسرح المصري عامة بداية من مسرحيات الفصل الواحد التي كتبها نعمان عاشور مثل “عفاريت الجبانة” و”صوت مصر” لألفريد فرج و”معركة بورسعيد” لعبدالرحمن خليل، ثم المسرحية السياسية والاجتماعية التي برع فيها يوسف إدريس وميخائيل رومان ومحمود دياب ولطفي الخولي، والمسرح الشعري عند صلاح عبد الصبور وعبدالرحمن الشرقاوي ونجيب سرور وإن جاء عند الأولين مستمدا جذوره من التراث الإسلامي والصوفي، وعند الأخير من الموروث الشعبي.
وكانت هذه المحاولات خروجا عن المعيار الكلاسيكي الذي أرسته “الفرقة القومية المصرية للتمثيل” التي تأسست عام 1935 ـ وكانت أول فرقة تدعمها الدولة ـ وكان أول عروضها مسرحية “أهل الكهف” لتوفيق الحكيم، وقد لاقت عروضها استحسانا من كبار المثقفين أمثال طه حسين، وجاء هدفها الأساسي إعلاء لشأن النص المكتوب على حساب فنون الأداء حيث جعلت من النص مطلقا لا يجب المساس به، في مقابل تهميش الفعل المسرحي وجعله نسبيا.
وقد عانى فن التمثيل المسرحي في مصر ـ على حد تعبير د. نهاد صليحة ـ وخاصة في حالة المرأة من هذه “الشيزوفرينية” إلى فن المسرح فتحول التمثيل المحترم أو “الجاد” إلى نوع من الخطابة، وكان على الممثلة المحترمة أن تلتزم بشفرة تعبير جسدي محدودة ومقيدة ساهمت في فرضها طبيعة الأدوار المفروضة عليها، والتي كانت تختزلها في العادة إلى فكرة أو رمز أو نمط اجتماعي.
وقد ظلت فكرة “المسرح المحترم” مرتبطة بمنظومة أخلاقية ذكورية النزعة، أخذت بالأداء المسرحي إلى حالة من الإقصاء الفني، مما أوجد فنونا بديلة أوجدت مجالات إبداعية لإخراج الطاقة الجسدية للمرأة مثل الرقص الشرقي، كبديل غير موضوعي على اعتبار أن الراقصة في الكباريه في ذلك الوقت ـ كانت رمزا للخلاعة والجون.
وهذه النظرة ـ غير العادلة ـ هي بنت النظرية الأرسطية الكلاسيكية التي ترى المرأة كشخصية درامية، بأنها من ضمن “فئة تابعة متدنية”، وقد أخذ المسرح العربي في بدايته بتلابيب تلك الثقافة الأبوية الجاحدة التي ترى العالم بعين واحدة، والتي تكرس للسلطة الماضوية على الحاضر وهي بنية لا تاريخية تناهض التغيير على حد تعبير عابد الجابري، ولعل تضافر بعض الظروف السياسية والثقافية هي ما حولت تلك النظرة، ووسعت من قماشة التلقي والحرية على خشبة المسرح مع ثورة يوليو وهي كما يراها الناقد فاروق عبدالقادر في كتابه “ازدهار وسقوط المسرح المصري” “تلك السماحة التي ميّزت النظام الناصري في سنواته الأولى، والطابع التقدمي العام الذي طبَعَ الثقافة المصرية حتى أوائل الستينيات”.
ثقافة الاستهلاك
وقد انطفأت جذوة المسرح المصري خلال حقبة السبعينيات كما انطفأت فنون كثيرة نظرا لما أسلفنا ذكره عن سيادة ثقافة الاستهلاك وتحول الدولة من النمط الاشتراكي إلى النمط الرأسمالي الذي يعلي من قيمة الفرد مقابل تهميش الجماعة، مما جعل كثير من الكتّاب يلوذون بالصمت والعزلة حتى الموت كما حدث لمحمود دياب أو الاغتراب والسفر خارج البلاد كما حدث لنجيب سرور، أو التحول إلى فن كتابي آخر مثل يوسف إدريس الذي تحوّل إلى كتابة القصة والمقال الصحفي هاجرا الكتابة المسرحية إلى الأبد.
وقد جاء هذا الانحسار نتيجة لانحسار المد الثوري مقابل تنامي ثقافة الميكروباص والمسرح التجاري التي جاءت لتضخ تيارات من العبثية والعدمية كرد فعل لهزيمة يونيو 1967، وعلى فرض أن هذه التيارات قدمت فنا ما فإنه كان محكوما ـ في الأساس ـ بمنطق البيع والشراء، فلم يعد المسرح خدمة فنية وثقافية تهتم بالوعي بقدر تحوله إلى سلعة.
فرقة سعد الدين وهبة والمسرح الوثائقي
في الليلة الأخيرة من احتفالية كبيرة استمرت عشرة أيام للاحتفاء وتكريم الكاتب والمناضل سعد الدين وهبة بالنادي الثقافي بالمعادي وبعد أن قدمت فرقة لهواة المسرح خمس مسرحيات من مسرحياته، أعلن الدكتور يسري العزب والفنانة سميحة أيوب عن قيام فرقة سعد الدين وهبة في 24 يوليو 1997.
ومنذ هذه اللحظة بدأت الفرقة في بلورة أهدافها التي تتمثل في إقامة عروض تكشف قضايا شائكة وتناقش المسكوت عنه في الفكر والثقافة والسياسة وتتبنى فكرة إقامة مهرجان سنوي معني بالهموم العامة.
كانت مسرحية “رصاصة في العقل” باكورة إنتاج الفرقة والتي تتناول حياة المفكر المستنير د. فرج فودة الذي راح شهيدا برصاصات الإرهاب المتأسلم وكشفت المسرحية عن زيف الفكر المتأسلم وهشاشته ويكفي أن عنصر الكوميديا في العرض الذي أضحك الناس كان عبارة عن مقاطع حقيقية من كلمات أو بيانات أو كتابات هذه الجماعة.
ولم يمر العرض في صمت إعلامي بل أشارت عدة قنوات لهذا العرض وعرضت معظمه قناة النيل الثقافية وكتبت مقالات عن العرض في صحف “الأهالي، كايرو تايمز، وطني” وغيرها وكانت بطولة العرض للفنانين الشباب: عادل مبروك، صفاء المهدي، الشيماء سمير، محمود مهدي، وإسماعيل جمال.
حرية الفكر
وكان العرض الثاني للفرقة هو مسرحية “سكلانس” عن مأساة الدكتور نصر حامد أبو زيد وقصة صراعه مع هذا التيار والذي انتهى بنفيه من البلاد بعد حكم المحكمة بالتفريق بينه وبين زوجته د. ابتهال يونس للردة، وكان هذا العرض أكثر وثائقية من العرض السابق حيث اعتمد المؤلف والمخرج أشرف أبو جليل على كل ما كتب حول القضية والذي وصل إلى 24 كتابًا وأكثر من 500 مقال صحفي وعرضت المسرحية في يوليو 2000 برعاية جمعية التنوير والمدهش أن العراق الفكري والثقافي انتقل من خشبة المسرح إلى الجمهور الذي أيد نصفه موقف نصر والنصف الآخر أيد موقف الأصوليين حتى نهاية المسرحية التي انتصر فيها موقف نصر حامد أبو زيد وزوجته.
مسافر ليل
وفي محاولة لكسر حالة الوثائقية التي تسير عليها الفرقة وبعد انتقادات خاصة بتغليب المضمون على الشكل قدم عرض “مسافر ليل” تأليف صلاح عبد الصبور برؤية فنية جديدة خاصة وأنها قدمت في سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر 2001 وفي أتون الانشغال بأحداث سبتمبر فقدمت عامل التذاكر في المسرحية باعتباره معبرا عن الشر الأمريكي وفاز هذا العرض بالجائزة الأولى تمثيل والجائزتين الثانيتين في أفضل العروض وأفضل إخراج في مهرجان سمنود وجائزة العرض الثاني في مهرجان شبرا الخيمة لنفس العام، وقدمت المسرحية في مهرجان الجيزة المسرحي وفي النادي الثقافي بالمعادي لعدة ليال وأخيرا في دار الأوبرا المصرية في احتفالية المجلس الأعلى للثقافة بصلاح عبدالصبور باعتباره مؤلف النص.
وقد قام بإخراج العرض محيي لغا وقام ببطولته أشرف أبو جليل ومحمد العبد ومحمد خليفة.
سيدي المنصوري
واستعدادا لاحتفالات مصر بثورة يوليو قدمت الفرقة مسرحية “مدد يا سيدي المنصوري” في عودة منها إلى المسرح الوثائقي وقد تناول العرض سيرة رائد الفكر الاشتراكي محمد حسنين المنصوري باعتباره صاحب أول كتاب علمي عن الاشتراكية في العالم العربي عام 1915 والذي فصل عن عمله ونفي إلى منفى اختياري في إحدى قرى الفيوم والتي أقام فيها ـ حسب رؤية مؤلف العرض ـ دولته الاشتراكية، وبعد الثورة تأكدت الجماهير من صدق ما كان يقوله لهم قبل الثورة وإمكانية تحقيقه، وفي السبعينيات يحدث الانقلاب على المنجز الاشتراكي فيحول التيار الإسلامي والسلطة “المنصوري” إلى ولي من أولياء الله الصالحين فقد تنبأ للناس ببعض الإنجازات وجاءت الثورة وحققتها للجماهير، ولكن طاهر وسناء المثقفان المعاصران يصران على كشف ما لحق بالمنصوري من خرافات ويذهبان لقريته التي عاش فيها ويواجهان رجال الدين الذين روجوا هذا الكلام فيتضح لهما الموقف في النهاية بأنهم فعلوا ذلك عن عمد لصرف الناس عن فكر المنصوري الاشتراكي وربطهم بالدين وبالجماعات الإسلامية، وقدمت الفرقة هذا العرض في مهرجان سعد وهبة بمناسبة اليوبيل الذهبي لثورة يوليو ومهرجان شبرا الخيمة المسرحي وخمس ليال في معرض القاهرة الدولي للكتاب من إخراج محمد خليفة وبطولة صفاء عبدالباقي، وأمل طلعت، وأشرف أبو جليل، وفاطمة علي ومحمد العبد، ونهاد شوقي.
وفي عام 2002 قدمت الفرقة عرضا وثائقيا جديدا عن قضية الجندي سليمان خاطر بعنوان “حديث سليمان” وهو عبارة عن نص شعري حداثي للشاعر حلمي سالم من ديون “سيرة بيروت” تم تضفيره مع نص التحقيقات العسكرية لقضية سليمان خاطر في مقاطع للراوي مأخوذة من أشعار الشاعر الكبير عبد الرحمن الأنبودي، وقد أشاد كثير من النقاد بهذا المزج ودقته، يقول سليمان خاطر في القصيدة: “سأسمي العابر سيرة أجيالي واسمي الوطن جنوني، فيسأله المحقق: هل سبق لك أن أصبت بمرض نفسي أو عصبي؟ فيجيب الراوي” تعالى أقولك بس خليك شهم وأسمع لظرف المعاني الحلوة يا مسكين.. عالمنا ده اللي عشقناه وهم، أنا وأنت طلعنا عيانين”.
لم تكتف الفرقة بهذا بل أقامت معرضًا وثائقيًا ضم جميع ما كتب عن سليمان خاطر في الصحف المصرية وكانت تقوم بتعليق المعرض أمام صالة العرض في شبرا الخيمة وسمنود، وميت غمر والمعادي ومعرض الكتاب فكان يؤدي إلى حالة تلق جيدة للعرض وفاز بجائزة أحسن عرض وأحسن ممثل وثاني إخراج في مهرجان سمنود المسرحي وقد قام ببطولة العرض أحمد مهدي وفاطمة علي وحسن المكاوي وإخراج أشرف أبو جليل.
وفي عام 2003 قدمت الفرقة عرض “الملثمون” وهو أول عرض يتناول الداخل الفلسطيني بما فيه من مقاومة وخيانة وحياد من خلال نماذج لثلاثة أخوة أحدهم خائن والآخر مناضل بالسلاح في إحدى الخلايا والثالث فتاة محايدة وفي الوقت الذي اكتشف فيه المناضل خيانة أخيه وجاء لتصفيته جسديا كان الخائن قد اتفق مع آخر أن يحضر الجيش الإسرائيلي لتصفية أخيه جسديا، فنحن ـ إذن ـ أمام عنصرين يشتعل بينهما موقف درامي بينما تقف الأخت الصغرى تحاول أن تبقى على أخويها دون قتل ولكنها تنحاز لفعل المقاومة في النهاية.
الجديد في هذا العرض هو استخدام الفن التشكيلي كسينوغرافيا تتشكل من خلال الفتاة التي ترسم لوحة طوال العرض تجسد ما يدور من صراع بين الأخوين ومع انتهاء المسرحية تنتهي اللوحة التشكيلية، وقد عرضت المسرحية في المعادي وسمنود وزفتي وميت غمر وفازت الفنانة نجلاء اليماني بجوائز خاصة في التمثيل في كل المهرجانات، كما فاز الفنان محمد خليفة بالجائزة الأولى في التمثيل في سمنود.
ونستطيع أن نقول إنه من خلال هذا العرض أصبحت هناك بعض السمات للفرقة وهي: أولا الاعتماد على أقل عدد من الممثلين مع تجويد أدائهم يتراوح من 3 على 5 ورغم قلة العدد تحصد الفرقة سنويا جوائز التمثيل في مهرجانات الهواة.
أما الملمح الثاني فيتمثل في فقر الديكور والإكسسوار فالفرقة تحمل ديكوراتها في يدها وهي ذاهبة إلى مهرجانات الأقاليم لعدم وجود ميزانية لا لصناعة الديكور أو لنقله.
والملح الثالث يتمثل في أن الفرقة تميل حتى الآن إلى العروض الوثائقية باعتبار أن الوثيقة من أكثر الأدوات الفنية إدهاشا في ظل الواقع المتردي.
فرقة الأراجوز المصري: الحرية واكتشاف العابر
تكونت فرقة الأراجوز المصري عام 1991 بغرض تحديث الحدوتة التراثية لفن الأراجوز وتقديمه على المسرح باستخدام عناصر التمثيل المتعارف عليها ممزوجة باستخدام الدمى والأقنعة. مثل “عرائس القفاز”، باعتبار أن الأراجوز كفن شعبي يهتم أكثر من غيره بمناقشة القضايا الاجتماعية ـ رغم عدم وجود نص مكتوب تتم من خلاله عملية توثيق لهذا الفن الرفيع، وإن وجدت تجارب توثيقية فهي لفنون موازية له مثل “خيال الظل” كتمثيليات “ابن دانيال” التي جمعها مخطوط تراثي شهير، وربما يرجع غياب هذا الجانب التوثيقي لفكرة الأراجوز نظرا لأن الحواديت تورث من لاعبيه بشكل أقرب إلى الشفاهية، وربما يعد هذا السبب عائقا في تطوير الفكرة ذاتها.
أما عن فكرة تحريك العرائش فهناك أدلة كثيرة على وجودها في مصر القديمة والدليل على ذلك وجود عروسة بخيط من أسفل هي “عروسة العجان” الموجودة بمتحف “اللوفر” بفرنسا.
أما الأراجوز فرغم الاختلافات العلمية الكثيرة حول مكان نشأته إلا أن كثيرا من الدراسات أكدت أن كلمة “أراجوز” مشتقة من كلمة “قراقوز” التركية وتعني العين السوداء، أو “الميدان الكبير” وبعض الدراسات تشير إلى أنها تحريف لاسم الحاكم الظالم “قراقوش” ومن هنا تبرز أهمية طبيعته الساخرة والمفارقة.
***
أما عن الإطار التنظيمي لفرقة “الأراجوز المصري” فقد قام بتأسيسها كل من ناصر عبد التواب وعماد عبد العليم، وحمدي القليوبي، ومحمد منير، وسعيد عبد التواب وصلاح محمود، ومحمد مبارك، وعلاء عيد.
وقد جاء عرضها الأول “المواطن مصري” 1991 من إعداد وإخراج ناصر عبد التواب معتمدا على “حدوتة الأراجوز والجزار” من خلال المزج بين التمثيل البشري والتمثيل العرائسي “التحبيظ” القائم على “التشخيص داخل التشخيص” بمناقشة قضية مهمة وهي وضعية المثقف في المجتمع ـ الآن ـ من خلال شخصية “الأراجوز المثقف” المهموم بقضايا الوطن من خلال استخدام تقنيات سينمائية مثل عرض شريط من فيلم “الناصر صلاح الدين” إخراج يوسف شاهين، حيث ينشغل الأراجوز بسؤال مهم يتردد في ثنايا الحدث الدرامي للفيلم وهو “كيف حال العرب يا حسام؟” وفي تلك الأثناء يبرز دور الزوجة والتي يحاول “الجزار” أن يساومها على شرفها فيسألها قائلا: “ما حالك يا كشكشويوز” وهو اسم الأراجوزة وحين تحكي له كيف أن الجزار حاول معاكستها أكثر من مرة، يصيح الأراجوز قائلا: “لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم”.
فتقول له: خدله سكينة معاك؟
فيرد عليها بهدوء: لا.. أنا ها أناقشه.
وهنا تكمن عقدة النص المسرحي من خلال هذا السؤال الوجودي عميق المغزى، ومتشعب الدلالة الراصد لحال المثقفين القابعين في دائرة التنظير دون الخروج إلى دائرة الفعل والتنفيذ.
أما العرض الثاني فقدمت من خلاله الفرقة الجزء الثاني من “المواطن مصري”، تأليف محمد منير وإخراج ناصر عبد التواب وتدور أحداثه حول فرقة مسرحية، قرر أحد ممثليها في إحدى ليالي العرض ترك المسرح الذي رأى أنه “مسرح سري” لا يهم الناس العاديين
وقد ناقش العرض– في إطار كوميدي ساخر- عدة قضايا مهمة منها قضية “الحرية” الفردية في ظل واقع مادي متغير، وقد بدأت أحداثه بطرح قضية خلافية تطرأ بين الأراجوز وحماته يكون من نتيجتها وقوع معركة بينهما فينزل ليحضر عصاه فيكتشف أنها مكسورة لأنه نسى للحظة أنه أراجوز، وعاش طيلة حياته على مبدأ “العيش جنب الحيط” مؤثرا السلامة، وهنا تكتشف الحماة ضعف الأراجوز فتقرر طرده بعد أن ضربته ضربا مبرحا وخلعت لسانه، وهي عملية ذات بعد تراثي عميق الدلالة، فاللسان يمثل قيمة الأمانة، على اعتبار أن لسان الأراجوز ينطق بحال الناس
وحين يخرج للحياة بطبيعة بشرية توهم أنه في حرية، وفي تلك الأثناء يصطدم بالممثل الذي خرج في بداية العرض ليتلاقيا في توجيه النظر إلى السماء، ويدخل عليهما أحد ممثلي الفرقة فيجدهما يرددان كلمة “حرية” فيؤكد لهما أنهما لو ملكا قرارهما فإنهما بذلك يكونان قد امتلكا ناصية “الحرية”.
كما ناقش العرض عدة قضايا اجتماعية مثل الفساد، وطرح ذلك عبر عدة مشاهد منها مشهد ذهاب الأراجوز إلى هيئة الإسكان الشعبي في مشهد به كثير من المفارقة الدرامية بعد أن هدم منزله ليأخذ كشكا لإيوائه هو وأسرته فيفاجأ بأنه لا يحصل عليه، وإنما تأخذه امرأة قامت بعلاقة غير شريفة مع الموظف المختص.
وكذلك مشهد كوميدي آخر حين يخرج الأراجوز للتنزه مع زوجته على الكورنيش فيحتضنها فيقبض عليه بدعوى أن هذا فعل فاضح في الطريق العام ويندمج الممثل الذي يقوم بدور الضابط فينزل إلى صالة العرض سائلا الجمهور “أين بطاقاتكم” ـ ويظل الاندماج حتى ينبهه زملاؤه الممثلون على خشبة المسرح صائحين فيه “حرية.. حرية”، ونظرا لأنه سلطوي يكره هذه الكلمة يقوم بمطاردتهم، فيتركوا المسرح خاليا مثلما بدأوا.
وهذه الفكرة قائمة على ما يسمى بـ”مسرح الساعة” أو “مسرح الشوك” الذي ظهر في لبنان عام 1966.
أما العرض الثالث “وشك للحيط”، ناقش فكرة تحول الزمن والتغييرات الاجتماعية من خلال نص مسرحي يدور حول صاحب “عربة الأراجوز” الذي يكتشف أن الأراجوز في هذا الزمن قد فقد أهميته فقرر أن يستبدل به افتتاح شركة لإنتاج الكاسيت، واستحضر لذلك مجموعة من مطربي “الميكروباص”.
وجاء العرض الرابع “الأرشفجي” لصلاح عبد السيد، وهو نص كلاسيكي واقعي من خلال طرح شخصية “الأرشفجي” وعمل ربط لها مع شخصية الأراجوز فهو موظف مطحون يسكن غرفة موحشة رطبة ما يؤدي به في النهاية للإصابة بانسداد في الشعب الهوائية، وتأتي “الكحة” المصاحبة لأداء الممثل ما هي إلا اعتراض منه على الأشياء التي يرفضها.
وقد قامت الحبكة الدرامية على تيمة “الحلم” الذي يجاذبه طرف كابوسي لمناقشة قضية “الفساد الوظيفي” بإبراز شخصية “النمس باشا” الموظف الكبير المرتشي الذي يستغل موقعه الوظيفي في إبرام صفقات مشبوهة مع العملاء.
وقدمت الفرقة بعد ذلك “دراما شعرية من أشعار فؤاد حداد” تحت عنوان “التسالي بالمزاج والقهر” إعداد الشاعر سيد سلامة.
ثم قدمت بعد ذلك مجموعة من عروض تنتمي لمسرح الطفل لها طابع تعليمي مثل مسرحية “الكتاب صديقي” والتي قدمت في شكل المسرح الغنائي للتأكيد على أهمية القراءة في نهضة المجتمع.
أما عرض “رحلة ورد” فيدور حول فكرة الصراع بين الخير والشر، بين التسامح والكره،وقدم العرض على خشبة مسرح قصر ثقافة عمال شبرا الخيمة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق