EBE_Auto_Loan

نواصل نشر رواية بورفؤاد 1973

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

360

 

نواصل نشر رواية بورفؤاد 1973

الروائية الكبيرة

الدكتورة/ جمال حسان

——————————————————–

 

الفصل الرابع

الإسكندرية…التدريب فى صمت.

فى أول يناير 72 حصل يسرى على رتبة نقيب وعمره 24 سنة ونصف.

فى الإسبوع الأخير من يناير إنتقلت الكتيبة بكاملها إلى إنشاص لمعسكر تدريب مركز. إنتقلت بعدها إلى حلوان لدورة مكثفة على كيفية إستخدام أجهزة الرؤية الليلية للأسلحة الصغيرة قبل أن تعود للغاسولة فى مارس.

فى نهاية مارس إلتحق بكتيبته التى إنتقلت لمنطقة العامرية فى لإسكندرية حيث تم ضمها على المجموعة 128 صاعقة.

إلتقى يسرى مع الأقارب والأصدقاء من مرحلة دراسته السابقة فى كلية العلوم. كان عليه أن يدبر إقامته حيث كانت الإسكندرية فى نظامها كالمنطقة المركزية أى أن الضباط ينزلون مبيت بعد الظهر فيما عدا أيام النوبتجيات.

بعد حركة تنقلات فى يناير 73  إنتقل لمسكن جديد فى سيدى بشر مع أحد ضباط السرية م.أ. إسماعيل مدبولى.

فى السرية الجديدة كانوا ثلاثة: م.أ. مهاب عيسى(أقدم ضابط بعد يسرى) ، م.أ.إسماعيل مدبولى ثم أحدثهم فى التخرج م. محمود كساب.

فى مارس 73 صدرت الأوامر للكتيبة بالتحرك لمنطقة القصاصين والإنضمام على مجموعة صاعقة آخرى مع ترك سرية من الكتيبة فى العامرية. وكانت هى سرية يسرى.

فى اليوم التالى لصدور الأمر20\3\73 جاءت الأوامر ليسرى أن يذهب لمقابلة كل من العميد أ.ح. قائد لواء مشاة 135( يعمل حاليا فى قطاع بورفؤاد) والمقدم أ.ح. قائد كتيبة 535 مشاة (إحدى كتائب اللواء) فى أحد نوادى الضباط بالإسكندرية.

كانوا فى ملابسهم المدنية وطلبوا منه بعض اليوميات وبيانات خاصة عن السرية من حيث الأفراد والتسليح والإمكانيات….إلخ.

علم منهم أن سريته مستبقاه فى العامرية لأنه سيتم إلحاقها على بورفؤاد للعمل مع اللواء135 مشاة.

إتصل يسرى برائد -أحد ضباط فرع العمليات فى المجموعة 128- وباللواء أ.ح. رئيس أركان المنطقة الشمالية العسكرية وإستأذن فى تسليم البيانات المطلوبة.

بعد عودته للسكن قضى المساء مع إسماعيل لمشاهدة ماتش نادى الأولمبى مع نادى الإتحاد لتكريم اللاعب بدوى عبد الفتاح.

 أجهزوا على  2 كيلو ونصف يوسف أفندى وإستمعوا لأغنية ليلة حب لأم كلثوم وتكلموا عن التفاصيل التى طلبها قائد لواء المشاة وإحتمالات الحرب هذا العام.

سأل إسماعيل ممازحا – لو رجعت بك الأيام كنت برضه تدخل الحربية؟

– ماإنت عارف أنا قدمت فيها مرتين…يعنى مع سبق الإصرار والترصد. غالبا موضوع الحربية ده إترسم فى دماغى وأنا فى ثانوى. حصص التربية العسكرية وزى الفتوة وكانت مدرستنا محظوظة بمعلمين مجموعة من ضباط الصف متطوعين من القوات المسلحة. كان فى ناس منهم برتبة صاغ أو بكباشى وكلهم إهتموا بنا جدا وبتدربنا وإنضباطنا. حاجة فعلا جد فوق الوصف. وأنا فى تانية ثانوى رحت معسكر تدريب مع  مجموعة من الطلبة هنا فى إسكندرية. وفى سنة ثالثة كنت ماسك قيادة 8 فصول السنة الثانية وكنت سعيد قوى بكل الإحترام ومسئولية الإنضباط. العيال يشوفونى قليل فى جسمى كده إنما عارفين إزاى أسيطر على الكل تمام التمام. كانت أيام حلوة بشكل.  صدقنى.

–  طبعا الأيام الحلوة دى وصلتك هنا. لكن الأسرة…يعنى أقصد ماما وبابا….كانوا موافقين ومبسوطين من الحربية دى؟

– الحكاية إن عندنا فى الأسرة ضباط كتير جيش وشرطة من سنين وسنين …حاجة عادية. لكن إزاى أنا أقنعت أمى ده موضوع يطول شرحه.

جلس كل منهما تجاه الآخر صامتا لحظات، حتى سأل يسرى

– وإنت ياإسماعيل…لو رجعت بك الأيام كنت برضه تدخل الحربية؟

– شوف ياصاحبى…أنا حبى الأول كان البحرية قوى…الدنيا فيها طراوة ومناظر أحلى وسفر ودنيا واسعة…إنما كل شئ نصيب. مكتوب لى أشوفك ونسكن سوا ونتفرج على الماتش سوا ويمكن بعد الحرب تقدر تقنعنى بالجواز من بنت حلوة بنت ناس طيبين لو تعرف حد.

– إنت غيرت رأيك وإلا إيه؟…إنت يابنى كل يوم فى حال. ماترسى لك على برعلشان أفهم وأعرف أتكلم معاك.

– إيه المانع…مالدنيا كل يوم فى حال. إحتمال كبير أنى أعقل بعد الحرب  وأخاف على روحى أكثر.

فى اليوم التالى، بعد ساعات عمل طويلة، ذهبا فى المساء لحضور فرح أحد أقرباء جندى فى السرية قرب محطة الرمل وضحكوا كثيرا مع المعازيم والأصدقاء من قلوبهم.

بعد شهر صدرت الأوامر للسرية بالتحرك لابى قير والتمركز فى معسكر بجوار رعاية الشباب تمهيدا لدورة تدريب فى لواء الوحدات البحرية الخاصة (الصاعقة البحرية، الضفادع البشرية) على الإبحار بقوارب الزودياك وبعض الموضوعات الآخرى.

إنضمت على السرية فى المعسكر مجموعات آخرى للتدريب. منها فصيلة صواريخ م ء فهد 20 فرد بقيادة م. عادل أمين من المظلات، طاقم إدارة نيران مدفعية 130مم 3 أفراد بقيادة م.أ.إحتياط عماد الشوادفى من قطاع بورسعيد، طاقم إدارة نيران مدفعية 122 مم 3 أفراد بقيادة م.أ.إحتياط حازم سليمان من اللواء 135 مشاه ، جماعة مهندسين عسكريين 8 أفراد من المجموعة 128 صاعقة، 2 طاقم هاون 60مم وطاقم هاون82مم من المجموعة 129  صاعقة 9 أفراد وجماعة مهندسين عسكريين 8 أفراد من المجموعة 129 صاعقة.

إستمرت التدريبات المشتركة حتى نهاية إبريل 73. حتى صدرات الأوامر للسرية بالتحرك إلى بورفؤاد والإنضمام لكتيبة 535 مشاة.

فى ساعات الصباح الأولى كان قائد لواء المشاة فى إنتظارهم على المعدية فى بورسعيد حتى تم تسكينهم مؤقتا فى بورفؤاد.

كل يوم يذهب أفراد السرية يوميا للغاسولة للتدريب على الإبرار البحرى وأعمال الكمائن وموضوعات آخرى ويعودون لمواقعهم فى المساء.

فى الإسبوع الأول من مايو نزل يسرى فى إجازة يحتفل مع أسرته بعيد ميلاده26. ثم خرج  فى جولته المعتادة فى زيارات للأقارب والأصدقاء والمعارف.

كانت آخر المحطات التى توقف فيها زيارة  لبيت خالته الوحيدة والتى تكبره ببضعة أعوام.

وجد نفسه فى مأزق.

حاول أن ينصت لثرثرة خالته وزوجها بين ضجيج الصغار بعقل مشتت وعينين قلقتين. إنتابه إحساس محير وتلك الفتاة التى لتوها جاءت فى زيارة غير مرتبة تربك كيانه.

إحساس محير ومثير للخوف.

بدت فى عفويتها وضحكاتها أشبه بإنبثاق البرق الذى يتوهج لحظة قصيرة فى سماء مشبعة بهواء خماسينى ثقيل.

الآن!

فى هذه الآيام!

تساءل وقلبه يدق بعنف بعد نظرة عابرة إلى عينيها السواديين.

فيض براءة يسيل فى وجها الخمرى ويحتفى بقدها الرشيق. فيما بعد علم أنها تجاوزت السابعة عشربشهر واحد.

هل هذا وقته!؟

لماذا الآن؟

كيف يترك قلبه ليجرفه تيار غيرمأمون إلى حيث لايعرف؟ وهو لايملك مسئولية نفسه.

وقفت نادية ويداها الصغيرتان تزيحان خصلات شعرها الأسود الغزير

– ضرورى أمشى بسرعة…عندى مذاكرة كتير مكومة وربنا يستر.

سألت خالته وهى تضغط على مخارج الكلام – باقى لك كام يوم على بداية إمتحاناتك ياقمر؟

 – بدأنا خلاص ياسوسو…إنت مش شايفة حالى و منظرى الملخبط. عن إذنكم. ضرورى أرجع البيت حالا وإلا ماما تفتح لى مناحة وإنت أكثر العارفين بالست ماما لما تحطنى فى دماغها. قال يعنى ماوراهاش غيرى.

حدس قلبه فى تلك اللحظة وهو بين الشك والتمنى بأنها غادرت لتهرب بنفسها من لحظة فرحة حقيقية ضمتهما دون أى ترتيب.

كما إستخلص بوعيه المركز وقراءة ملامحها المراوغة وهى تعد سوسو (إبنة عمها) بزيارات أكثر حالما تنتهى من إختبارات النقل للسنة الثالثة الثانوية.

 وكأنما إرتد بسرعة -غصبا عنه- لدوامة الأوامر والتدريبات والداوريات والأهداف والسرية المطلقة فى تنفيذ المهمات وعبء الرجال المنهكين العالقين بين المواقع والروح المعنوية التى تعلو وتهبط مع إستمرار الحرب وأتون الجبهة وجهامة الموت لسنوات لايعلم مداها إلا الله.

سمع خالته تسأل وهى ترفع أكواب الشاى – إنت مش ناوى تتجوز بقى يايسرى؟

عندما عاد إلى موقعه فى اليوم التالى كان ضائقا بنفسه.

لاحظ زميله مهاب صمته الغريب وهما يتناولان ماأحضره يسرى من مأكولات لذيذة من مطبخ أمه.

سأل – شكلك متغير… ياترى فى حاجة ضايقتك فى الأجازة؟

– أبدا. شفت ناس كتير منهم خالتى وأسرتها. وكمان قابلت بنت جميلة.

– ها ها…. كده أنا فهمت…والكلام يطول ويحلو. مين هى؟

– من الأسرة وأعرفها لكن دى أول مرة أنتبه إنهاحلوة بالشكل ده و رقيقة قوى زى النسمة.

إبتسم مهاب – طيب …إيه المشكلة؟  قصيدة سريعة وأغنيتين وكام كلمة فى الطايرونخلص؟ عادى. ياما بنشوف بنات.

 صمت يسرى وتشاغل بصدر حمامة محشية بالفريك.

مال مهاب نحوه ممازحا – معقول يعنى دور جد وحب!؟

 – حب إيه بس؟ طيب فهمنى إنت. لو بسلامتك عارف تسلك فى الحكاية بتاعتك.  بتلف وتدور حوالين نفسك من سنة. يعنى…الموضوع  ده ممكن يتعبنى وأنا مش ناقص مسئولية اليومين دول بصراحة. أنا مش عاوز أصلا أفكر فى أى إرتباط.

– خلينا نفكر وندبر وبكره نصبح على واجب عمليات….صح؟

– مليون صح.

من الصعب معرفة مادار بخاطر يسرى تلك الليلة حتى أنه عقد العزم أن يفاتح والديه فى الموضوع فى أول فرصة.

فى أجازته التالية سأل أمه عن رأيها فى نادية.

قاطعته ضاحكة – ماهو ده إللى كنت عاوزة أتكلم معاك فيه.

– يبقى أكيد خالتى مشغولة بالموضوع ومابطلتش رغى من ساعة ماكنت عندها. شكلها كان بيدبر خطة.

– خلاص. سيبنى أكلم بابا ونفاتح عمى فى الموضوع وربنا يقدم إللى فيه الخير.

جاءه الرد فى رسالة من والديه بعد أسبوع. لقد وافق العم مبدئيا بشرط أن لاتعرف نادية أى شئ عن الحكاية مطلقا حتى تنتهى من إمتحانات نهاية العام وبعدين نرتب سوا.

ضحك بصوت عال فى تلك الليلة فإقترب منه إسماعيل مستغربا – إللهم إجعله خير.

– طبعا مش هاتصدق؟

– هه…قول.

– نويت أتأهل. أبوها وافق.

-وإيه بس إللى خلاك تغير وجهة نظرك وتورط قلبك ياصاحبى … إحنا محتاجينك وبالك رايق ومركز معانا اليومين دول.

– سيبك من ليه وتعال نحتفل سوا بالقرار الخطير ده فى إسكندرية فى أجازة طيارى لو قدرنا نترك مهاب لوحده يوم أو إتنين.

كان إسماعيل من أقرب الرفاق لقلب يسرى منذ أقاما سويا فى منذ مطلع العام فى سيدى بشر. أكثر مايميزه ذلك القوام الممتلئ يزينه رأس شامخ كسهم يوشك على الإنطلاق ووجه  أبيض كبير التقاطيع مشوب بحمرة وروح وثابة تعشق الحياة. بعد ساعات التدريب الشاق يستمعان لأغانى الست أو يطرب لأشعار يسرى أو يطوفان بباقى الشلة فى الأزاريطة والحضرة وجليم على عشاء كباب أو ورق لحم بالبطاطس طازة من الفرن القريب أو طبق بليلة فاخر ب25 قرش من عربة عم صابر فى شارع بيلوز بالإبراهيمية بجانب عربات الممثلين ينتظرون مثلهما البليلة عند الفجربعد نهاية أدوارهم  فى المسرح .

لحظات لاتنسى حين أضناهما الشوق للبهجة رغم السر الجاثم بأن حياة كل منهما ماهى إلا لحظة.

فى الإسبوع التالى دخل يسرى مستشفى بورسعيد لإزالة كيس دهنى من عينه. وهو خارج من المبنى يتأبط ذراع إسماعيل لمح صديقه القديم أحمد راضى الذى هرع نحوه – خير…حصل إيه؟…فين؟ …إزاى؟

إندمج إسماعيل معهما فى الحديث وتعالت الضحكات.

 هتف أحمد – والله زمان ياكابتن…فين من أواخر 72 . دى الحاجة والناس كلها لسه فى رأس البر وأنا بس إللى رجعت لشغلى فى الهيئة.

قال يسرى – من فضلك وصل سلام مخصوص للحاجة.

– أكيد. حضراتكم بقى ضرورى تيجوا تشرفونى فى البيت ولى عليكم صينية سمك وجمبرى ماحصلتش. قصدى لما تسمح ظروفكم طبعا.

إنتهز يسرى أيام النقاهة التى تلت العملية فى عينه وإستقل الأتوبيس مع عم شوقى ونزل فى عزبة البرج. ركب اللنش إلى رأس البر وذهب لزيارة الحاجة.

تلقفته بالأحضان وأصرت أن يتناول الإفطار معهم وعزمته على فرح إبن شقيقها بعد أسابيع.

كانت مفاجأة.

عندما سنحت الفرصة ووصل يسرى لمكان العشة مرتديا ملابسه المدنية وجد نفسه وجها لوجه مع اللواء قائد قطاع بورسعيد بقوامه الرياضى وحضوره الطاغى وكان بدوره معزوما مثله. تبادلا التحية وووقفا لإلتقاط الصور مع الآخرين الذين وصلت فرحتهم أقصاها لحضور  هذا القائد  بشخصيتة المميزة وتاريخه المعروف كحاكم عسكرى لقطاع غزة عقب حرب يونيو67.

لبعض من الوقت، كف يسرى عن مراجعة نفسه فى قرار الخطوبة.

هذا نصيبه وهو سعيد به. لاداعى لإستباق الأحداث على أى مستوى.

كل شئ حدث بالصدفة ومن الممكن أن يفرح مثل لأخرين ولاداعى للقلق أو الخوف. الأعمار بيد الله فى كل الظروف.

  والآن بعد أن توافقت الأسرة على ميعاد للخطوبة، فقد عقد النية أن يقترب من عالم خطيبته بسرعة كلما سنحت ظروف الأجازات. أوحى لأخته التى تقارب نادية فى العمر أن تصحبه فى زيارة عادية جدا ووعدها بمكافأة.

ردت معترضة – أسفة ياأبيه.إلعب غيرها. أنا وعدت صاحبتى عائشة نخرج سوا ونزور كل معالم القاهرة الأثرية فى الأيام الجاية. خسارة.

سأل مستخفا – ماإنت تقدرى تشوفى صاحبتك على راحتك بعد ماتخلص أجازتى.

– ماينفعش أبدا. صاحبتى دى من السعودية وجاية هى وأسرتها فى زيارة وأنا فعلا رتبت معاها قبل مايوصلوا للقاهرة.

أردفت وهى تبتسم بخبث – ماتيجى نعزم ناديه معانا ونروح مع عائشة وأهلها وتبقى شلة كبيرة.

– أنا كده مش ممكن أستفيد.

– لو وافقت تساعدنى فى ترتيب زيارة صاحبتى هاأرتب موضوعك بأسلوبى.

إنبسطت أساريره وإتفقا.

ذهب معها إلى صديقتها التى تعمل مدرسة وجاءت مع حوالى 20 فردا من أبناء عمومتها شبابا وفتيات حيث إستأجروا 3 شقق مفروشة لقضاء الأجازة. البنات رقيقات خجولات لكن  تخففن ورفعن النقاب على نحو يوحى بتبادل الثقة بينهم.

قضي مع فوج أصدقاء وصديقات أخته وقتا –نادرا مايتاح له- من برج الجزيرة إلى أهرامات الجيزة حتى سهرة فى قهوة الفيشاوى بالحسين.

فى المساء إستقبلتهم نادية على وجهها إبتسامة ماكرة. تحولت عن عينيه العسليتين بسرعة تتظاهر بمتابعة تمثيلية الفراشة فى سهرة التلفزيون.

بعد ساندويتشات العشاء سمعته فى هدوء يخاطب أباها – عندك مانع ياعمى نادية وسلوى يخرجوا بكره معنا نروح سينما؟

فى اليوم التالى حجز يسرى تذاكر بسينما رمسيس لمشاهدة فيلم مال ونساء وبنون.

فى المساء وبعد الفيلم قطعوا الطريق سيرا على الأقدام حتى منزلها.

هتفت على إنفراد بلهجة لاتخل من حدة – أنا متضايقة وزعلانة منك تكلم بابا وتتفقوا وأنا آخر من يعلم.

إبتسم متشجعا – دى كانت رغبة بابا لكن أنا عارف كويس إن أهم حاجة فى الحكاية هو إنت ونفسى نقدر نشوف بعض أكثر ونتفاهم قبل أى خطوة.

تورد وجهها وقالت بنبرة عتاب – كويس إنك عارف.

ندت عنه ضحكة وسأل بجذل صبيانى – لكن مين إللى خرق الحظر وأذاع كلامى مع بابا؟

– بنت عمى.

– مين ….خالتى سوسو؟

– لأ. بنت عمى الكبير توتى.

إمتد ضحكهما وحديثهما حتى ساعات الفجر فى البلكونة الواسعة بفرحة الإتفاق على ثرثرة مفتوحة كمدخل للإكتشاف والتلاقى.

دخل والدها عليهما فى السابعة مندهشا زاجرا – إنتم مجانين…لسه صاحيين؟!

غمغم يسرى بكلمات قصيرة بأنه سينصرف حالا لكن نادية سرعان ماإمتصت نظرات أبيها المحتجة – أعمل لحضرتك شاى يابابا؟

– وساندوتشات إفطار لى ويسرى من فضلك.

إبتسمت.

تابع – قولى لماما تعمل حسابه النهارده يتعشى معانا.

ثم موجها كلامه ليسرى –إذا كان وقتك يسمح.

– متشكر.

فى المساء إجتمعت الأسرة وجاء عدد من الأقارب وبقوا حتى الرابعة صباحا يشاهدون حفلة أضواء المدينة غنى فيها طلال مداح ، وردة الجزائرية وعدد كبير من مطربى البلدان العربية.

مال عليها هامسا مازحا – كل ماأكون قاعد معاكى ألاقى الوقت يطير بطريقة مزعجة.

إنتبهت أمها فأشارت لها – كفاية سهر…يالا قومى نامى عندك درس موسيقى الصبح…فاكرة؟

قام معتذرا- عن إذنكم. تصبحوا على خير.

راحت تعاتب أمها بصوت خافت – وبعدين معاكى….كنت عاوزة أكلمه عن نوع الدبل وشكلها.

– إنت صغيرة على الكلام ده. كفاية تذاكرى وتنجحى فى إمتحاناتك.

إحتجت – ماما…بلاش من الموضوع كله. إيه رأيك؟ تحبى أقول له الكلمتين دول والإ بابا يقوم بالمهمة دى تستريحى؟

فى نهاية أجازته التالية، فى جلسة عائلية تماما ألبسها الدبلة وسط زغاريد البنات والأمهات.

فى أول أسبوع من أغسطس 73 فى طريق عودته من الأجازة علم أن سريته تحركت من بورفؤاد للغاسولة تمهيدا للتحرك إلى الإسكندرية لدورة تالية من التدريب.

تحرك أفراد السرية بالعربات فى الخامسة عصرا من الغاسولة مرورا بدمياط – المنصورة – المحلة الكبرى – طنطا – الإسكندرية ثم لأبى قير فى الثالثة صباحا. ونام الجميع فى العربات من شدة التعب.

فى صباح اليوم التالى توجه يسرى إلى لواء الوحدات البحرية الخاصة وقابل قائد اللواء ثم المسئول عن العوامات السريعة وقطاع الضفادع البشرية ثم رئيس أركان المنطقة الشمالية فى معسكر مصطفى كامل ثم رئيس فرع الإمداد والتموين لتدبير معسكر لسريته وإحتياجاتها الإدارية العاجلة خلال فترة التدريب.

عرف أن معسكرهم القديم بأبى قير مشغول بمجموعة آخرى من ضباط ومعلمى مدرسة الصاعقة فى فرقة تدريب.

أخذ سريته وأقاموا مؤقتا فى العامرية حتى تم تدبير معسكر آخر فى أبى قير بعد 4 أيام.

همس ملازم محمود كساب – إيه إللى بيحصل …. كل رجال الصاعقة  فى إسكندرية؟ حاجة غريبة فعلا؟ إيه الموضوع …حد يفهمنى؟

 كانوا جالسين فى إحدى خيام المعسكر.

هتف إسماعيل – عادى… كل سنة وأنتم طيبين بمناسبة هجوم  كتائب الصاعقة على إسكندرية. عاوزين نتعشى لحمة وفته بيتى عندكم ياحضرة الملازم.

رد كساب – إشمعنى؟!

– إنت الوحيد فينا إللى إسكندرانى وواجب طبعا نعمل كبسة غلاسة على أم حضرتك ينوبها ثواب فينا.

– صعب. أنا افضل تعمل الدوشة والهمبكة بتاعتك إياها بعيد عنها.

– ياراجل يابخيل!….طيب أنا نفسى فى المانجا؟ دى اليومين دول حلاوتها فوق الوصف.

غمغم يسرى وهو يقاوم فى خياله صفوف أصص المانجو فى بلكونة بيتهم ترعاها أمه بنفسها على مدار السنة – خليك فى المانجة لوالموضوع حبك معاك.

تابع بضيق –  أنا هلكان و محتاج نوم بدرى الليلة. من بكره هانبدأ خطوات التنسيق مع قيادة لواء البحرية الخاصة بخصوص بدء التدريب.

أردف إسماعيل متصنعا الجد – بيقولوا إن المانجة أفضل علاج للإرهاق ووجع القلب.

سأل كساب – إزاى يعنى؟

– دى وصفة سمعت عنها للناس إللى بتحب جديد.

هتف يسرى – ياسلام….! علشان أكون صادق قدامكم. أنا متعلق بها وعاوز اشوفها.

إنفجروا ضاحكين.

بعد إسبوعين إختطف يسرى 24 ساعة أجازة ليرى خطيبته.

كانت فى البلكونه بإنتظاره شبه غاضبه لأنه تأخر.

قالت بعتاب – عارف الساعة كام؟

تظاهر بالمرح ونظر فى ساعة يده – ياه….دى حوالى 11 .

بادرت محتجة – أنا كنت هاأتقمص وأعمل زعلانة لأنى واقفة هنا من ثلاث ساعات.

مد يده ولمس كتفها ضاحكا – وأنا جيت على طول فى أجازة 24 ساعة ومارحتش بيتنا. يعنى جاى علشانك.

إبتسمت معتذرة – ماإنت عارف ماما صعبة معايا وواقفة لى على الواحدة.

فى مساء اليوم التالى ركب قطار ديزل\مجرى عائدا للإسكندرية فى التاسعة. كان مستغرقا تمام الإستغراق فيما داربينه وبين ناديه. من حقها أن تتذمر وليس من حقى أن أغضب منها أو أحزن. ربما لوعرفت مايدور فى هذه الحرب اللعينة لتركتنى بكل بساطة وإرتياح. إسماعيل على حق. حلم قصير فى وسط الكابوس لايفيد. حتى فى المدى القصير.

إنتبه للراكب الذى حل بجواره قبل أن ينطلق القطار.

الممثل يوسف شعبان بلحمه ودمه.

مد يده مصافحا – إيه الصدفة الجميلة دى!؟ كده أجازتى القصيرة أحلى كتير.

إبتسم الممثل الوسيم – أنا كمان فى رحلة قصيرة للإستجمام .3 أيام … تقدر تقول هربان من تصوير فيلم طال أكتر من اللزوم.

سأل يسرى – فيلم عاطفى؟

– شوية عاطفى شوية أكشن…يعنى.

سأل بعد قليل – أنت رايح إسكندرية برضه هربان من الشغل؟

رد يسرى باسما فى خبث – حاجة زى كده.

إستمرت خطة التدريب المكثفة بالإشتراك مع قطاعات المنطقة الشمالية فى إنتظار أوامر بعودة السرية إلى بورسعيد فى أى لحظة.

 جاءت الأوامر بإيقاف تدريب السرية مؤقتا وبناء عليه  قرر يسرى منح جنوده (من الصعايدة) أجازة.  فتقريبا لم يغادروا الإسكندرية منذ أكثر من شهر ولاأحد يعرف ماذا تخبئه الأيام.

بعد عودة زملائه من الضباط نزل فى أجازة ولاحظ أن الطريق كان مغلقا فى أجزاء منه وإنتظر طويلا. همس لنفسه ” فى حاجة غير عاديه فى الجو…غالبا حرب”

مساء الأربعاء 26 سبتمبر73  كانت رؤية هلال رمضان وبقى عند خطيبته حتى وقت السحور. كان قلقا ومتوترا. أرجع ذلك لتوقفه عن التدخين منذ أسابيع.

بدت نادية كالفراشة فى فستان أزرق سماوى كشف عن قدها الرشيق وتأملها طويلا لعله يهتدى إلى السر الذى يجذبه إليها رغم كثرة البنات العالقات به منذ وقت الجامعة بالإسكندرية.

 نذرالحرب التى تحوم فى الأفق لاتغيب عنه رغم طقوس الحياة العادية التى تحتضنه ويتشبث بها.

فى مساء اليوم التالى تشاجر معها وعنفها بدون داع لأنها قصت شعرها الطويل ثم أعتذر. ردت له بعتاب حار بأنه قام بتغيير تسريحة شعره من الخلف إلى الجنب مرة آخرى دون إستشارتها.

ضحكا معا.

 بقى لتناول طعام الإفطار وخرجا للتمشى على كورنيش النيل محتضنا كفها الصغيرة. شعر بسعادة غريبة وغامضة فى نفس اللحظة يرهقه السؤال: هل أراها ثانية؟

عادا للمنزل وإستسمح والدها بأن يأخذها للحسين وأمضيا بعض الوقت على قهوة الفيشاوى. كانت المنطقة شديدة الإزدحام وتقابل معهما زميله إسماعيل وسهروا حتى الثالثة. كانا مستعدين تماما لعاصفة تأنيب غاضبة من أبويها لكن ربنا ستر.

قضى ماتبقى من الليل مع والديه وإخواته على أصوات تواشيح وقرآن الفجروفى خاطره أنه يودعهم جميعا فى رحاب شهر كريم.

عاد لسريته فى اليوم التالى وتحرك الجميع عائدين إلى بورسعيد. عرف بأنباء إستدعاء الكثير من الإحتياط.

فى يوم الجمعة 28\9\73 خطب الرئيس السادات فى ذكرى وفاة الرئيس عبد الناصرخطابا قويا به دلالات وإشارات ذات مغزى.

فى بورسعيد أول أكتوبر كان واضحا أن الأمر هذه المرة جد مختلف.

 لقد رفعت درجة الإستعداد للحالة القصوى.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق