EBE_Auto_Loan

نواصل نشر رواية بورفؤاد 1973..الروائية الكبيرة…الدكتورة/ جمال حسان

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

281

الفصل الخامس …بلنصات سفارى فى البحر المتوسط

———————————–

كانت مهمة المجموعة الأولى من سرية الصاعقة والوحدات الداعمة لها أن تقوم بالإبرار البحرى شرق نقطة العدو الحصينة بقطع بورفؤاد على ساحل البحر الأبيض المتوسط.

يتم ذلك بواسطة 2 بلنص صيد سمك ومعها 8 قوارب صغيرة لتساعد على الوصول للشاطئ وذلك على مسافة حوالى 7 كم شرق نقطة العدو.

والهدف هو منع إحتياطيات العدو من التقدم من جهة الشرق لتدعيم أو معاونة أو نجدة تلك النقطة حين تهاجمها قواتنا للإستيلاء عليها.

ثم تتمسك بالأرض حتى يتم دفع مفرزة من كتيبة 535مشاة تتصل بها و تحل محلها. عندئذ تنسحب وتعمل كإحتياطى لقطاع بورفؤاد.

كان رجال المجموعة الأولى هم 6 ضباط ؛ 3 من ضباط الصاعقة، 2 من المدفعية ، وقائد فصيلة صواريخ مضادة للدبابات بالإضافة إلى 80 مقاتل.

أما المجموعة الثانية من السرية فضمت 17 مقاتل صاعقة بقيادة النقيب مهاب عيسى. وتحددت لها مهمة منفصلة حيث تتحرك سيرا فى الملاحات من جنوب النقطة القوية للعدو وتلتف حولها لعمل كمين شرق النقطة بمسافة 2 كم للقضاء على قوات العدو التى تحاول الإنسحاب أو الهرب بعد مهاجمتها بواسطة كتيبة 535 مشاة.

فى صباح السبت 6 أكتوبر كانت الشمس كعادتها تتسكع فوق مياه البحر تلاغيه بأشواق محب غارق لأذنيه متلهفا للقاء حميم.

إنتبهت.

بدون شك تلمح حركة دائبة على رصيف الميناء تتخللها صيحات ممازحة وضحكات قصيرة. ربما مجموعة من الشباب فى طريقهم لرحلة سفارى أو تصوير فيلم فى عرض البحر المتوسط.

إستخفها الفرح وإبتسمت.

وقف الضباط بين جنودهم يتحركون بحساب ويتأكدون من صناديق العتاد  من ذخائر ومعدات ضرورية للعمل خلف خطوط العدو.

تسابق الرجال فى تنفيذ الأوامر بحماس يخالطه الزهو والفخار.

تم تحميل البلنصات بالتالى: 4 قواعد إطلاق للقواذف الصاروخية ،32 صاروخ ، 3 هاون و 10 صناديق ذخيرة متنوعة لها، 4 أجهزة لاسلكية وزن كل منها 12 كم وأيضا 20 لغم أرضى مضاد للدبابات يزن كل منها حوالى 7 كم.

كما حمل أفراد البنادق 300 طلقة لكل بندقية وأفراد الرشاشات 1000 طلقة للرشاش وأفراد آربى جى والفرد المساعد به 10 دانات.

ثم كان على كل فرد أن يحمل شدته الميدانية وبها بعض الأدوات الضرورية وشكائر الخيش الفارغة وأدوات الحفر وتعيين طوارئ يكفى لمدة 24 ساعة و2 زمزمية مياه ومهمات الوقاية الكيماوية.

وروعى توزيع الذخائر والألغام وذخائر الهاون على الأفراد بالتساوى كى يتمكن الجميع من التحرك فى نفس الوقت.

فى حدود العاشرة صباحا تم تحميل البلنصات والتتميم على إستعداد الفلايك وأفرادها. كان هناك شخصين لكل فلوكة بمجاديفهم وتم ربط كل 4 فلايك فى كل بلنص بأحبال طويلة.

همس ملازم أول إسماعيل لقائده – منظر البلنصات والصيادين والذخيرة على بعض حاجة كوميدى خالص. كان إيه ضرورة تدريب الزودياك؟

– مفيش قدامنا سكة تانية….دايما الحاجة أم الإختراع.

– سيناريو غريب .ضرورى يتكتب.

– بالضبط….ده إللى إحنا بنعمله.

– قصدى فيلم للسينما…لكن طبعا ناقص بنت سنيورة تولع الشاشة  وتصحصح المتفرجين.

– إتفقنا. لما نرجع نطلع إسكندرية سوا وتتجلى وتساعدنى فى الكتابة….تمام.

– تمام.

جلس الصيادون والمقاتلون على رصيف الميناء فى إنتظار الأمر بالركوب والإبحار.

فى حوالى الثانية عشرة ونصف الساعة حضر ضابط العمليات من قيادة قطاع بورسعيد وطلب من يسرى تحميل الأفراد فى البلنصات.

أصدر يسرى الأوامر لقادة الفصائل ببدء التحميل كالخطة الموضوعة. الذخيرة والمعدات فى قاع البلنصات ثم تغطية السطح بشباك الصيد فى الأماكن التى تحتاج تمويه.

الرجال كتلة واحدة وقلب واحد ينبض بإصرار مدهش وأمل راسخ ودعاء متصل لخالقهم أن يرعاهم ويسدد خطاهم. هاقد صقلتهم المعايشة الطويلة والتدريب الشاق ليلا ونهارا فى خدمة هدف واحد فأحالتهم إلى جسد واحد. كل فرد متفهم تماما للآخر بجواره ينبهه وقت اللزوم ويحافظ عليه من الخطر.

اليوم هو العاشر من رمضان وبعض الرجال صائمون رغم المشقة.

أبلغهم قائدهم بفتوى الشيخ الذى يعمل باللواء مع إدارة الشئون المعنوية وسمعوا ذلك بنفسهم فى خطبة الجمعة بالأمس عن جواز إفطارهم.

بعد أن تأكد يسرى من تمام تحميل الأفراد، إستدار نحو مندوب القيادة.

أدى التحية العسكرية – تمام ياأفندم. الداورية جاهزة للتحرك.

شد على يده بقوة – بالتوفيق إنشاء الله وأنتم على قدر المسئولية فى تنفيذ مهمتكم.

رد قائد الداورية بثقة – ربنا يوفقنا جميعا ياأفندم بأمر الواجب والوطن.

لوح لهم – ربنا معاكم.

كلاهما يعلم أن هذه الداورية ستقوم بمهمة إنتحارية على المحور الساحلى. ونجاحها سيدعم موقف كتيبة مشاة 535 فى مهمتها بالإستيلاء على النقطة القوية (تسمى بالإسم الرمزى بودابست) بدون تدخل من العدو.

كانت الساعة قد بلغت الواحدة والنصف حين تحركت البلنصات فى إتجاه مدخل القناة شمالا خارج بوغاز بورسعيد.

إتخذ المقاتلون أماكنهم على سطح كل بلنص يرقبون معالم المدينة الماثلة فى خيال كل منهم. تاريخ حى، سطوره سنوات نضجهم ورجولتهم بحلوها ومرها.

إختفى مبنى الجمرك والميناء الفسيح عن مرمى البصر. جزء من بلد إسمها مصر يحبها أبناؤها إلى حد الموت رغم كل ماتقذفة نحوهم الحياة والظروف من قسوة ومعاناة.

عدد محدود من الرجال إعتلى أماكن المراقبة بنظارات الميدان وآخرون من آفراد آربى جى تمركزوا بالمقدمة والمؤخرة للتأمين. نزل الباقون  إلى الثلاجات كما الأوامر حتى لايظهروا على السطح بهذا العدد الكبير.

قائد الداورية فى سفينة القيادة ومعه إثنين من الضباط و40 فرد وريس البلنصات.

فى السفينة الثانية م.أ.إسماعيل مدبولى(أقدم ضابط بعد القائد) ومعه إثنين من الضباط وباقى الأفراد.

تمايلت السفينتان يمنة ويسرة وهما تشقان طريقهما لمسافة 2كم داخل عباب البحر الللانهائى. إرتفعت الأمواج تضربهما بعنف فسال الهواء برذاد كثيف يلطم الوجوه والشباك.

وقف يسرى يراقب ماحوله بنظارة الميدان. الخطة والتفاصيل واضحة فى ذهنه والحرب فعل يتحقق فى اللحظات والساعات القادمة. لقد تدرب ورجاله طويلا ويثق فى قدراتهم.

لكن التدريب شئ والقتال شئ آخر. أكثر قسوة ورهن واقع متغير.

بعد قليل، عليهم أن يتجهوا يمينا لجهة الشمال الشرقى تدريجيا لمسافة حوالى 15 كم قبل أن ينحرفوا لجهة اليمين جنوبا مرة آخرى فى إتجاه الشاطئ خلف نقطة العدو. كأنهم بذلك، يرسمون نصف دائرة بخط سير البلنصات قطرها هو شاطئ البحر.

نظر إلى الفلايك التى يجروها خلفهم بالحبال ووجد أنها منخفضة كثيرا عن سطح البلنصات بما لايقل عن مترين أو ثلاثة. أدرك بسرعة مدى صعوبة تنزيل حمولة البلنصات إلى الفلايك عند الوصول لمنطقة الإبرار.

لقد كان التحميل شاقا لكثرة مامعهم من ذخيرة وعتاد رغم أنهم كانوا على الشاطئ.  فكيف يتم إنزال كل ذلك إلى الفلايك وهى تتحرك وتهتز بفعل الأمواج؟

والأفراد بالطبع. فى كل فلوكة سيتم تحميل 11 فرد.

يارب أنت المعين. دبرها ويسرها. حساباتنا شئ أما قدرنا اليوم وكل يوم فبين يديك.

بدا مستغرقا فى التفكير وكأنه يبحث عن شئ بعينه.

إقترب منه م.أ. حازم سليمان ضابط الإحتياط ومسئول المدفعية122مم وكان على مقربة – خير ياأفندم….بتفكرفى إيه؟

رد بصوت خفيض – باأفكر فى المهمة ياحازم. وإحتمال يكون للعدو فى اللحظة دى أفراد على الشاطئ وبالتالى يكون موقفنا ووصولنا لمكان الكمين صعب. بل فى منتهى الصعوبة وتنتهى مهمتنا قبل مانبدأ

– تتصورده إحتمال؟

– طبعا إحتمال وارد والمهم نفكر ونبقى مستعدين.

لفت نظر حازم الطاقية الكروشيه التى وضعها يسرى على رأسه بمجرد صعوده إلى البلنص بدلا من الخوذة. لقد رأى يسرى يرتديها من قبل فى الخنادق وتعارف الجنود بأنها طاقية العمليات. مال عليه يتأمل تطريزها البديع من خيوط الحرير والقطن بألوان الأزرق والروز واللبنى.

ضحك مداعبا وهو يغمز ناحية الدبلة فى إصبع يسرى – بتدفى الدماغ …صح!؟

– أنا بأتفاءل بها. من شغل أختى….أهدتها لى فى عيد ميلاى.

بعد قليل صاح أحد الجنود – إجمعوا يارجاله هنا فى المنتصف….القائد عاوز يكلمنا.

تلكأ جندى أحمد الدواش مساعد آربى جى حيث يجلس قرب المؤخرة وغمغم – شوية راحة ياناس…الرحمة حلوة…دماغى بتلف مع الميه.

لكزه عريف ناجى تادرس ضارب آربى جى – إتحرك بلاش لماضة…إنت فاكرنا بنتفسح مثلا.

رمقه الدواش حانقا- تعرف لو غمضت عينى دقيقتين بس هاأقوم زى الحصان .

توقف الهمس وإنتبه الرجال حول قائدهم الذى هتف – الساعة الآن واحدة وخمس وثلاثون دقيقة.

رد أحدهم – مضبوط ياأفندم. وهز عدد آخر رؤوسهم موافقين بينما أخرون يلقون نظرة على ساعة يدهم للتأكد.

تابع بحزم – وقت الإنتظار خلص وساعة الصفر وصلت. بعد نصف ساعة من الآن هاتبدأ قواتنا الجوية فى عبورخطوط العدو الأمامية وتنفذ ضربة جوية ضد أهدافهم فى سيناء. وبعدين المدفعية تشتغل على جبهة القناة وتحت تأمين نيراننا تعدى جماعات الصاعقة وفرق المشاه وباقى القوات بدأا من الساعة إتنين وتلت.

شخصت عيون الرجال نحو قائدهم بمزيج من الدهشة وعدم التصديق لهذا التحديد الدقيق عن المعارك وأتون القتال الوشيك. أمسكوا بأنفاسهم حتى لايفوتهم شاردة.

هل جاءت اللحظة!؟

حقا!؟

بعد كل تلك السنين بما فيها من غضب ومرارة وصبر!؟

صاح يسرى – أظن إنه معروف وواضح أننا رايحين نحارب ونحارب عدونا لآخر نفس فينا.

ساد الصمت تماما ، بدا واضحا أن وقع المفاجأة أربكهم قليلا وعقد ألسنتهم.

تساءل متصنعا الدهشة –  إيه مخضوضين!؟ معقول!؟ عاوزين تقولوا إيه يارجاله….فيكم حد خايف؟

إعتدل الرجال فى وقفتهم وإنطلقت حناجرهم فى صيحة واحدة – لأ ياأفندم.

تابع  قائد الداورية – فى أى فرد عنده تساؤلات؟

هتف رقيب طبى حامد يحيى – هى مفاجأة إن قواتنا تعبر فى عز النهاروإحتمالات الخطر طبعا أكثر.

قاطعه يسرى – بالتأكيد هاتكون مفاجأة لعدونا لوحده. إحنا إتدربنا وإستعدينا وخططنا وحددنا بدأ العمليات.

قال آخر – إحنا إتعودنا نبدأ عمليات مع آخر ضوء أو أول ضوء.

رد القائد – صحيح إتعودنا زى مابتقول وده معناه إننا نقدر ننفذ فى أى وقت وتحت أى ظروف. بعد شوية نتحرك من البلنصات للفلايك ونوصل لموقعنا. بكده تكونوا ياأبطال من الناس القليلين أللى إتحركوا للمعركة فى أول طلعة. مستعدين يارجاله؟

صاحوا فى نفس واحد – مستعدين ياأفندم.

هتف جندى أحمد عيد مسئول الإتصالات مشبكا قبضتيه أمام صدره – الله أكبر….ألله أكبر…الله أكبر. ربنا ينصرنا نصرة قوية ويدمر عدونا ويعمى عينيهم عننا.

تعلقت عيون الرجال بقائدهم وطاقيته الملونة وهو يقول بنبرة حاسمة –

كل فرد منا عارف دوره زى أصابع إيديه. من اللحظة دى قدامنا فكرة واحدة…مهمة واحدة إتدربنا عليها وشربناها فى قلوبنا ليل ونهار. رايحين نحارب ونثبت أننا رجالة ونقطع إيد أى جبان يجرؤ على تراب البلد. هانحاصر  نقطة العدو ونمنع إمداداته لحد ماتقع. دى فرصتنا ومافيش قدامنا غير إننا نحارب وننتصر.

صاح فى ثبات من يعلم ردهم – رجال صاعقة جاهزين؟

إهتز الفضاء بصرختهم – جاهزين ياأفندم

– مستعدين للموت علشان مصر تتحرر وتعيش بكرامة؟

– مستعدين ياأفندم.

تمعن وجوههم  راضيا – أنا واثق من إيمانكم بالمسئولية وكفاءتكم وإصراركم. من الآن إحنا فى ساحة قتال .إنصرفوا دلوقت وكونوا مستعدين جاهزين نقوم بالواجب وربنا معانا.

السماء حولهم فسيحة، صافية، شفافة الزرقة ترافق الأمواج التى تتصرف بعصبية زائدة فتهتز البلنصات بشدة فى عرض البحر.

قبض كل فرد على شدته وسلاحه وإلتصق بخشب البلنص وحمولته. وربما دخل فى إتصال شخصى تلقائى مع الخالق الذى يسمع ويرى ويشهد على نقاء ضمائرهم فى تلك اللحظة الملغمة بالموت ولاشئ آخر. تم تأجيل الأحلام الخاصة فى طيات قلوبهم الغضة إلى أجل لايعرفه أحد رغم أن أكبرهم سنا لم يتجاوز السابعة والعشرين.

بدأت العجلة تدور فى عنف.

هاهم فى المقدمة فى خضم أتون القتال والفداء يندفعون نحو الهدف ولن تقف عقبة فى طريقهم مهما كانت.

حل صمت مهيب يقطعه بلل الأمواج وعنف خبطها حولهم.

فى السفينة الثانية التى تسير بمحاذاة سفينة القيادة إلى الخلف قليلا وقف ملازم أول إسماعيل يبلغ رجاله بكل التفاصيل وتوقيتات المعركة.

بقى الرجال يحدقون فى وجهه الذى لوحته الشمس فإستطرد بنبرة مشاغبة – شايفين البحر حلو إزاى؟

إرتبكوا بين الضحك والجد.

تابع مبتسما – فى إحتمال يكون العدو عامل لنا إستقبال بسرب من أسماك القرش فى البحر وطبعا إنتم طعمكم وحش ومقرف قوى قوى ؟

علا ضحكهم فوق صوت الأمواج وبدا كأنهم ثلة مغامرين تعودوا إقتحام المجهول فى طلعات سفارى فى أعالى البحار. لقد وجدوا مخرجا مؤقتا للضحك من ماهو قادم.

وجه حديثه إلى الرقيب عبد الكريم عربى – طبعا إنت الوحيد إللى ممكن القرش يحبه لأنك عريس وواخد بالك من روحك.

إحتج الرقيب – مش قوى يأفندم ..قدامى كام شهرفى أقساط الجمعية.

– طيب… سددت إللى عليك؟

– طبعا ياأفندم. ماعنديش ديون الحمد لله.

عقب جندى حسن علوان – كلنا بالنا هايروق وندخل دنيا بعد مانخلص على ولاد الأبالسة دول ياأفندم.

شد ملازم أول إسماعيل قامته فجأة وصاح – وحوش صاعقة فين؟

إنتفض الرجال وهم يتبادلون نظرات حذرة – هنا ياافندم.

هتف الضابط فى إهتمام – إنتم متأكدين؟

صاحوا فى نفس واحد – متأكدين ياأفندم.

كانت النقطة التى ستتمركز خلفها الداورية عبارة عن دائرة كبيرة يرتفع على أجنابها ساتر ترابى بإرتفاع حوالى 10 أمتار تقريبا. وتقع على الشريط الساحلى الممتد شرقا (من بورفؤاد وحتى قرب رمانة لمسافة حوالى 25 كم تقريبا).

هذا الشريط الساحلى محصور بين البحر المتوسط شمالا ومنطقة ملاحات جنوبا بعرض يتراوح من 300-500 متر تقريبا فى بعض المناطق.

المعلومات المتوفرة لدى قواتنا تقول أن النقطة تحتوى على دشم حصينة للأفراد وللدبابات وملاجئ مدعمة ومصاطب للدبابات مرتفعة فوق الساتر الترابى بالإضافة لمزاغل للرشاشات المتوسطة فى جميع الإتجاهات.

ترتكز نقطة العدو شمالا على البحر المتوسط وجنوبا على الملاحات وغربا على الشريط الساحلى بينها وبين الحد الأمامى لقواتنا وشرقا على الشريط الساحلى فى إتجاه العريش.

كان معروفا أن العدو قد أنشأ طريقا من الأسفلت يصلح لسير جميع أنواع العربات الميكانيكية بعد هزيمة يونيو ليصل النقطة بالعريش. كما قام بتجريف رمال الشريط الساحلى من ناحية قواتنا لرفع الساتر الترابى حول النقطة.

وترتب على ذلك أن المنطقة العازلة بين النقطة والحد الأمامى لقواتنا (حوالى 2كم) تصبح شبه مغمورة بمياه البحر والملاحات خصوصا فى أوقات المد.

كما كان معروفا لدى قواتنا أن الساتر الترابى الرملى حول النقطة من جهة الشمال والجنوب يصنع ميلا حادا مباشرا يصل من أعلى الساتر حتى مياه البحر ومياه الملاحات.

فى تمام الساعة الثانية وخمس دقائق إنتبه العالم يرهف السمع للأنباء التى ترد من الشرق الأوسط.

فى نفس اللحظة عبرت طائرات سوريا ومصر خطوط المواجهة مع إسرائيل.

على الجبهة المصرية عبرت قناة السويس من إتجاهات مختلفة 250 طائرة مقاتلة قاذفة إلى عمق سيناء لتوجيه ضربة جوية مركزة ضد مواقع رئيسية لقوات العدو.

فى وقت واحد صبت النيران على ثلاث قواعد جوية وعشرة مواقع صواريخ هوك وثلاث مراكز قيادة وعدد من محطات الرادار ومرابض المدفعية بعيدة المدى وبعض النقط القوية.

وفى ذات اللحظة ،إنطلقت نيران أكثر من 2000 مدفع من كافة الأعيرة بالإضافة للواء صواريخ تكتيكية أرض\أرض.

تحت ستر نيران المدفعية والضرب المباشر المحكم التصويب -على دشم العدو وأهدافه المنظورة- من الدبابات  والمدافع المضادة للدبابات والصواريخ عبرت مفارز من وحدات الصاعقة وعناصر الإستطلاع بالقوارب المطاطية.

هاقد بدأت ملحمة عبور كبوة يونيو.

وسط تسارع الأحداث وإشتعال الجبهة المصرية،  تعلقت عيون رجال المراقبة فوق البلنصات بالسماء وأصوات إنفجارات من جهة الشرق.

فى تمام الساعة الثانية وخمس دقائق حلقت فوق رءوسهم طائراتنا من طراز ميج 17 وميج 21 متجهة من الغرب للشرق فى إتجاه خط بارليف ونقطة شرق بورفؤاد.

صاح جندى مراقبة بحماس – طيراننا بيشتغل…الله أكبر؟

شاهد الرجال أسراب الطائرات على إرتفاع منخفض يندفع تباعا إلى يسار البلنصات.

هلل بعضهم –الله أكبر…الله أكبر.

سرعان ماظهرت طائرات العدو فى السماء تلاحق الميج. ودارات على مقربة منهم معارك رهيبة بالغة الشراسة فوق البحر المتوسط فى إتجاه سيناء. إستمر إشتباك الطائرات والميج تناور فى براعة …تقصف وتهرب عائدة نحو الخطوط المصرية.

هاهى الطائرات تتصارع كالوحوش الكاسرة فوق رءوسهم ولامنقذ من الهلاك إلا الله.

برزت عيون البعض فى محاجرها وخاصة الصيادين وهم يحدقون فى صفحة السماء المشتعلة.

الساعة جاوزت الثالثة بقليل ولاحظ قائد الداورية أن بعض الأفراد سادهم الوجوم من جراء المعركة الدائرة حولهم.

خلع طاقيته وإستبدلها بالخوذة. جمع الرجال حوله فى منتصف السفينة.

تأملهم مليا.

هذا إبن طنطا وهذا من دمياط والسنبلاوين وكمشيش وأجا وبلقاس ومشتول السوق وإسكندرية والمحلة الكبرى وسمنود وجهينة الغربية سوهاج وكوم حماده وأسيوط غرب البلد ورشيد ودكرنس وبورسعيد وكفر الشيخ والقليوبية والأقصر وأشمون وأبو تيج وأسوان.

إبتسم بعينيه العسليتين.

إبتسموا.

ضحك.

ضحكوا.

سأل رقيب أول عجاج بدهشة – إيه بيضحك ياأفندم؟

رد وهو يشد نفسا عميقا – بأضحك لأن معايا رجالة من كل شوارع وكفور مصر جايين يصفوا حساب السنين ويطبطبوا على كتف أم كل شهيد راح مننا ويقول حقك علينا وكفاية كده.

صمت لحظات يرقب البريق يشع من عيونهم.

تابع – أنا عارف إنتم تعبتوا قد إيه، وعارف كمان قيمة إنكم فى وش المدفع لكن مصر كلها فى وش المدفع من زمان زمان قوى وعلشان كده إنتوا شجعان وأقوياء. هانقوم بالمهمة وكل واحد فينا يلتزم بالدور بتاعه وربنا يقوينا.

نظر نحو الأفق وصاح – مستعدين؟

جاشت نفوسهم وردوا – مستعدين.

– فى قاموس الصاعقة مافيش كلمة مستحيل؟

– تمام ياأفندم.

إنتابت القائد راحة مبدئية فقد إعتبر أن ماحدث ليس سوى بروفة لما لابد منه فى الساعات القادمة.

حلت سمات الجد فوق وجوه الرجال وراحوا يتممون على عتادهم وذخيرتهم وتعيينهم ويلبسون جاكتتات النجاة وقد إقترب كل فرد قرب رفاقة ضمن حمولة كل فلوكة.

لاحظ جندى خيرى بركات أن الصياد الواقف بجواره يتمتم بالدعاء وعينيه مليئتين بالدموع فربت على كتفه مطمئنا – ماتخافش ياحاج …إحنا جامدين بجد.

غمغم الرجل – عارف يابنى.

– دى مصر أمانة فى رقابنا ياريس.

– إوعى تكون فاهم إنا خايف…أنا فرحان. الصياد زينا مايخافش وبعدين ربك عالم بالحال وهو اللى بيدبرها ويرجعكم بالسلامة. إنتم وإللى زيكم.

فى تلك اللحظات، كانت الموجة الأولى من قوات المشاة قد وصلت للشاطئ الشرقى للقناة وإحتلت بعض أجزاء الساتر الترابى الذى يقع مابين حصون خط بارليف. كما فرددت سلالم الحبال وثبتوا علامات الإرشاد ثم عادت القوارب لكى تنقل موجات آخرى وبها رجال من وحدات المهندسين.

بين كل موجة عبور وآخرى 15 دقيقة وبنهاية الموجة الرابعة تم عبور20 كتيبة مشاة من 800 ضابط و 13500 جندى ومعهم مايستطيعون حمله من أسلحة.

مدفعيتنا مستمرة فى ضرب أهدافها فى عمق العدو بدقة بفضل ضباط المدفعية الذين عبروا مع المشاة.

والمهندسون قائمون بمعداتهم يفتحون ثغرات فى الساتر الترابى بينما وحدات آخرى منهم تقوم ببناء الكبارى وتشغيل المعديات.

موجات المشاة مستمرة فى العبور وقوات المهندسين تعمل بأقصى جهد لفتح الثغرات. والمدفعية مستمرة فى الإشتباك ضد الأهداف التى تحددها المشاة والدفاع الجوى مشتبك مع الطائرات المغيرة.

البلنصات تنزلق وتصطدم بالأمواج فى سيرها نحو اللسان الساحلى و

فوقها رجال ينتظرون ما عاهدوا الله عليه.

لاح خط الأرض من بعيد وأشار ملازم محمود كساب فرحا – شايف فى دخان كثيف من ناحية النقطة. مدفعيتنا بتضرب فيهم.

توالى صوت الإنفجارات القريبة وإنتبهت حواس الرجال  ترقب وتراقب مايبين من سير المعركة فى تلك البقعة من أطراف الوطن.

لاحظ قائد الداورية فى سفينة القيادة أن البلنصات بدأت تخفض من سرعتها وتوشك أن تتوقف وهم على مسافة حوالى 2 كم من الشاطئ.

إقترب من الريس مستفسرا – خير…فى مشكلة معاك؟

هز الرجل رأسه – كده خلاص ياكابتن. مانعرفش ندخل أكتر…المايه واطيه وهانشحط.

قاطعه يسرى ضاغطا على كلماته – لو سمحت إتحرك شوية. قدامك كمان 1 كيلومترعلى ماتنزلنا.

إحتج الرجل – صعب ياكابتن .بقولك هانغرز كلنا.

رد القائد بحسم – لأ ممكن. حاول معانا. ماهو كمان الفلايك دى ماتتحملش المسافة أبدا وإنت شايف حمولتنا شكلها إيه.

كانت الساعة فى حوالى الثالثة حين توقفت البلنصات وسحب الرجال الفلايك بمحاذاتها.

تم إنزال بعض الأفراد إلى الفلايك بينما آخرون يجذبوها بحبال الجر إلى البلنصات حتى لا تدفعها حركة الأمواج نحو البحر ثانية. وقف فريق من كل بلنص يقذفون بحمولات الذخيرة والعتاد إلى الفلايك بإستخدام الحبال فى حذر.

إرتفاع البلنصات يتراوح مابين مترين إلى ثلاثة والفلايك تهتز بعنف تحت أقدام الرجال وثقل مايحملوه بكل عزيمة وقوة بدنية. ولولا إدراكهم لأهمية مابين أيديهم لسقطت نصف الحمولة فى المياه.

ورغم ذلك، لم يخل الامر من بعض الخسائر البسيطة فقد سقطت ماسورة الهاون 82 مم فى البحروإبتلت بعض الأجهزة اللاسلكية.

إستغرقت عملية التحميل حوالى نصف ساعة.

راح الجنود يتبادلون التجديف فى حماس وهم موقنون من أنهم فى سباق مع الزمن.

لكن الفلايك تتحرك ببطء وتتأرجح بفعل حركة الأمواج الصاخبة وعليه إستغرقت  مسافة 1 كم  التى تفصلهم عن الشاطئ مايقرب من ساعة كاملة.

كانت –حتى تلك اللحظة –أطول ساعة مرت على قائد الداورية.

وهو يدرك تماما أنه ورجاله الآن فى وسط المياه أصبحوا أهدافا سهلة لأى فرد من العدو على الشاطئ القريب. شعر بأنهم عراة تماما إلا من ستر ربنا وعطفه.

وكلما إقتربت الفلايك من منطقة الإبرار إزداد تخبطها مع تكسر الأمواج وإندفاعها نحو أرض الساحل الرملى فتباعدت عن بعضها فى المسافة المتبقية وإنتشرت فى مواجهة كبيرة لاتقل عن 500متر.

ظل قائد الداورية يصرخ فى القوارب الشاردة لتتجمع نحو الإتجاه المحدد للإبرار وكأن البحر يسخر من سواعد رجاله وعزيمتهم.

لاحظ يسرى وفلوكته تقترب من الشاطئ ، أن هناك آخرى متوقفة تماما عن الحركة فى وسط الماء.

إقترب وسأل – خير يارجاله….واقفين ليه؟

رد أحد الجنود – مجداف إنكسر منا؟

وقف يحاول سحب الفلوكة المعطلة بربطها بحبل فى فلوكته. ثم أدرك صعوبة ذلك لثقل الحمولة وربما يؤدى ذلك لكسر مجاديف فلوكته أيضا.

لمح إحدى الفلايك عائدة بالقرب منه بعد إنزال حمولتها على الشاطئ فأشار لراكبها – لو سمحت عاوزين مجداف من عندك للفلوكة دى.

تردد الصيادون.

تمتم أحدهم – وإحنا نرجع إزاى يعنى ؟

رمقه يسرى بنظرة حادة – إتصرفوا. حتى لو إضطريتم تجدفوا بإيديكم. إنتم شايفين قدامكم 10 رجاله مقاتلين رايحين يحاربوا عدوك وعدوى ومتعطلين فى الميه. لو إنت تسمح بكده أنا ماأقدرش مهما كانت أسبابكم.

بدا الضيق على وجه الصياد فما كان من يسرى إلا أن سحب أجزاء بندقيته ووجهها ناحيتهم.

كان كلامه منطقيا. لكن لاأحد يعلم هل كان الخوف من السلاح أم إحساس غريزى بالواجب والمسئولية هو ماتحرك بداخلهم.

على الفور سلموا مجدافا للفلوكة المعطلة.

فيما بعد يتذكر ذلك الصياد ماحدث مع رفاقه فى أماسى بورفؤاد.

كان أول من إقترب نحو الشاطئ فلوكة ملازم أول إسماعيل وعنف الأمواج تأخذهم بعيدا عن منطقة الإبرار.

قال له الصياد الذى يرافقه – ممكن ننزل هنا ياكابتن نسحب القارب لكن محتاجين رجالتك ينزلوا يساعدونا علشان الموج بيتعبنا.

– يالا إنزلوا أنتم الأول وإسحبوا الفلوكة وأول ماالميه توصل لركبتك هاننزل معاكم. كده افضل للرجالة لأن كفاءتهم تقل كتير كل ماالميه طالت ملابسهم وشداتهم.

كان مقررا للفلايك أن تصل عند كم 4 لكن الأمواج بعثرتها فوق مساحة كبيرة من الأرض محصورة بين كم 6 وكم 8.

كانت الساعة قد قاربت الرابعة والنصف حين وصل آخر القوارب يحمل الملازم محمود كساب ومجموعته بعد أن إنحرفوا يسارا لمسافة غيرقليلة. تجمع رجال الداورية حول قيادتهم ومعهم صناديق ذخيرتهم الضخمة وعتادهم. تناثرت حولهم أكوام الرمال وقطع خشب وحديد وزجاجات فارغة ونفايات سفن على ذلك اللسان الرملى الذى لايتعدى إتساعه أكثر من 500متر.

قام قائد الداورية على الفور مع ضباطه وقادة المجموعات الفرعية من ضباط الصف بعملية إستطلاع للمنطقة وتأكدوا أنها نظيفة وخالية من كل آثر للعدو. أتضح أنها علامات للكيلومتر على الطريق هى التى سبق و  أثارت بعض الشكوك لدى قائد الداورية أثناء إقترابهم حيث بدت كرؤوس أفراد.

إطمأن الرجال مؤقتا.

كان ضمن خطط قائد الداورية أن يتصدى لقوات العدو بأسلوب الكمائن.

لكنه وجد أن طبيعة الأرض تخلو من أى تضاريس تصلح للتخفى.

ولذلك، قرر أن يستغل وجود تبتين غير مرتفعتين من الرمال على جانبى الطريق. بحيث يتخذ منهما موقعا يغلق به تقدم قوات العدو إلى الغرب.

حدد مع ضباطه موقع كل مجموعة على الأرض وطريقة الإنتشار.

كانت مهمة الداورية هى أن تتصدى السرية وتصمد فى موقعها لقطع أى إمداد برى عن النقطة القوية وهى تحت هجوم سرايا المشاة حتى تسقط فى ايدينا.

ومن ثم كلف م.أ. حازم سليمان بالتواجد على الحد الأمامى مع م.أ.إسماعيل متولى على التبة الأمامية الممتدة يمين ويسار الطريق.

وإلى الخلف منها بمسافة 150 متر وضع المجموعة الثانية وفيها نقيب يسرى حمدان ورقيب أول أحمد عجاج. ومعهم أيضا م.أ.إحتياط عماد الشوادفى ، ضابط نقطة ملاحظة مدفعية 130 والذى يمكنه بمدافعه ذات المدى البعيد أن يعاون فى أى وقت وفى منتصف الموقع.

تم توزيع أطقم القواذف الصاروخية الأربعة بفواصل حوالى 50 متر داخل الموقع وتحت سيطرة م.عادل أمين.

بسرعة راح رجال المجموعة الأمامية فى أماكنهم المواجهه للشرق فى عمل حفر برميلية لأنفسهم. ثم دعموها بشكائر الخيش الفارغة التى معهم بعد حشوها بالرمال.

حدد قائدهم مجموعة صغيرة أمام الموقع لتكون دوما جاهزة للإشتباك مع العدو لتأمين الفصيلة حتى تنتهى من تجهيز الموقع والأنتهاء منه.

فى نفس الوقت أخذ ملازم كساب خطواته لتنفيذ نفس التجهيزات وإجراءات التأمين كما فى موقع م.أ.مدبولى  لكن إلى الغرب بمسافة 300 متر.

كما حدد  القائد للرقيب طه حسون ،حكمدار جماعة المهندسين ، برص الألغام أمام موقع فصيلة مدبولى ب 150 متر على أن تكون مواجهة الألغام حوالى 50 مترا يمين ويسار الطريق ويتم دفنها وتمويهها بالرمال والفاصل بين الألغام حوالى 5-10 أمتار حسب طبيعة الأرض.

ثم طلب منه أن يضع 4 ألغاما مكشوفة بدون تمويه بعرض الطريق.

تعجب الحكمدار – طيب نسيبها مكشوفة ليه؟

رد يسرى – لأن إذا تنبهت أى دبابة أو مركبة لوجود الألغام على الطريق فبالتأكيد ستتوقف لإزالتها أو تأمينها وهنا تكون فرصتنا نصطادها بقواذف آربى جى. أما لو حاولت تفاديها بالخروج من طريق الإسفلت فستصطدم بالألغام المدفونة فى الرمل. وإذا ماإنتبهوش أصلا  للموضوع هاتنفجر فيهم الألغام برضه.

إتسعت إبتسامة الحكمدارتدريجيا – معك حق. فكرة خبيثة وسديدة.

كان عرض الشريط الساحلى فى تلك البقعة حوالى 300 متر تقريبا.

قرر قائد الداورية بتغطية الجانب الأيمن للموقع (جهة الملاحات ) بجماعة المهندسين العسكريين والجانب الأيسر(جهة البحر) بطاقم الهاون 82 مم مدعما بفردين من الفصيلة الخلفية بقيادة ملازم كساب.

وبذلك تم نصب كمين على هيئة دفاع دائرى عن الموقع بمواجهة وعمق حوالى 300 متر تقريبا حيث يمر الطريق الأسفلت الممتد من العريش حتى النقطة بمنتصف الموقع من الشرق للغرب. يتوسطه موقع قيادة الداورية فوق مربض دبابة رملى منشأ بمعرفة العدو يسار الطريق.

كانت الأرض مشبعة بالمياه خاصة أن منسوب الشريط الساحلى لايرتفع كثيرا عن مستوى البحر أو الملاحات.

إتضح للرجال أن الحفر البرميلية تمتلئ بالمياه المالحة عند وصول الحفر لعمق 50 سم . ومع ذلك وجه قائدهم بتعميق الحفر

– مافيش شك نقف فى المياه أفضل مانبقى مكشوفين للعدو.

كان الضباط والجنود مدربين من قبل لفترة طويلة على هذه الأعمال.

لكن عنصر الوقت يصبح هدفا ضروريا فى ظل المعارك الدائرة عند النقطة القوية كى تنتهى كل التجهيزات قبل آخر ضوء.

فى حوالى الساعة الخامسة والنصف جلس الرجال يلتقطون أنفاسهم.

تم الإنتهاء من تجهيز كل الحفر بعمل تكسيات وأرضيات لها من بعض قطع الأخشاب المتناثرة على الشاطئ كما تم تجهيز قواذف الصواريخ وأطقم الهاون 60 مم.

مايحمله أفراد الداورية من ذخيرة وتعيين يتيح لهم الإستمرار فى مهمتهم حتى اليوم التالى بسقوط النقطة.

خلال تلك الفترة إشتد ضغط مشاتنا على حصون خط بارليف ونقاطه القوية وسقطت بعض مواقع العدو كما تم إسكات مواقع آخرى.

كما إزدادت هجمات العدو المضادة فأصبح العبء الأكبر فى صد الهجمات المضادة يقع على عاتق المشاة وحتى تنتهى قوات المهندسين من فتح كل الثغرات بالساتر الترابى.

جلس يسرى فوق حفرته ونظارته المعظمة فوق عينيه يرقب ماحوله.

بدا متحفزا صاحيا وكأنه نام من قبل دهرا. فى اللحظات الحاسمة يصبح كتلة أعصاب تتحرك بإنضباط يضيف إلى عمره عشرات السنين.

كانت الصورة الآن لاتختلف كثيرا عما ظل يرسم في خياله وفى دأب طوال الأسابيع التى مضت.

بجواره، ضابط المدفعية سليمان الذى اشار نحو عدة طائرات تمرق على يمينهم مندفعة نحو الغرب – طيران معادى؟

– سكاى هوك.

– إحتمال الجبهة كلها مشتعلة دلوقت؟

– بالتأكيد

– أى توقعات؟

– طالما حطينا رجلنا فى سيناء…يبقى حسم المعركة مجرد وقت . الكوره فى ملعبنا طالما بدأنا الهجوم.

تساءل سليمان – كان المفروض قوات العدو تكون هنا!؟

– إطمئن. هاييجوا…إحتمال المفاجأة أربكتهم وبيرتبوا خططهم من تانى. الأهم نكون إحنا فى وضع جيد من دعم المدفعية فى الوقت المناسب.

كانت الساعة تشير إلى السادسة حين قام يسرى بتحقيق إتصال لاسلكى بقواتنا فى بورفؤاد وفى موقع الكتيبة المكلفة بالهجوم على النقطة وكذا بفصيلة زميله مهاب. فى نفس الوقت سمع صوت إشتباكات بالأسلحة الثقيلة والرشاشات من إتجاه النقطة القوية للعدو.

علم من إتصالاته أنه قد صدرت أوامرللنقيب مهاب (والذى كان شرق النقطة بمسافة 2 كم) من قائد الكتيبة بالإنسحاب والعودة لمواقع قواتنا عن طريق الملاحات إعتبارا من السادسة والنصف.

كما لم يؤكد له أحد من اللواء أو الكتيبة عن موقف هجوم قواتنا على نقطة العدو. إستنتج أن الهجوم لم ينجح. وإلا كان قد أبلغوه لإتخاذ اللازم.

أخبر ضباطه فقط بالموقف حتى يتفهموا عدم وجود فصيلة عيسى خلف موقعهم شرق النقطة فلا يحدث إلتباس فى الأمروقت القتال أو إحتمالات غير متوقعة.

تدافعت عشرات الاسئلة إلى رأس كل منهم.

زوى م.أ. عماد مابين حاجبيه – معاومات غير مريحة.

رد يسرى – منطقى أن تحدث مفاجأت فى المعركة. الأهم إننا نثبت فى مواقعنا ومدافعنا تشتغل بكفاءة.

كلف يسرى قادة الفصائل بتمام اليقظة وتشديد المراقبة فى جميع النقاط قبل أن يكور جسده فى حفرته طلبا لأى قسط من النوم قبل أول ضوء.

كان نوما كاليقظة تماما.

لم تطول إغفاءته القصيرة سوى ساعة حين إنتبه فجأة فى حوالى الرابعة فجرا على صوت جنزير دبابات يقترب من الموقع.

إختفى القمر وتلاعبت حلكة الليل بالأصوات لكنها كانت واضحة من إتجاه الشرق نتيجة للسكون النسبى الذى يلف المنطقة.

أطلق جندى المراقبة رجب عبد الواحد على الخط الأمامى صيحة مدوية: – موقع إستعد….موقع إستعد.

إنتفض الرجال من أماكنهم وتحول الموقع إلى كمين من الأشباح.

كل داخل حفرته يرهفون السمع فى إنتظار الأوامر جاهزين للإشتباك.

وكأن كل منهم فى خلوة مع قلبه الذى يخفق بشدة  وربه الذى يدعوه ليعينه ويرعاه.

هاهى اللحظة الحاسمة بمخاطرها والتى إستغرق إستعدادهم لها سنوات.

فكيف تكون؟

الدبابات تقترب ويسرى يراقب من المزغل الذى صنعه فى حائط الشكائر أمام موقعه وسط الرجال. قدر المسافة من قوة الصوت بأنها حوالى 2 كم.

بعد قليل، تمكن بنظارة الميدان من تمييز 4 دبابات (فصيلة) أحدها فى المقدمة بفاصل حوالى 150 متر عن الثلاثة الآخرين وهم وراءها بفواصل أقل بينهم.

أمسك بميكرفون جهاز اللاسلكى مخاطبا ضباطه – إحبسوا النيران وإضربوا عند سماع الأمر.

كان ملازم أمين قائد اطقم الصواريخ متلهفا على الإشتباك مع الدبابات بصواريخه من على هذه المسافات البعيدة.

خاطب قائده – الصواريخ جاهزة ياأفندم. مطلوب إضاءة المنطقة بدانات  الهاون علشان أحدد مكانهم بالضبط.

– إنتظروإستعد بالقواذف الصاروخية فقط.

إقتربت الدبابات أكثر حتى أن أصوات الجنازيرتصل إلى الأشباح القابعة داخل الحفر فكأنها تدور فوق رؤوسهم.

عبر جهاز اللاسلكى خاطب م.أ.مدبولى قائده – شايفينهم كويس قوى ممكن أشتبك الآن ب آربى جى ؟

– إنتظرشويه وإستعد…إنا شايفهم كمان كويس.

فى لحظات بعينها، يكون ثبات الأعصاب والسيطرة على إنفعالات النفس أكبر الأثر فى كسب جولة من جولات المعركة.

لاحظ يسرى أن الدبابات تتقدم تجاههم بدون أى وقفات أو حتى تهدئة للسرعة. فإستنتج أنهم لم يكتشفوا وجودهم حتى الآن وأن الظلام كان فى صالح الداورية حتى هذه اللحظة.

بقى الرجال ينتظرون فى لحظات عصيبة بالفعل قابضون على أسلحتهم.

متى يصدر قائدهم أمر الإشتباك فينتهى هذا الوضع المفزع؟

بلغ التوتر والقلق مداه ببعض الأفراد على الحد الأمامى (الفصيلة الأمامية) بعد أن وصلت الدبابة الأولى لمسافة 200 متر تقريبا من الموقع.

إستعجل م.أ.مدبولى أمر الإشتباك – دول خلاص…قربوا جدا…بعد دقائق هايكونوا فوقنا…نضرب؟

– إهدأ وإنتظر ياأسماعيل….أنا برضه شايفهم.

واصلت الدبابة إندفاعها حتى وصلت على مسافة 150 متر من الموقع. فجأة دوى إنفجار مروع مزق سكون المنطقة حين تعثرت الدبابة الأمامية فى أحد الألغام على الأسفلت.

هاقد تحققت المفاجأة لقوات العدو.

لم يتوقعوا مطلقا وجود قوات مصرية فى هذا المكان. كما ثبت دقة تقديرات قائد الداورية إلى حد كبير. أكثر من هذا أن تلك لن تكون المواجهة الوحيدة مع العدو وقد إنتبه لوجودهم.

إنقطعت جنازير الدبابة فتعطلت تماما وقفز منها أفراد الطاقم مذعورين يصرخون. إندفعوا للخلف يحتمون بها فى إتجاه باقى الدبابات.

إنتابت الرجال حماسة بالغة وراحوا يهللون فى حفرهم –الله أكبر…الله أكبر.

صرخ قائدهم – إسماعيل..إشتبك الآن.

صاح العريف كامل الذى يراقب الدبابة المدمرة من خلال جهاز الرؤية الليلى فوق رشاشه – افراد العدو بيهربوا.

صاح فيه م.أ. إسماعيل -إضرب عليهم بالرشاشات بسرعة… ماتتكلمش….إضرب.

سقط أحد أفراد العدو وإنبطح الثلاثة الآخرون خلفه على الأرض.

عندئذ دوى إنفجار هائل وإرتجت الأرض بإحدى الدانات التى أطلقتها الدبابة الثانية أمام الموقع.

بسرعة أخفى الأفراد رؤوسهم داخل الحفر خشية أن تنالهم شظايا ثم إرتفعوا آخرى ليلمحوا بما لايقبل الشك أن الدبابة الثانية تندفع نحوهم لإقتحام الموقع.

إستعد حاملوا القذائف الصاروخية للإشتباك لكنها توقفت فجأة وأطلقت قذيفة سقطت وسط الموقع أعقبها سيل نيران رشاشها بينما تلتقط طاقم الدبابة المدمرة.

المسافة بين الدبابة الثانية والحد الأمامى موقع فصيلة م.أ.مدبولى حوالى 300 متر وذلك لايضمن دقة إصابتها بنيران آر بى جى.

خاطب يسرى ملازم كساب – مطلوب دانات هاون 60مم تنور المنطقة.

إنطلقت دانات الهاون تشق الفضاء بصفيرها الحاد ثم تدلت فوق الدبابة وهى تستديرمندفعة نحو الدباباتين الخلفيتين اللتين إستدارتا بسرعة نحو الشرق .

صاح يسرى فى قائد اطقم الصواريخ – إضرب بسرعة ياأمين… ماتسرفش فى الذخيرة.

ماكاد ملازم أمين  يسمع تلك الكلمة حتى إنطلق – طاقم واحد إشتبك.

طغى الفرح على الرجال وإشتعل حماسهم وهم يتابعون الصاروخ الذى إندفع نحو الهدف المتحرك. على حين كان رقيب صفوت دوس يحبس أنفاسه ممسكا بعصا توجيه الصاروخ يحركها بحذر فى ضوء الطلقات المضيئة.

وماإن رأى الرجال الصاروخ يرتطم بالدبابة الهاربة حتى هللوا وقفز رقيب صفوت فوق حفرته ملوحا بذراعه لقائده – دمرتها …دمرتها شفت الرجالة ياأفندم.

رفع ملازم أمين رأسه محذرا – تحت يادوس..بلاش جنان.

إشتعلت الدبابة الثانية فى مؤخرتها وغطاها دخان كثيف لاحق الدبابات الهاربة.

إجتاحت الرجال فرحة عارمة جعلت الدماء تزغرد فى عروقهم بما حققوه من خسائر للعدو وبعد أن نجحوا فى إيقاف تقدم فصيلة الدبابات لدعم نقطته القوية.

خرجوا من حفرهم يحتضون بعضهم البعض وينحنوا فوق الرمال يقبلوها فى خشوع وجلال.

كانت الساعة تقترب من الخامسة والنصف صباح السابع من أكتوبر حين إتصل يسرى بقائد كتيبته. ابلغه بتقرير عن أعمال الداورية التى تمت بصورة موجزة فهنئهم القائد وأعرب عن سعادته و تقديره لهم.

شق الأفق ضوء الصباح والرجال غير مصدقين أن العدو جاء وهرب وهم يتنفسون هواء يوما جديدا بل سيفكرون فى طعام وشاى بعد قليل.

مر عليهم قائد الداورية يهنئهم بنجاح المهمة فى أول مواجهه.

كانت الدبابة المعطلة أمامهم من طراز سوبرشيرمان تقف بجانب الطريق الأسفلتى وموتورها مازال يعمل. إنفجار اللغم أصاب الجنزير لكن الموتورلم يصاب.

خشى يسرى أن يتسبب صوت الموتور الدائر فى حجب أصوات مركبات أو دبابات آخرى تقترب منهم حيث توقفت على مسافة 150 مترا منهم. و كان عليهم أن يتحدثوا بصوت عالى للغاية ليسمعوا بعضهم بعضا. إستدعى الرقيب نجيب مبروك.

كان رقيب مبروك قد عمل سابقا بسلاح المدرعات.

– تعرف تحاول توقف لنا الموتور ده؟

– ساأحاول ياأفندم.

إستأذن مبروك بإصطحاب جندى معه وذهبا للدبابة.

غاب بداخلها 5 دقائق ثم توقف الموتور.

عاد الهدوء للموقع وهدأت أعصاب الرجال نسبيا.

إلتفوا حول قائدهم وهو يهنئهم بما حققوا.

ماذا بعد؟

قال يسرى – إحنا دلوقت عرفنا إن عدونا مش مارد جبار أو اسطورة بالرغم من قوته ومكره وغدره. وزى ماكنتم أبطال قدام الدبابات دى، فى برضه آلاف وآلاف مننا عبروا وبيعبروا طول الليل فوق الكبارى والمعديات فى سيناء. لكن المفاجأة إنتهت وعدونا عرف إننا هنا.

إذن نتوقع إنه هايرجع وممكن معركتنا تطول. ضرورى نقتصد فى الذخيرة ونستخدمها بحساب. والتعيين كمان من فضلكم بحساب. يالا خلونا ناكل حاجة بسرعة.

لم يشأ أن يخبرهم أن نقطة العدو القوية القريبة ماتزل محتفظة بتماسكها ولم تسقط فى أيدى قواتنا بعد.

هاهم قد دخلوا تجربة القتال فى صباح تاريخى وحافل لكن بغريزتهم أدركوا أن الموقف يزداد تعقيدا.

جلسوا تحت أشعة الشمس فى مجموعات لتناول طعامهم المكون من علب الفول المدمس وقطع الجبن وأكواب الشاى والسجائر.

نبت شعر ذقونهم بغزارة وجفت ملابسهم المشبعة بمياه البحر المالحة وتصلبت على أجسادهم كأنها مغموسة فى النشا. كانت تسبب لهم ألاما مزعجة تناسوها مؤقتا.

كانوا متلهفين للكلام وعكست تعليقاتهم وعباراتهم المرحة الأثر القوى لأول إحتكاك مباشر فى ساحة المعركة.

– أنا أستحق فطير مشلتت وطبق قشدة من إيد أمى دلوقت.

هتف صفوت وهو يلتهم إنبوبة صغيرة من المربى دفعة واحدة.

هتف به آخر – فطير مشلتت ولوحدك ياناكر العيش والملح…تروح من ربنا فين؟

ضحك صفوت – طيب والله لو أمى وقعت عينها عليا دلوقت لتطب ساكته وتروح فيها.

هز جندى الضروسى رأسه – هو فى حد يصدق إننا فعلا هنا قدام النقطة وقاعدين نفطر ونشرب شاى!؟

عقب جندى محمود زكريا بن بورسعيد – صحيح والله. لكن الزمبليطة الحقيقية هناك فى بورفؤاد وشط القناة.

رد جندى شعبان أبو الفرج – إسكت…إسكت ربنا يعديها على خير بالطول وإلا بالعرض.

هتف محمود زكريا – أيوه صحيح….عدونا جبان …مالوش أمان وإبن ستين صرمة قديمة.

بعد قليل، جلس يسرى مع ضباطه وتناول معهم خطة المراقبة والخدمات والتجهيز الهندسى فى الموقع فى ضوء ماتم فى الجولة الأولى.

فى الثانية عشر ظهرا توجه مصطحبا معه رقيب مجند عبد الواحد عربى وعريف متطوع أحمد جابر ورقيب مجند نجيب مبروك للدبابة المعطلة.

قاموا بتفتيشها من الداخل على عجل ووجدوا آثار دماء(غالبا لوجود جرحى من طاقمها نتيجة الإنفجار). أخرجوا بعض الأغراض الإدارية التى تخص طاقم الدبابة وكانت عبارة عن 10 بطاطين وجراكن مياه وتعيينات وعلب طعام محفوظة.

كان هناك مفاجأتين فى إنتظار يسرى ورجاله.

الأولى: خريطة كبيرة لسيناء موضح عليها مواقع قوات العدو وإحتياطاته فى منطقة شمال ووسط سيناء.

الثانية: عند فحص الدبابة من الداخل وجدوا أن عداد السرعة لم يتجاوز 200 كم. أى أنها عندما تحركت من العريش مثلا، كانت لتوها خرجت من المخازن على الزيرو فى أول مهمة لها عند الفجر.

وهكذا اصبح وجود الكمين بالمنطقة معروفا للعدو ومكانه محدد بدقة عن طريق الدبابة المعطلة.

إنشغل يسرى بتحسين الموقع مع رجاله والتأكيد عليهم  بتشديد المراقبة.

كلف الرقيب طه حسون وأفراد المهندسين بنقل الألغام من أماكنها لشرق الموقع بمسافة 150 مترا آخرى لتصبح أمامهم بما يقرب من 300 متر.

فالدبابة المعطلة علامة لأى مركبة متحركة وسيأخذ العدو حذره بالتأكيد.

مرة ثانية نظر حسون إلى قائده مبتسما وقد أدرك المغزى دون أن يسأل.

وإنصرف الأفراد إلى تنفيذ المهام الجديدة بكل تفاصيلها فى نشاط وجو من الثقة بعد تحقيق هدف نظيف فى ملعب العدو.

لم يتسنى أن يعرف أى منهم ماحدث بالضبط على الجبهات الآخرى.

لكن من المؤكد أن يوم الأحد 7 أكتوبر طرح وضعا جديدا فى المعركة.

لقد إنتصرنا فى معركة العبور وأصبح لنا على الشاطئ الشرقى خمس فرق مشاة بكامل أسلحتها الثقيلة ومعها حوالى 1000دبابة. بينما عدونا فى حالة فوضى عارمة وقد أبيدت قواته تماما.

وقامت قواتنا الخاصة التى تعمل فى مؤخرة العدو بإرباك قيادات العدو وتعطيل تحرك إحتياطياته نحو الجبهة. حتى أن عناصر من اللواء 130 مشاة الأسطول تقدمت خلال ممر متلا وممر الجدى وهاجمت مركز رئاسة القطاع الجنوبى ومحطات الرادار . حتى وصلت بالفعل إلى مطار تمادا الذى يبعد 80 كم شرق القناة.

لقد نجحنا فى تحقيق المفاجأة الإستراتيجية وبالتالى فإن عدونا لم يقم بإجراء التعبئة الشاملة. ومن ثم فإن المعارك الكبرى مع قواته الرئيسية لم تبدأ بعد.

القتال لم يبدأ بعد.

والسؤال الذى يدور على كل الجبهات: متى يقوم العدو بالهجوم المضاد؟

يوم 8 أم يوم 9 أكتوبر؟

خلف نقطة العدو القوية، حاول يسرى أن يرخى بدنه فى حفرته فى حوالى الساعة الواحدة.

لم يكن هناك وقت للراحة.

فى حوالى الساعة الثانية والنصف سمع صوت إقتراب جنازير من جهة الشرق.

صاح جندى المراقبة فى الموقع الأمامى صيحته التى لاتخطئها آذان الرجال يعلن تقدم مركبات. فسارعوا كل إلى حفرته مشرعا سلاحه يستعد وينتظر أمر الإشتباك.

لقد عاد العدو كما توقعوا.

أرهفوا السمع إلى أصوات الجنازير وهى تتزايد فى الوضوح مع إقتراب المركبات. كان واضحا لعيونهم أن قوة العدو أكبر هذه المرة فقد إنتشرت على وسط الطريق وأجنابه وإرتفعت سحب الغبار فوق الموقع.

تبين قائد الموقع الأمامى بنظارة الميدان 8 قطع معادية تتحرك نحوهم فأبلغ قائد الداورية على الفور.

خاطب يسرى ضابط المدفعية 130القريب منه – سنحتاج إليك ياعماد حالا…مستعد؟

بثقة عالية أجاب الضابط – مستعد ياأفندم.

– إذن إتصل بالكتيبة فى بورسعيد وقل لهم بأمر الإشتباك وإطلب غطاء من مدفعية بورفؤاد.

فى نفس الوقت خاطب م.أ.مدبولى قائده عبر جهاز اللاسلكى – شايفهم بوضوح أكثر. فى عدد من الدبابات وقفوا دلوقت ورا التبة الصناعية على جانب الطريق وغالبا فى وضع إستعداد. إحتمال يحاولوا يقتحمونا تحت غطاء النيران.

صرخ يسرى فى رجاله من وسط الموقع محذرا – كل فرد فى حفرته. إخفض رأسك بسرعة.

ولقد تحقق ماحدسه ضابط المجموعة الأمامية  حيث راحت الدبابات الأربع من مسافة 1 كم  تقصف الموقع على مدى ساعة كاملة.

تكوم كل مقاتل داخل حفرته البرميلية تحت قصف متوالى ينذره صوت إنطلاق الدانات المكتوم ثم صفيرها وهى تمرق فوق رأسه.

ترتج الأرض من عنف إنفجار الدانات وتنهال الرمال فوق الحفر حتى الإنفجار التالى.

ومع هذا القصف الشرس لم تحدث أى خسائر حيث سقطت معظم الدانات خلف الموقع .ولم تسقط دانة مباشرة على الموقع.

ترجم قائد الداورية ذلك بأن العدو يخشى قواتنا ويحشد لنا لأنه لايعرف حجمنا بالضبط. عدونا مرتبك. لقد نفذ رجالنا تماما ماطلبته منهم لإيمانهم بأهمية التخفى والإخفاء نتيجة الخبرة التى تعلمناها فى حرب الإستنزاف. لكن العدو بهذا القصف الرتيب والمتقطع يمهد لإقتحام الموقع فى أى لحظة.

خاطب يسرى قادة المجموعات بتوقعاته بين هدير الإنفجارات.

بعد قليل صاح م.أ.مدبولى من خلال جهاز الإتصال فى أذن قائده – بدأت دباباتان فى التحرك ناحيتنا. فى منتصف الطريق وخلفهما عربة مدرعة محملة بالأفراد. ياترى نتركهم لما يوصلوا لحقل الألغام؟

فكر يسرى بسرعة وحدس أن العدو مصمم على إقتحام الموقع ومعه مركبة أفراد وإحتمال أن لاتنفجر كل الألغام أو تصيب مركباتهم إصابة قاتلة.

خاطب ضابط أطقم الصواريخ – إستعد ياأمين للإشتباك لما أول دبابة تحاذى الدبابة المدمرة البعيدة.

أصدر أمين تعليماته لطاقمه وهم فى حفرهم يقبضون بكل ذراتهم وحواسهم على قواذف الإطلاق. بينما رجال المراقبة فى المجموعة الأمامية يتابعون تقدم مركبات العدو ونيران الدبابات الأربع ينهمر على الموقع بأكمله. سقطت آخر دانه إلى اليسار بقرب مجموعة عريف أحمد جابر.

عند نقطة محاذاة الدبابة الأمامية للآخرى المدمرة صاح ملازم أمين

– رجال طقم إتنين إشتبك الآن.

إنطلق الصاروخ نحو قوات العدو تتابعه أعناق الرجال فى حذرلكنه مرق فوق رأس الجندى الواقف فوق برج الدبابة دون إصابتها.

طاش الصاروخ وطاش صواب الجندى فإنزلق داخل دبابته وإستدار راجعا خوفا من قوة كوماندز مصرية لايعرفون حجمها.

صاح ملازم أمين غاضبا فى طاقم الصواريخ – طقم ثلاثة بسرعة إشتبك بدقة أكثر.

إنطلق الصاروخ الثانى من يد جندى حامد درعم ليستقر فى بطن الدبابة وقد أكملت إستدارتها تتراجع بسرعة تجاه الشرق.

إنفجرت الدبابة وإندلعت بها النيران وسط فرحة الرجال الذين راحوا يهللون فى حفرهم.

إستدارت الدبابة الآخرى تسبقها العربة المدرعة حيث توارتا خلف التبة مع باقى الدبابات.

عاد القصف من جديد وتساقطت الدانات حول حفر الرجال بشكل غزير وأكثر خطورة. راح قائد الداورية يخاطب قادة المجموعات الفرعية عقب كل إنفجار – أى إصابات؟

– صامدين ياأفندم.

– سليمة ياأفندم.

متى تنتهى هذه المناورة؟ صامدون بدون خسائر… لكن إلى متى؟

هتف ملازم أول سليمان لقائده – مارأيك نعمل لهم شلل مخى بصاروخ فى وسط التبة نرعبهم ويهربوا؟

وافق يسرى على تلك الفكرة السديدة فطلب ضابط الصواريخ

– يالا ياأمين إديهم صاروخ واحد فى وسط التبة يطير دماغهم.

إنطلق الصاروخ مصحوبا بالدعوات ومشحونا بجهد مضاعف من الرجال فسقط فى وسط التبة تماما ليهيل سحب الرمال مختلطة بالدخان فوق الدبابات.

صمتت الدبابات المتمركزة خلف التبة الصناعية. بل كان ذلك كافيا لتيأس من إقتحام الموقع فبدأت تتراجع منسحبة نحو الشرق.

كانت الساعة فى حوالى السادسة مساء حين توارت زوابع الغبار الذى أثارته الدبابات المنسحبة وتلاشى صوتها تدريجيا.

أطل الرجال برؤوسهم وسمحوا لصدورهم بمزيد من الهواء خارج الحفر وقد تأكدوا الآن من إنسحاب العدو وزوال الخطر.

السماء مشبعة بلون الغروب البرتقالى ووهج النيران من الدبابة المشتعلة والحرارة تخترق الفراغ حولهم وهم يفترشون هذا اللسان الرملى قرب النقطة الحصينة.

وهكذا صحت توقعات القيادة المصرية حيث تم قطع إمدادات العدو عن النقطة القوية .بل إضطر بأن يدفع بإحتياطاته المدرعة فى رمانة لنجدة تلك القلعة الحصينة.

بان القلق على ملامح يسرى وهو يسأل ملازم أول حازم – فى أى أخبار عن مدفعية بورسعيد؟

رد بضيق لم يخفيه – فهمت من الإتصال الأخيرإن موقفهم لايسمح  بمساعدتنا فى الوقت الراهن.

إبتسم يسرى ليخفف عنه –  على كل حال العدو إنسحب.خلينا نعيد تنظيم نفسنا ونحاول نتصل بالكتيبة مرة تانية للتأكيد على موقفنا. غالبا الهجوم الجاى هايكون أعنف.

لحق بهما م.أ.مدبولى محتجا على بخل جندى بدار مع المياه المتاحة لعمل الشاى.

ضحك يسرى – أنا نبهت عليه علشان الميه. إحنا شكلنا هايضطر نقعد هنا شوية.

هتف إسماعيل – الله يخرب بيتهم واحد واحد. يادوب ربنا سلم  فى آخر إنفجار كان هايطيرودنى الشمال.

ناوله يسرى قدحه من الشاى – إتفضل علشان ودنك تخف.

كان التعب والإرهاق واضحا فى عيونم جميعا وقد لوحت الشمس بشرتهم وتشبع جلدهم من ذروة شعرهم لقدميهم بخطوط الملح والعرق.

أشار إسماعيل لشعر يسرى القذر وذقنه الطويلة ضاحكا – بقيت فعلا قرصان ومحتاج منديل نربطه على عينك وسيف وتبقى جاهز للغارة الجاية. كام صرخة ونخلص عليهم.

إنضم م.أ. عماد الشوادفى وإلتقط طرفا من الحوار فقال – صرخة إيه بس ياإسماعيل دول عاوزين نارعيار تقيل تتفتح عليهم. شكلهم ناوى يتعبنا قوى.

تابع إسماعيل – دول جبناء وإحنا شفنا بنفسنا.

رد عماد – برضه إحنا هنا تسليحنا خفيف وهم فى النقطة القوية فى غمضة عين يبقوا قدامنا.

قال إسماعيل بتأثر – ربنا معانا.

بعد لحظات صمت وجه حديثه ليسرى – سيبك من النقطة القوية…كلمنى عن ثومه وأغار من نسمة الجنوب . وإحنا فى حبيبتى إسكندرية مزنوقين وسط إمتحانات تدريب السرية فى أبى قير فى أبريل إللى فات. فاكر…كل مالضغط يزيد نروح ناخد غطسين ونرجع تقرأ لى شعر وصاحبك جتة لايؤثر فيها شعر موزون أو كحيان.

إنفرجت أسارير يسرى – لكن أنا بأعشق بورسعيد أكثر من إسكندرية. ولو إنكتب لنا عمر ناوى أجيب زوجتى وأولادى يصيفوا فيها كل سنة.

تمدد إسماعيل على الأرض وعيناه تجوبان صفحة السماء خلف النجوم الباهتة.

إبتسم قلب إسماعيل فقال – ولو في الموضوع عشق يبقى عليا بالإسكندرية شط الهوا. بناتها يزعلوا منى وإنت عارف.

رد يسرى ضاحكا – طبعا عارف.

إنضم باقى الضباط لجلستهم.

سأل ملازم محمود كساب قائده – عارف إيه ياأفندم؟

– عارف إن رجالتنا ألماظ فى الحرب وبعد الحرب.

– ده كلام من ريحة الشعر ياأفندم.

إعتدل إسماعيل جالسا وهو يخبط يديه فى حبور – الشعر ورانا ورانا.

تابع كساب – خلينا فى الجد…موقفنا إيه ياأفندم؟

قال يسرى – فى خلال 24 ساعة، نجحنا فى الجزء الأول من مهمتنا. تم الإبرار بسلام ونجحنا بدرجة كبيرة فى الصمود ورد تقدم قوات العدو.

تساءل حازم وحبات العرق تنضح من جبهته العريضة رغم برودة الهواء – واضح إن نقطة العدو مازالت صامدة.

هز يسرى رأسه – تقريبا…صامدة ومحاصرة فى نفس الوقت.

هتف عماد كالمحتج – وإحنا كمان محاصرين.

تمتم حازم – عدونا محاصر داخل النقطة وإحنا محاصرون فى أرض مفتوحة. كان المفروض تنتهى مهمتنا وفى طريقنا لبورسعيد أو على وشك.

قاطعه عادل متأوها – إلا كلمة مفروض دى. مرة قلتها فى دورة تدريب وسمعت كلام من المدرب زى السم.

نهض يسرى متمتما – هاأحاول بعد شوية أحقق إتصال بقطاع بورسعيد وأعرف إيه الوضع بالضبط. لكن، فى كل الأحوال مهمتنا ووضعنا هنا جزء لايتجزأ من باقى المهام والتطورات على كل جبهات المعركة. إحنا بعون الله قادرين نتصدى ونصمد كمان.

بعد عدة محاولات تمكن قائد الداورية من تحقيق إتصال بقائد كتيبة المشاة ببورفؤاد. أخبره يسرى بالإشتباك ونتيجته وتوقعاته لتحركات العدو المرتقبة وقرب نفاذ الإعاشة لرجاله.

أخبره القائد أنهم بصدد شن هجوم ثان على النقطة القوية حيث لم ينجح أول مرة.

قال قائد الداورية – نحن صامدون ومتمسكون بمواقعنا ياأفندم .والروح المعنوية عالية بيننا لكن نحتاج إمدادات عاجلة فالعدو يعرف أننا هنا.

لكنه بالتأكيد لايعرف عددنا أو طبيعة تسليحنا. صواريخ الفهد أصبحت قليلة وهى السلاح الرئيسى معنا. وأتوقع أن يعود بقوات أكبر لينتقم على الأقل لخسائره.

– سأبلغ قائد اللواء بالأمر وسنأتى إليكم قريبا.

قضى يسرى تلك الليلة فى نقطة ملاحظته ساهرا حتى الثالثة فجرا حين تسلم منه م.أ.سليمان بالخدمة مكانه.

نام فى موقعه وغطاءه ضلع خيمة إسرائيلى ضمن ماحصلوا عليه من البابة الباتون التى دمروها بالأمس.

تضاعف قلقه فى تلك الليلة عندما قام بمراجعة إحتياطى التعيين لدى المجموعات. علم أن الماء على وشك النفاذ تقريبا وماتبقى من معلبات لايكفى وجبة واحدة لرجاله على الرغم من نظام الإعاشة القاسى الذى إلتزم به الكل.

كان موقنا أن الأوضاع ملتهبة على كل الجبهات كما كان موقنا من شجاعة أفراده وإستعدادهم للتضحية من أجل الوطن.

“قلقا وليس خائفا”. كما أكد لقائده.

فى ذلك اليوم حدثت معركتان فى غاية الشراسة: الأولى بين القوات الجوية الإسرائيلية ووسائل الدفاع الجوى عن بورسعيد. بقى طيران العدو يغير على المدينة منذ منتصف الثامن من أكتوبر وطوال الأيام التالية ودمر الطريق الوحيد الذى يربط المدينة بالمدن الآخرى جنوبا.

كما دمر مواقع الصواريخ وإنشاءاتها حول المدينة لكن وسائل الدفاع الجوى أسقطت للعدو 21 طائرة.

راح مهندسو الدفاع الجوى بتركيب رادارات جديدة وإصلاح أعطال أجهزة القيادة والإنذار خلال الليل.

المعركة الثانية كانت بين لنشات الصواريخ وبعض القطع البحرية الإسرائيلية فى المنطقة بين دمياط والبرلس وأصابت 4 قطعا من التشكيل البحرى الإسرائيلى.

وأيضا فى تلك الليلة، وصل إرتباك قادة العدو أقصاه بل إنهارت قياداته فى بعض الأوقات.

إقترح شارون القيام بهجوم ليلى لإنقاذ من بقى حيا فى حصون نقاط بارليف لكن بدلا من ذلك تم دفع قوة مظلات إلى سدر. بينما كانت الفرقة 18 مشاة قد حررت مدينة القنطرة شرق وأتمت إحتلال جميع قلاع العدو فى نطاق هجومها وعددها 7 قلاع قوية.

أما فى يوم الإثنين الثامن من أكتوبر فقد نشر العدو 3 ألوية مدرعة على الطريق العرضى فيما بين بالوظة فى الشمال والطاسة فى الوسط. مهمتها أن تواصل الهجوم المضاد حتى حافة القناة فيما بين القنطرة والفردان وأن تحتل المعابر الثلاثة التى نجحت قواتنا فى إقامتها شمال البلاح وعند الفردان وفى الإسماعيلية.

نفذت الألوية هجومها فى الثانية والربع عصر الإثنين لكن بمجرد دخول دباباتهم فى مرمى النيران المصرية حتى ذاب هجومهم فى لحظات.

لم يتم دعم مدفعية العدو وطائراته للدبابات كما الخطة.

بينما إستمر عبور قواتنا من الدبابات والأسلحة الثقيلة فى نطاق جيشنا الثالث وتدفقت المعدات والإحتياطيات على المعابر فى نطاق جيشنا الثانى أيضا.

وهذا الذى يتم إنجازه لايعرفه قائد سرية الصاعقة ولايقلل من قلقه.

المثير للدهشة أن أفراد السرية تعودوا بسرعة على الحياة الشاقة على هذا الشريط الضيق من الأرض تحت شمس قائظة شديدة الحرارة نهارا وليل قارص عالى الرطوبة. يقضون ساعات الليل ساهرين يقظيين فى حفرهم لايعرفون سوى نوم متقطع قلق ينحسر لمجرد كلمة أو حركة. لايأكلون أو يشربون إلا بحساب شديد وغالبا لايفكرون إلا متى ستكون الشهادة؟

الساعات تمضى بطيئة.

والعدو يحشد قواته من من دبابات ومشاة ميكانيكى ليفتح بها الطريق إلى الحصن الشمالى  والذى تغلقه مجموعة من القوات الخاصة المصرية لايعرف حجمها بالتحديد.

عند الساعة العاشرة قام يسرى وطاقم المهندسين العسكريين بنقل حقل الألغام للأمام حوالى 100 متر بعد الدبابة المدمرة ليصبح على مسافة 200 متر من الحد الأمامى . وتم رصه بشئ من الخداع حتى يدمر على الأقل دبابتين إذا ماحاول الهرب بعد ذلك.

قام أيضا بتحقيق إتصال آخر مع قائد كتيبة المشاة ولم يتأكد من حدوث هجوم وشيك على النقطة بعد.

كانت الساعة تقترب من الثانية بعد ظهر الإثنين 8 أكتوبر حين قرر قائد الداورية فحص الدبابة المدمرة. إصطحب معه جندى حامد عيد (من سلاح الإشارة) وراحا معا يفتشان الدبابة بدقة شديدة.

عثرا على رشاش قصير عوزى ونظارة ميدان وبوصلة وطبنجة إشارة وبطاطين كلها جديدة وأدوات شخصية وخزن للرشاش وشنط صغيرة بالإضافة لكمية وافرة من المعلبات المحفوظة ضمنها علب خيار مخلل.

أعطى يسرى الرشاش وطبنجة الإشارة لرقيب أول عجاج ليحتفظ بها والأكولات يوزعها على المجموعات.

حل مساء الإثنين بدون حوادث أو إشتباكات ولم يكن هناك مايشير لقيام الكتيبة فى بورسعيد بالهجوم على الموقع القوى للعدو.

ظل يسرى ساهرا حتى الثانية والنصف بعد منتصف الليل. سمح لنفسه بسيجارة لأول مرة منذ 5 أكتوبر. فرد بطانية إسرائيلى فوق جسده وغامره إحساس غريب حاول تجاوزه ليغفو. ترك الخدمة  مكانه لملازم أول سليمان .

عندما قاربت الساعة الثالثة والنصف من صباح الثلاثاء التاسع من أكتوبر وبينما الهدوء يحيط بالموقع، شق السكون أصوات إنطلاق قذائف

المدفعية. هب الرجال من رقداتهم وأسرعوا بالإختفاء فى حفرهم والأرض ترتج حولهم من عنف الإنفجارات.

علا وتوالى الصوت المكتوم منذرا بمزيد من القذائف ثم إرتفعت أعمدة الغبار وتهدمت جوانب الحفر ومزقت الشظايا شكاير الرمل فوق رؤوس الرجال.

توالى القصف المخيف بلا هوادة وتخلله سقوط قذائف مضيئة تحيل ظلمة الليل إلى نهار.

إقتنص قائد الداورية ثوان فى الفاصل الزمنى بين إطلاق القذائف وأخرج رأسه ليعرف مدى تأثيرمايحدث على نقاط إختباء المجموعات. كاد قلبه ينفطر لما رأى من دمار فى كل شبر بالموقع.

فى أقل من ثانية سقطت دانة دبابة بجواره على مسافة مترين أسقطت فوقه دعامات الخشب من حفرته فخفض رأسه على الفور.

لم يكن يعرف أن فجر هذا اليوم سيكون أقسى ماكان يتوقعه.

كم تمنى لو إستطاع أن يخطو فى تلك اللحظة نحو مواقع الفصائل أو يصرخ فيهم فيجاوبوه.

لحظات لم ولن ينساها من عاشها من هؤلاء الأبطال.

توالى سقوط القذائف المضيئة وإنطلاق صفير الدانات وإنفجارها بلا هوادة قرابة الساعة والنصف. إلتصق كل فرد بقاع حفرته لايعرف إن كان هناك هواء لنفس آخر ونهار آخر؟

توقف القصف فى حوالى الرابعة والنصف فنهض يسرى من مكانه وإتجه لموقع الفصيلة الأمامية .

لحق به الجندى رجب عبد الاحد جزعا – ملازم أول إسماعيل مصاب فى رجله ورقيب عبد الكريم مابيردش عليا وجندى حامد عيد مصاب فى رجله كمان.

هرع قائد الداورية نحو موقع فصيلة م.أ.إسماعيل وباقى الرجال يراقبونه من داخل حفرهم. كلهم قلوب واجفة تعصرها دوامة صمت قاتل دامت ثوان.

لم يكن هناك شك أن الحفر البرميلية تهشمت تماما وخرج باطن الأرض عشوائيا من عنف الإنفجارات.

الحقيقة المفزعة أن م.أ.إسماعيل يرقد أمامه جثة هامدة.

لايصدق ماحدث. لكنه حدث.

قبل يسرى جبين زميله ورفيقه وأغمض عينيه فى لحظة عصيبة لن ينساها مهما رأى فى عمله المضنى. أشفق على رجاله وهم يرمقونه بعيون ملتهبة بالغضب والأسى والوجع.

صاح رقيب صفوت دوس بصوت مشروخ – رقيب عبد الكريم إستشهد ياأفندم وجندى حامد….

خطا يسرى نحو حفررجال المراقبة وقد تهدمت فوقهم بدعائمها من شكايررمل وأخشاب.

رقيب عبد الكريم رقد جثة هامدة أما جندى حامد فنادى بصوت ضعيف “يسرى …تعال شوف رجلى فيها إيه؟ أنا حاسس إنها تعبانة”

كانت آخر كلماته.

لحظات كالدهر والكل يحدق فى قائد الداورية.

هتف عريف أحمد جابر بأسى – ربنا يرحمهم جميعا…أكيد كانوا بيحاولوا يخرجوا من الحفر وهى بتندك عليهم.

أقبل ملازم أمين محذرا – صواريخنا كلها إتدمرت وباقى أربعة منهم بس وجندى حموده درعم مصاب فى كتفه.

إندبت الكلمات فى قلب يسرى كالنصل الحاد لكنه نزع فتيل عواطفه وإبتلع إنفعاله وإستعاد نفسه بعد جهد.

نطق بصوت مبلل بدمع داخلى ينشع فى نبرته المتحشرجة – إنتم مش محتاجين أقول لكم إننا فقدنا رجالا أبطالا زى الألماظ. عشنا مع بعض وبقينا أكتر من الأهل…فى حته من كل واحد فينا جواهم، فى قلوبهم وإستشهد معاهم . ربنا برحمته الواسعة يتقبلهم فى فسيح جناته. إحنا فدائيين وعارفين كده كويس والإحتمال وارد إن أى واحد مننا ينول الشهادة مثلهم تماما. ده ثمن غال وإحنا مدركين إننا بندفعه وهاندفعه علشان بلدنا تعيش حرة.

توقف لحظات ثم أكمل وصوته أقرب إلى البكاء – ضرب مدفعية العدو بالشكل العنيف ده عاوز يكسرنا ويدفعنا للإستسلام. ده لن يكون. معقول رجالنا يستشهدوا قدام عينينا ونستسلم!؟

خيم على الرجال صمت مهيب كئيب غريب مغموس بقسوة الموت والحياة والطبيعة. كل منهم يسترجع فى خاطره ماذا دار بينه وبين الشهداء منذ عدة ساعات …كلماتهم، ضحاتهم وصلواتهم.

الخسارة جسيمة…

ثلاثة شهداء ،

خمس مصابين ،

تدمير صواريخ الفهد بقواعدها على الأرض ماعدا أربعة ،

نفاذ التعيين.

رفع قائد الداورية رأسه وصاح بثبات – رجال صاعقة…فى اللحظة دى فى أبطال كتير دفعوا حياتهم علشان الوطن…وأبطال زيكم صامدين بيدافعوا عن كل موقع. إنتم كنتم فى المقدمة والحرب مازالت دائرة. إللى راح مننا هم أغلى شباب وعلشان دمهم مايروحش هدر لازم نصمد وندافع عن أرضنا.

قال عريف أحمد جابر وهو يدارى ألمه – كلنا فداء الوطن يأفندم لآخر رجل فينا. العدو عمره ماهايكسرنا.

تساءل رقيب أول عجاج  وقد نم وجهه عن الجدية – إيه خطتنا الآن ياأفندم؟

– أتوقع إن العدو هايرجع تانى فى الساعات القادمة وبالتالى ضرورى نطور الموقع بسرعة. نغير موقع الفصيلة الأمامية وننقلها إلى الخلف وتصبح الخلفية فى المقدمة. كمان ننقل مواقع الهاونات والصواريخ والألغام الباقية قبل أول ضوء.

تحرك كل الأفراد مع قائدهم فى تنفيذ المهام التى قصد بها تحسين أماكن خنادقهم ودفاعاتهم بكل وسيلة متاحة تحسبا لكل الإحتمالات. وأيضا إندماجهم معا فى عملية إشغال فورى ليتزودوا بجرعة طاقة بدنية ومعنوية قوية تعينهم على قسوة الظروف.

إنغمس الرجال فى العمل تماما تجتاحهم مشاعر الأسى والغضب والحماس وإنتهوا من الأعمال المطلوبة فى نصف ساعة فقط.

فى حوالى الخامسة صباح الثلاثاء التاسع من أكتوبر، نجح جندى الإشارة بعد محاولات مضنية من تحقيق إتصال مع قائد الكتيبة فى بورسعيد.

أخبر يسرى قائده بتفاصيل الإشتباك وموقف السرية.

قال قائد الكتيبة – منذ قليل صدق قائد القطاع على أوامر إرتدادكم وعليك أن تأخذ طريق الملاحات.

– أتوقع أن العدو بيراقبنا وبيرصد خطواتنا وغالبا سيهاجمنا فى الساعات القادمة وبناء على ذلك سأنفذ خطة الإرتداد مع آخر ضوء.

– تدبر خطة الإرتداد كما ترتبها فى ضوء ظروفك و وموقفك على الأرض.

– هل الظروف تسمح بإن تغطى المدفعية إرتدادنا؟

– سأحاول تدبيرذلك.

جاءت اللحظة الأقسى.

قام قائد الداورية ومعه رقيب أول عجاج وجندى الدواش ورقيب مبروك بدفن الشهداء فى مواقعهم فى الثامنة صباحا. مع كل منهم خوذته ثم أهالوا فوقهم الرمال حتى لاتبين كعلامات إشارية للعدو.

وجاءت اللحظات الأصعب.

بلغ التعب والحر والعطش مداه.

إقتسم قائد الداورية وملازم أول سليمان وجندى الإشارة صقر وجندى درعم وجندى رشدى من إشارة الهاوتزر علبة مكرونة إسباجيتى إسرائيلى واحدة بينهم ولاماء يرطب حلوقهم الجافة منذ الأمس.

فى حفرهم صامدون ينتظرون الجولة التالية.

فى حوالى الثانية والنصف بعد الظهر،أعطى أفراد المراقبة تحذيرا بتقدم قوة كبيرة للعدو تسبقها سحب غبار ممتدة من كل إتجاه.

عندما صارت المسافة حوالى 2 كم تبين أن القوة تتكون من 8 دبابات و6 عربات نصف جنزير وحوالى سرية مشاة.

لقد طار صواب العدو وهاهو يحشد إمكانيات ضخمة من دباباته ومشاته الراكبة تؤازرها المدفعية والهاونات لإيقاف هجوم أى قوات مصرية على هذا الطريق الساحلى. فى هذا الوقت بالضبط، لايستطيع أن يحدد حجم قوة الصاعقة التى تقف حائلا بين إمداداته وبين نقطته الحصينة شرق بورفؤاد.

تقدمت العربات المجنزرة وبدأت فى إطلاق قذائف الهاون أمام الموقع القديم أعقبه تساقط الدانات والإنفجارت التى أحالت ماكان موقعا للفصيلة الأمامية إلى حفرة عميقة غائرة فى عمق الأرض فى ثوان.

طارت الشظايا فى كل مكان وسقطت دانة بجوار قائد الداورية بمتر واحد. إهتزت الأرض بعنف وردمته الرمال قبل أن يتحرك.

جاءت آخرى عن يساره وأحس بالألم يفكك عظامه من ضغط الهواء. تأكد أن القرار الذى نفذه بإخلاء الموقع الأمامى من الرجال ونقله للخلف إنما كان حدسا صائبا بتوفيق من الله. كما كان تأمين أجناب الموقع وتمويه حفر الأفراد بآثار الإنفجارات السابقة من شكائر ممزقة مفيدا مع إحتمال إقتحام الموقع الوشيك.

ساد المنطقة ظلام كثيف وملأ الدخان المكان تماما.

بين وقع الإنفجارات، تبين يسرى صرخة قريبة منه.

زحف بحذر نحو جندى الإشارة صقر على يساره بخطوات فوجده ينزف من شظية فى كتفه الأيسر فأخذ مكانه.

خاطب م.أ.سليمان – حاول تتصل بمدفعيتنا فى بورسعيد؟

– هاأحاول تانى.

بعد قليل جاءت قذائف مدفعيتنا من خلفهم وفرح الرجال بذلك وإرتفعت ثقتهم كثيرا فى قدرتهم على المواجهة والصمود فى مواقعهم. لكن أصوات مدافعنا لم تستمر طويلا كما سقطت معظم القذائف فى البحر.

إستمر رتل الدبابات والعربات المدرعة فى التقدم بينما قصف دبابات العدو ومدفعيته مستمر على الموقع الخالى.

رفع يسرى رأسه بسرعة حين علا صفيرإنطلاق الدانات يرقب المشهد بنظارة الميدان.

جاءه صوت ملازم جمعه – مستعد ياأفندم…أفراد العدو بينزلوا من المركبات.

– أنا شايفهم. إحبس نيران الأسلحة عندك وإنتظر الأوامر وإنت مستعد.

إشرأبت فوهات المدافع وإشرأبت معها رؤوس المقاتلين بين دوى الإنفجارات يترقبون أوامر الإشتباك. بوسع كل منهم أن يسمع زفرات أنفاسه.

هدأ قصف المدفعية وأخذت الدبابات الزاحفة تصب نيرانا مباشرة مركزة على الموقع حتى جاوزت الساعة الرابعة.

عندما وصلت عربات المشاة على مسافة 200 متر من الموقع توقفت.

صار واضحا لقائد الداورية وقادة الفصائل أن العدو ينوى إقتحام الموقع بقوات المشاة المترجلة.

وقفت المركبات على يمين التبة الرملية أمام الموقع ونزل أفراد العدو يتحركون وثبا فى مجموعات صغيرة تحت ستر الدخان وأسلحتهم نحو خنادق الرجال. ثم إتخذوا مواقع لهم أمام الموقع الخالى.

خاطب يسرى قادة المجموعات – كل الفصائل فى وضع إستعداد…  نسيبهم يتحركوا لحد مايدخلوا فى مرمى النيران. وهم على مسافة 100 متر نصطادهم بالأسلحة الصغيرة والقنابل اليدوية.

هتف ملازم جمعة – بعض العربات تتقدم….نتعامل معها بالصواريخ ياأفندم؟

– ضرورى نتأكد من إصابة أى هدف.الصواريخ الباقية لازم نحافظ عليها.

راحت عربات العدو التى تقدمت نحو الموقع تطلق مدافع الهاون وتساقطت قذائفها فى المسافة بين أفراد المشاة الرابضين وبين الموقع الخالى. غمرت المكان سحب كثيفة رمادية تحجب تفاصيل الموقع وإندفع أفراد العدو محتمين بالدخان يقتحمون الحفر الخالية من الرجال بالقنابل والرصاص وصراخهم بالنشوة يصل للقابعين فى حفرهم القريبة.

بكل خبراتهم القتالية ينتظرون أن يقفز فوقهم رجال العدو يختبر شجاعتهم وجها لوجه.

بينهم وبين الموت لحظة.

لكنها فرصة نادرة لن تتكررلينتقم كل منهم لرفاقه وأسرته ومدينته ووطنه الجريح. إن لم يقتلهم سيقتلوه. وإن نجح فى قتلهم قد يعود لأهله ويحكى لأولاده يوما ماحدث من أجل تراب الوطن.

ماذا بعد الموت!؟

هل يموت الإنسان مرتين!؟

إنها مرة واحدة وميتة واحدة.

مافائدة الحياة بلا وطن؟

منذ ساعات إستشهد أغلى الرفاق.

وبين أصابعهم لحظات فارقة لاتقدر بثمن.

لقد أقسم قائدهم أنه سيصفى بيديه على الأقل 15 فردا حق رجاله الثلاثة وعلى الآخرين أن يزيدوا. قال أنهم أشجع وأكثر جسارة من عدوهم الجبان ولابد أن يثبتوا ذلك لأنفسهم بأنفسهم. لن تأتى لكم فرصة آخرى للإنتقام من هؤلاء الأوغاد. نقاتل ونموت حتى لانكون شعبا من اللاجئين فى أى صحراء أو شواطئ أو منفى. يقينا ربنا معنا وهاينصرنا. خليكم متأكدين من ده. خلينا نموت بكرامة.

تمم كل منهم على ماحوله ومابين يديه من سلاح. أرهف السمع لأوامر قائده. هاهو الهدف يقترب. لو أن ثقتهم فى قائدهم مهتزة لربما تهور بعضهم فى تلك اللحظات وفعلوا ماقد يؤدى إلى هلاكهم جميعا.

برغم ذلك فإنهم قلقون من آى تأخير أو ضياع لفرصة العمر.

أمامهم أفرد مشاة العدو وقد تجمعوا فوق التبة الأمامية بعد أن أكتشفوا هجومهم على موقع خال. وقفوا يفحصون الأفق بحثا عن وحدة الكومانذز المصرية تارة من ناحية الملاحات ثم من ناحية البحر.ثم إنتشروا فى المكان وقد تخففوا من الحذر وربما إعتقدوا أن القوة المصرية قد إنسحبت.

واصلوا الإقتراب فى حيرة من حفر مهدمة خالية وصمت لاينبئ عن مقاتلين قادرين على مناوشة أو قتال.

فى أقل من الثانية ، إرتفعت رؤوس رجال الصاعقة فوق الحفر المخادعة (المموهة) وفتحوا النيران الشديدة تحصد أفراد العدو الذين شلتهم المفاجأة. تساقطوا تحت عنف الرصاص من كل الجهات بلا هوادة.

حدث هذا فى سرعة فائقة.

كم تمنى قائد الداورية لو أدركت كتيبة المدفعية فى بورسعيد مايدور وصبت نيرانها طويلة المدى على قوة العدو وصفتها نهائيا. لكنه هنا مع رجاله يلحقون بالعدو أكبر خسائر ممكنة بإمكانياتهم المحدودة.

فى لحظات قليلة كان يرقد أمام موقع الداورية الأمامى أكثر من 30 فردا من أفراد العدو بين قتيل وجريح.

إختبأ منهم من نجا فى الحفر التى تمتلئ بها التبة الأمامية. ومضى بعض الوقت قبل أن يتقدموا تحت ستر قذائف الهاون محاولين الإلتفاف على الموقع وإقتحامه من جهة اليمين (الملاحات).

فجأة توقفوا إثر صيحة عالية من أحد جنودهم مشيرا إلى الموقع الحقيقى للداورية.

إنتهز الفرصة الرقيب طه حسون ورفع رأسه يلقى نظرة سريعة وفتح رشاشه على سبعة أفراد يسترون تقدم المجموعة.

إنتبه أفراد العدو لمكانه وفى ثوان إختلطت صرخته بصرختهم.

نزع فتيلة الأمان وألقى قنبلتين على الأفراد الذين إندفعوا نحوه محاولين أسره لكنه حصد إثنين منهم وتلقى طلقاتهم فى صدره.

أسرع عريف صادق صلاح فى حفرته التأمينية لذلك الجانب بقنبلة وقذفها على أفراد العدو وهم يندفعون نحوه فإنفجرت تحت أقدامهم وإنهمرت طلقات العدو نحوه مباشرة. وقبل أن يسقط أفرغ ذخيرته كلها فى صدور أفراد العدو.

أدرك يسرى أن موقف رجاله فى الجانب الأيمن صار بالغ الحرج والخطورة حيث هجمات العدو المباشرة ستعزلهم تماما فصاح فى ملازم محمود كساب لينتبه.

راح الضابط وبجواره جندى عبدالله السليمانى بسرعة فى التعامل معهم حيث تراجع أفراد العدو هاربين خارج الموقع تحت حماية ثلاثة منهم أخذوا يوجهون النيران نحو حفرة قائد الداورية.

فى ذات اللحظة إرتفع عريف تادرس وأطلق النار عليهم كالسيل الجارف. إرتد الباقون نحو التبة التى يحتلها باقى أفراد السرية فى مناورة تهدئة.

إنتظم قصف مدفعية العدو عنيفا مرة آخرى يدك جنبات الموقع الصامد ورؤوس الرجال تختفى لترتفع بعد أن يدوى الإنفجار.

عاودت مجموعة من أفراد العدو تقدمها ليسحبوا جثث قتلاهم وهم يطلقون النار بغزارة على الموقع الأمامى. لم يتمالك عريف راضى عيسى فى المجموعة الأمامية فصوب رشاشه نحو أحد أفراد العدو يحمل جهازا لاسلكيا فوق ظهره ويوجه نيران المدفعية نحو الموقع بمن فيه. إنهالت طلقات العدو حوله غزيره عشوائية وطائشة. أصابت إحداها عريف مفرح إصابة سطحية.

تبين ليسرى من بين بقايا الدخان أن العربة المدرعة تتقدم من خلف التبة فصاح – صاروخ فى التبة ياأمين.

أطلق الرقيب صفوت دوس صاروخا نحو العربة فإنفجرت إنفجارا مروعا بمن فيها وهرب منهم من إستطاع.

لولا هذا الصاروخ لكان الموقف قد تغير تماما بالنسبة لقيادة الداورية. حيث أن دبابات العدو كانت على وشك التحرك وخلفها باقى المجنزرات لتصل إلى موقع الداورية تسويه بالأرض وتأسر الأحياء من رجاله.

لم يعرف يسرى أن هذا الصاروخ هو الآخير فى الموقع.

توقفت الدبابات والعربات وإستدارت  تتحرك إلى الخلف خوفا من جحيم الصواريخ التى نفذت بالفعل.

بعد قليل عاد القصف بالمدفعية والهاونات.

قاربت الساعة السادسة وبدأ قرص الشمس الدامى يغوص تدريجيا نحو الأفق.

إتخذ قائد الداورية قراره بالإرتداد عن طريق الملاحات.

لم يعد بوسع سرية الصاعقة أن تحدث خسائر أكثر فى صفوف العدو بعد نفاذ الذخيرة. لقد صمدوا ثلاث ليال فى عمق دفاعات العدو وأدوا واجبهم على أكمل وجه. وربما كان الأفضل أن تسقط نقطة العدو وتتصل به قواتنا لكن هناك معركة كبيرة على كل الجبهات وعليه أن يعود برجاله للقيام بمهمة جديدة.

هذا واجبه. لابد من محاولة العودة لقواتنا. مهما حدث لن تكون العاقبة أسوأ. فالعدو يحصى قتلاه وخسائره الآن وستأتى طائراته الهليوكبتر قادمة من مطار بالوظه القريب لتنتقم وتبيد أفراد السرية رجلا رجلا.

خرج يسرى من حفرته بعد إنفجارإحدى قذائف الهاون على مقربة وأسرع نحو موقع ملازم سليمان وأخبره بخطة الإرتداد – سأبدأ بسحب فصيلة الخلف (فصيلة الشهيد مدبولى) وفصائل الأجناب وفصائل رص الألغام والهاونات وأتجه ناحية الغرب مع الإلتفاف من حول النقطة القوية إلى الجنوب قليلا ثم الغرب ثم الشمال الشرقى إلى مواقعنا. بعد نصف ساعة عليك أن تسحب الفصيلة من الأمام. قل للرجال يتخففوا من حمولاتهم قدر الإمكان. عند حدوث إنفجار القذائف يندفعوا بكل قوة نحو الملاحات وأول مايسمعوا صوت صفير الدانات يرقدوا على الأرض.

ربنا معنا.

بعد دقائق كرر نفس التعليمات للرقيب مبروك – قل للرجال يتركوا كل شئ عديم الأهمية وتفرقوا فى إرتدادكم  حتى لايصطادكم العدو.

بين قصف النيران والإنفجارت، دفع يسرى بجنوده (47) فى مجموعات صغيرة داخل الملاحات وترك فى موقعه رقيب مبروك فى الموقع الخلفى وملازم أول سليمان فى الموقع الأمامى يؤمنان خروج باقى أفراد السرية.

على أن يستر مجموعات الإرتداد خمسة رجال: رقيب على عبد الجبار، ملازم محمود كساب، جندى حسن علوان ، جندى خيرى بركات و عريف حنفى نعيم.

كان على أفراد تلك المجموعة أن يطلقوا دفعات من النيران بين فترات متقطعة على الموقع الذى يحتله أفراد العدو حول التبة إثباتا لوجود القوة المصرية  صامدة تدافع عن الموقع.

كانوا أبطالا ومشروعا لشهداء يدركون فى تلك اللحظات خطورة مهمتهم وعظمة التضحية من أجل ستر خروج الباقين فى طريق الإرتداد. كل منهم يدرك أن الموت أقرب له من مجرد فكرة النجاة بنفسه لكن روح الفداء تجب المنطق . كلهم شربوا من نهر الوفاء الراسخ فى الوجدان على مر الأزمان ليتجلى فى تلك المواقف الأسطورية.

أشرف الرجال رهبان متصوفة فى أسمى لحظة صدق بين الحياة والموت وإنكار تام للذات. كان عليهم أن ينتظروا نصف ساعة فى حفرهم قبل أن يتحركوا نحو الملاحات.

ياللدقائق والساعات عندما تبدو وكأنها دهورا بطيئة الخطوعلى الرجال فى إرتدادهم والباقون يسترونهم.

عندما بدأت أول مجموعة فى عبور المسافة القصيرة بين الطريق والملاحات إشتد قصف مدفعية العدو وتوالى سقوط القذائف داخل الموقع وحوله.

هل إكتشف العدو نية الرجال ؟

إستمرت مجموعة ستر الإرتداد ترسل نيرانها مصحوبة بقذائف آربى جى  على فترات متقطعة بينما الآخرون يندفعون نحو الملاحات.

فى مكان ما من الأرض المصرية، غاص الرجال بين كتل السبخ والملح تحت وحشة الظلام وإنفجار القذائف تطاردهم. تسرى برودة المياة فى أجسادهم المنهكة بلا نوم أو طعام أو ماء.

مع حلول الظلام هدأ قصف العدو قليلا.

فكر الرقيب عبد الجبار بأن الوقت مناسب ليخرج نحو الملاحات فقد مضى بعض الوقت على بدء عودة رفاقه. ولم يعد معه بالفعل سوى عدة طلقات. نهض من حفرته وزحف ملتصقا بالأرض نحو الحفرة التى على يساره بحرص وهدوء حتى لايثير أى إنتباه. إنحنى برأسه ينادى بصوت متحشرج من جفاف حلقه – فينك ياوحش مصرى..؟

لم يجبه أحد فمد يده يهز كتف زميله داخل الحفرة – باأقولك فينك ياوحش مصرى؟

فوجئ بأن الجسد الذى يهزه قد فاضت منه الروح وصار جثة هامدة.

مال بنصفه العلوى داخل الحفرة ورفع الرأس المسجى فوق سلاحه. طالعه وجه ملازم محمود كساب وقد اصيب برصاصة فى جبهته.

مسح بأصابعه على الجسد الدافئ وربط على قلبه بكل ماأوتى من قوة قبل أن ينفرط وجعا. أغلق العينين الضاحكتين لضابط يخوض أول وآخر معركة فى حياته.

خيل إليه لثوان أن ملازم كساب سينهض بعد لحظات من رقدته وينبهه للخطر الماثل حولهم لكنه لكز نفسه وتحرك نحو باقى الحفر الآخرى والتى كانت النيران تنطلق منها نحو مواقع العدو منذ قليل.

قبل أن يصل إليها سمع وقع أقدام تتجه صوب البحر.

تعجب من ذلك فطريق البحر لم يكن ضمن خطة الإرتداد أبدا . لكن هذا ماساور البعض. تقدم بحذر وكل ما يرجوه من ربه هو أن يكتم مدافع العدوقليلا حتى يقطع المسافة بين الموقع الأمامى والخلفى  بعيدا عن متناول أسلحته فى أمان ويختفى داخل ظلام الملاحات.

قطع المسافة وهويشعر بأنه يعيش فى الوقت الضائع وقبل أن يصل إلى الملاحات طار السكون وإنشطر بنصل إنفجارات قذائف متلاحقة ترج الأرض حوله. إنبطح بسرعة وأخفى رأسه تحت كومة رمال وبقايا مخلفات بالقرب منه. بقى زمنا يحصى الدقائق والإنفجارات وحمد ربه حمدا كثيرا فقد سقطت معظم القذائف بعيدا عنه وداخل الملاحات. فى نفس الوقت ساوره مزيد من القلق على زملائه وفرصة نجاتهم ونجاته بإتخاذ نفس الطريق.

راودته فكرة الذهاب نحو البحر بقوة لكنه خمن أن بدنه المكدود لا يتحمل عنف الأمواج وربما لن يهتدى للشاطئ بمفرده أبدأ.

بقى يحصى دقات قلبه مع كل ثانية تمضى وعيناه مثبتتان على الأفق الملتهب. هب من مخبئه فى حذر وقبل أن يندفع مسرعا ناحية الملاحات تعثر فى جسم صلب فسقط بين ركام الحفر والشكائر الممزقة لكنه نهض وخطا بعيدا. حدثه قلبه بأن يعود أدراجه ويتأكد من شئ لامع لفت نظره فى تلك البقعة.

جمد الدم فى عروقه للمرة الثانية فى تلك الساعة البغيضة وهو يحملق فى جثة زميله جندى حسن علوان قابضا على رشاشه بلا حراك. برزت عيناه بعد إصابته بشظية فى رقبته وسالت دماؤه غزيرة فخضبت ملابسه تماما.

لم يعد هناك أدنى شك أنه صار بمفرده فى الموقع فتملكه القلق من خطرمضاعف يترصده فى مكان موحش  خالى الآن من الرفاق.

قبل رأسه زميله وأغمض عينيه وقام مهرولا فى طريق الملاحات وهو يسترجع فى ذهنه المبعثر ماسمعه من قائده عن خطة السيىر فى طريق العودة.

لم يكن هناك وقت بأن يشعر بشئ سوى الخوض فى وسط الملاحات برغم إنفجار القذائف حوله. ترك ساقيه اللتين لايعرف سوى أنهما تتحركان بطريقة أتوماتيكية كيفما إتفق تناوران المياه المشبعة بالملح.

مع بزوغ فجر الأربعاء العاشر من أكتوبر سقط رقيب على عبد الجبارمغشيا عليه بعد أن خارت قواه وضل طريقه لبضعة ساعات.

عندما فتح عينيه وجد نفسه محاطا بعيون ترقبه فى صمت وفى شبه إفاقته لايميز إن كانوا مصريين أم إسرائليين.

طرق أذنه صوت يقول – حمدالله على سلامتك يابطل…تشرب شاى تقيل مع فطورك؟

إعتدل فى مكانه وكادت فرحته تقفز به إلى عنان السماء وقد أدرك بما لايقبل الشك أنه فى أحد المواقع المصرية بعد ليلة عصيبة فى الملاحات.

الفكرة التى راودته عند مغادرة الموقع بإتخاذ سبيل البحر فى الإرتداد هى التى تدبرها كل من جندى خيرى بركات وعريف حنفى نعيم من رجال مجموعة تأمين الإرتداد فيما بينهما.

نبتت فكرة البحر فى ذهن جندى بركات مصادفة وهو يتحرك حذرا ممسكا بيد عريف نعيم فى خطوات محسوبة نحو الملاحات. برقت فوق رأسيهما قذائف العدو متلاحقة فى إتجاه الملاحات فتوقفا.

هتف جندى بركات – طريق البحر أسلم يالا بينا.

– بينا على فين؟

– نرجع بورفؤاد من البحر.

– اشمعنى؟

– العدو بيضرب على الملاحات يبقى البحر أسلم.

– الله يرضى عليك وعلى أهلك…أسيب هلاك الملاحات لهلاك البحر!؟

مرقت قذيفة على بعد أمتار فإندفع بركات مسرعا نحو البحروهو يلهث – هلاك هنا وهلاك هناك يالا نتوكل على ربنا وبلاش تضييع وقت.

إندفع خلفه عريف نعيم وهو يدارى فزعه – أنا بأتعب بسرعة مع موج البحر.

بنظرة عطف أخوى أجاب بركات – أتحرك ورايا وإتعلق فى هدومى لما تتعب. أنا سباح درجة أولى إسكندرانى من رجالة الحضرة.

تساءل نعيم فى رهبة – ولو تعبت قوى هاأغرق منك.

– إطمئن. ورحمة جدودى وجدودك هاأشيلك على أكتافى. إمشى على رجليك لحد عمق المياه مايصل لرقبتنا وبعد كده نبدأ العوم.

– يعنى إنت شايف….

قاطعه بركات فى عصبية ظاهرة – من فضلك إمشى من غير كلام وقول يارب. هو بس إللى هاينجينا.

قطعا شوطا طويلا داخل المياه ولطمتهما الأمواج ووقعا فى حفر كثيرة وتمكن بركات من سحب رفيقه فترات طويله حتى حل بهما التعب وإمتلأت معدة العريف بالمياه.

هتف كالمستغيث – إسمع….البنزين خلص وروحى على وشك تطلع وذنبى هايكون فى رقبتك.

– ياراجل إجمد حبتين.

– تلاقيك إنت كمان هلكان وبتقاوح. خلينا نطلع على الشط نستريح شويه ونرجع تانى. يالا… الله يرضى عليك.

رمى الإثنان ببصرهما نحو الشاطئ البعيد وبدت لهما كتلة أرض مرتفعة وسط طوفان الظلام والأمواج.

همس نعيم فى قلق – ياترى هانقع فى إيدين الإسرائليين؟

– ربنا يستر.

إقتربا من شبح الأرض وعندما إطمأنا لخلو المكان من البشر خرجا  وهما يرتجفان من شدة البرد والإجهاد.

وقفا لحظات يتلفتان حولهما فى ذلك الظلام الدامس المصحوب بسكون كئيب لايقطعه سوى هدير الأمواج وصفير الهواء وعلامات إستفهام تحوم حولهما عن مصاعب ومخاطر بلا حدود.

بعد خطوات قليلة إصطدما بسور من السلك الشائك.

هزعريف حنفى رأسه منزعجا – إحنا باين جينا لعدونا برجلينا.

– حتى لو ده حقيقى…ممكن نستريح ساعة هنا ونرجع نكمل سباحة قبل أول ضوء تانى. قال ذلك ورقد على الأرض وهولايصدق أنه حى يتنفس. فى حين راح نعيم يتلمس طريقه بحذاء السور الشائك وقد أخذت عيناه تألفان الظلام شيئا ما.

عاد بعد دقائق يوقظ زميله قبل أن يستسلم للنوم – قوم معايا..فى فتحة فى السور وراها عشة ممكن نروح نفتشها ولو أمان ننام فيها.

بنصف إنتباه ونصف يقظة سأل – قصدك عشة صيادين فى المكان ده؟

بطرف شارد أجاب – مين يعرف؟ زى ماإنت شايف مافيش ريحة مخلوق حوالينا.

تبعه بركات يجرجر كتلته الممكدودة.

عاون كل منهما الآخر على عبور تلك الفتحة حتى إقتربا من كشك صاج

على بعد أمتار. دارا حوله حتى وجدا الباب مفتوحا.

لم تمضى لحظات حتى غرق الرجلان فى نوم عميق دون أى حسابات بعد ثلاث ليال من اليقظة المشبعة برفيف الموت الخاطف مع ذرات الهواء فى كل شبر.

بعد ساعات سالت أضواء الشروق حولهما حانية ثم منزعجة ومدفوعة بحب الإستطلاع تتأمل كائنين مشعثى الشعر منتفخى العيون فى لباس الجند.

هل يبلغا برالأمان؟

إنتفض عريف نعيم جالسا وهو يتساءل إن كان بعد حيا وينزلق فى بطن كابوس متوالى الكوارث أو أنه صعد إلى العالم الآخر منذ زمن.

فتشت عيناه عن مصدر أصوات قريبة فتبين أنها تأتى من خارج الكشك.

أطل متوجسا وندت عنه آهة فزع.

كيف؟

صار فى كامل وعيه الآن وقلبه يخفق فى رهبة فزع أخيرة قبل أن يتوقف.

ياربى.

هذا مالم يستطع أحدهما أن يخمنه فى عتمة الليل.

تحول ناحية زميله وأخذ يهزه وهو يتمتم – قوم شوف يابطل دخلنا المصيدة برجلينا.

هب بركات وإنتبه على الفور. إقترب من فتحة الباب ورمى ببصره فرأى عددا من الجنود الإسرائليين فوق برج المراقبة على بعد أمتار.

فكر فى مداعبة رفيقه لكن كآبة الموقف صدمته وصدت نفسه فطوى خوفه الجاثم – ولايهمك ياحضرة العريف …زى مادخلنا  فى هدوء هانخرج تانى وربك الكبيرقاعد فوق يدبرها ويعمى عيونهم عننا. يالا قول يارب.

قال نعيم بصوت خافت – يارب. الحقيقة لم اتصور أن نيجى هنا بمزاجنا.

غمغم بركات فى ضيق – هو إحنا كان عندنا إختيار غيرإننا نبقى فى الميه طول الليل وده كان فعلا هلاك.

زحف عريف نعيم ثانية قرب الباب وأخذ يتأمل المنظر – حلاوة الجنود الإسرائليين وإحنا معهم داخل النقطة القوية. بسلامتهم بيلفوا حوالين برج المراقبة ومعاهم كلاب حراسة…شايف منهم 10 وخمس كلاب. يالا عمر لى المدفع بسرعة وسيبنى عليهم.

إقترب منه جندى بركات – عاجبك منظرهم؟

– جدا. ناقصنى  كام مدفع وكام صاروخ وكام قنبلة ومزاجى يروق على الآخر.

رد متهكما – الأول نخرج من هنا ونعوم لحد مانوصل بورفؤاد نجيب الذخيرة المطلوبة ونرجع أنا وأنت نخلص عليهم براحتنا. معقول!؟

ضحك العريف غصبا عنه ولكز زميله – معقول جدا.

– لازم نخرج بأسرع وقت قبل ماكلب من كلابهم يصحصح شوية ويكتشفنا.

– خلينا نفكر … إنسى الخروج من الباب…شايف الخروم دى فى حيطان الكشك؟ أكيد من شظايا أسلحتنا لما كنا بنيجى مع قائدنا نعمل غارات وكمائن عليهم.

– وبعدين؟

نظر العريف من خلال الثقوب – تعال شوف من الناحية دى…النقطة واضحة قوى وفى واحد من جنودهم نازل على سلم غالبا داخل ملجأ.

بنظرة سريعة تبين أن الكشك يقع فى طرف نقطة العدو القوية فى الجهة القريبة من البحر. كان هناك بداخل الكشك عدة أحبال لنشرالغسيل وفوقها غيار داخلى لأحد جنود العدو وبجوار الحائط الموازى للبحر طاولة معدنية.

جلس نعيم يتأمل الطاولة متخيلا الجنود يغسلون أشيائهم ثم يتركونها فوق الأحبال لتجف.لاحظ أن بالجدار فتحة أسفل الطاولة. بدت كأنها مجرى صغير لمياه غسيل الملابس.

هتف فرحا – وجدتها يامنى عينى.

تطلع بركات إلى حيث أشار صاحبه وقرأ مايدور فى خاطره.

– تمام. شفت ربك كريم إزاى!

إنقض الرجلان بأقصى سرعة بخناجرهما يوسعان الفتحة ويزيحان التراب من الأرض. بعد قليل تحول ذلك المجرى الصغير لمياه الغسيل إلى إتساع يكفى لمرور جسديهما.

ذهب عنهما الخوف وحل مكانه طيف مغامرة جديدة فى تسلل آمن من بين عيون رجال المراقبة وكلابهم  حتى طيات الموج فى وضح النهار.

همس نعيم – ياترى هانقدر نعملها؟

تبودلت نظرة جدية بينهما وقال بركات – ربك كبيروكريم قوى قوى.

– صحيح. إحنا كنا فين.

– أنا بأقترح أول مانخرج نزحف ناحية الشط بميلة للخلف شوية علشان الملاعين واقفين قدام للشرق. أول مانلمس المياه نمشى لحد ماتصل لرقبتنا وبعدين ناخد إتجاه الغرب زى إمبارح.

– طيب خلى بالك وأنت بتعدى من السلك.

– تمام.

جاءت اللحظة المناسبة وأدخل العريف رأسه من الفتحه وسرعان ماتسلل إلى الشاطئ وبركات يراقب جنود النقطة من ثقوب فى الجدار المقابل.

بدا أنهم يراقبون بنظارات الميدان الجهة الأخرى من الأرض ولم ينتبهوا لتلك البقعة فى طرف المكان.

خرج بركات بنفس الطريقة حتى وصل إلى الفتحة بالسور الشائك وتمكن من المرور بجسده الممتلئ ولحق برفيقه الذى رقد قرب الماء ينتظر وصوله.

زحف الإثنان حتى غمرتهما المياه وإختفيا تحت سطحها إلا لثوان قليلة يتزودان بالهواء ثم يواصلان التقدم زحفا حتى تمكنا من الوقوف.

ألتقطا أنفاسهما وهما بحذاء الشاطئ بجوار النقطة القوية.

فى ضوء النهار الخافت لمحوا عددا من الدبابات ترقد فوق مرابضها على مقربة من النقطة.

أشار نعيم – نأخذ جهة اليسار.

فجأة هتف بركات – سامع صوت طائرة…بص كده.

– معك حق.

لمحا طائرة هليوكبتر تحوم فوق الكشك وتقترب منهما.

– بسرعة إخفض رأسك على قد ماتقدر وكمل مشى.

تجمد نعيم كتمثال – دول غالبا شافونا وجايين ناحيتنا.

– إغطس وخلينا نكمل.

عاودا الغطس والخروج للتنفس والطائرة تحلق فوق رأسيهما.

– شايف حاجة يانعيم….فى راجل قاعد ورا الطيار بيشاور لنا.

كان بالفعل يلوح لهما ليتجها نحو الشاطئ.

– طبعا عاوزين يأسرونا….نروح فين؟

لم يكمل عبارته فقد إكتسى الفضاء المحيط بومضات بيضاء لقذائف المدفعية المضادة للطائرات وتركزت حول الطائرة تحاصرها لكنها إنخفضت فوق سطح المياه قبل أن تندفع هاربة فى إتجاه الشرق.

مضى الرجلان دون كلمة بين الأمواج حتى لاح لهم الشاطئ.

شاطئ بورفؤاد.

هل هما طياران إسرائلييان كانت الطائرة تحاول إلتقاطهما منذ قليل؟

شكوك ساورت أفراد الموقع الأول شرق بورفؤاد. أطلقوا نحوهما دفعة من النيران.

خلع الرجلان سترتيهما وراحا يلوحان والطلقات تتساقط حولهما.

همس بركات – إطمئن دى طلقات تهويش. لو عاوزين يموتونا كانوا عملوها.

سمعا صيحة عالية آمره – إرفعوا إيديكم لفوق وقربوا.

أستمرا يتقدمان  رافعى أيديهم حتى لامسا الأرض.

سمعا صوتا ثان – أى خدمة ياوحوش…حمدالله على السلامة.

توقف عقلهما عن التفكير وفاضت دموعهما.

أخذهم الرفاق بالأحضان إلى ملجأ قائد الموقع الذى قام مع الباقين بالواجب نحو أبطال عائدين من خلف خطوط العدو.

بعد وجبات الطعام الساخن والشاى والسجائر حملتهم إحدى عربات الجيب إلى بورفؤاد حيث المبنى الذى شغلته السرية قبل الخروج فى المهمة.

هناك ،وجدا زملائهم الذين وصلوا مع قائدهم عند الواحدة والنصف مساء الأمس لايقوى أحدهم أن يحرك قدمه من مكانها. فقد قطعت تلك المجموعة مسافة 30 كم فى الملاحات بين قصف طائرات العدو وإعتمد يسرى فى حركته داخل المياه الضحلة على مواقع النجوم ومعرفته السابقة بالأرض. قبل خروجه من الموقع كان قد دمر جهازى الإشارة.

تمدد بركات ونعيم بجوارهم وهما لايصدقان ماحدث لهما فى مغامرة العودة.

قال عريف نعيم – معجزة…بكل معنى الكلمة…نلاقى نفسنا هنا تانى.

رد جندى بركات وهويفرد جذعه بإعجاب – تصور حالك يعنى من غير سباح عالمى زى محسوبك أبو الخير وأبو البركات.

– وهو أنا أقدر أنسى ياوحش. سيبنا ننام أحسن أنا عظامى كلها مفككة.

تراخت جفونهما رويدا وإنبعث شخيرهما متقطعا وقد شعرا بأنهما قد ولدا من جديد.

لكنهما إنتبها مع باقى الرفاق على صوت إنفجارات هائلة تهز المكان.

سأل بركات بجزع – إيه الموضوع؟

أجاب زميل فى طرف المكان – الملاعين بيقصفوا بورفؤاد وبورسعيد بكل غل ووحشية من ثلاثة أيام.

فى حوالى الحادية عشرة صباح الأربعاء 10 أكتوبر تم إستدعاء يسرى بفرد من الشرطة العسكرية بموتوسيكل لمقابلة قائد اللواء.

أيام قليلة فى عمر الزمن لكنها حافلة بما سيشكل خريطة وطن ومستقبل شعب قد مرت منذ تقابلا آخر مرة.

صافحه قائد اللواء بحرارة – حمدلله على سلامتكم. لقد كنتم رجالا شجعانا بإمكانياتكم ولولا الوضع الحرج هنا لكان وضعكم تغير كثيراأمام العدو. لقد نجحتم وصمدتم فى مخاطرة محسوبة غاية فى الصعوبة. الوطن لاينسى أبطالا مثلكم أبدا.

مد يسرى يناوله الخريطة – وجدت هذه الخريطة فى الدبابة الأولى التى دمرناها وبها مواقع العدو فى سيناء ياأفندم.

تناولها القائد بحماس وفردها فوق مكتبه. بقى دقائق يتفحص تفاصيلها ثم هتف – ممتاز. إنها كنز بالفعل فالمعركة مازالت على أشدها. ونحن نحاول أن نتماسك ونجهز أنفسنا بكل الإمكانيات لأن العدو يقصف منطقة بورسعيد وبورفؤاد بكل ضراوة.

أردف بإهتمام – هناك معلومات تفيد بأن بورفؤاد مهددة بإبرار جوى وبحرى من العدو فى أى لحظة.

بادر يسرى – تحت أمرك ياأفندم.

رد العميد بإقتضاب – هل لك أى طلبات الآن؟

– مازلت أستقبل أفراد السرية العائدين وأطمئن على الجرحى وأحصى الخسائر.

– إذن إستكمل ذلك وسسأراك غدا.

الأنباء تتوالى.

البيان العسكرى رقم24 الساعة 1،45 (حاول سلاح العدو الجوى صباح اليوم مهاجمة بعض قواعدنا الجوية المتقدمة وتصدت له وسائل دفاعنا الجوى وإضطرته إلى إسقاط حمولته بعيدا عن القواعد الجوية. وأسقطنا له أربع طائرات سقطت بالقرب من القواعد الجوية كما تم إسقاط طائرتين معاديتين فوق القطاع الشمالى من الجبهة. وقد قامت …)

ثم البيان رقم 25 فى نفس اليوم الساعة 2،30 (مازالت قواتنا البرية تعدل أوضاعها المتقدمة شرق قناة السويس تحت حماية قواتنا الجوية وقوات الدفاع الجوى مع تقهقر قوات العدو شرقا…..فإستولت قواتنا على 15 دبابة وعربة مدرعة أكثرها سليمة…..)

ثم بيان رقم 26 فى الساعة 5،15 أثناء تقدم إحدى وحداتنا البرية فى القطاع الجنوبى من الجبهة……ودمرت عددا كبيرا من دباباته وعرباته المدرعة ومدفعياته……كما قامت وحداتنا من قوات الدفاع الجوى بالإشتباك مع طائرات العدو…….وأسقطت له 4 طائرات وأصابت طائرتين)

قضى يسرى يوما غريبا بكل المقاييس.

لانوم يفيد أو راحة أو طعام.

مازال طيران العدو يقصف المدينة بعنف وضراوة والمبانى تتهدم حول المبنى الذى إحتلت السرية البدروم منه.

إستمر وصول باقى أفراد السرية على مدار يومى الخميس 11 والجمعة 12 أكتوبر.

البلاغات العسكرية تتوالى.

البلاغ رقم 30 فى السابعة و33 دقيقة يوم 11 أكتوبر(…..وبهذا يصبح إجمالى خسائر العدومن الطائرات على الجبهة المصرية اليوم 23 طائرة وأصيب لنا 6 طائرات تمكن 4 من طياريها من القفز بالمظلة سالمين)

أكمل يسرى حصر نتائج المهمة بما حققته ومانتج من خسائر فى الأفراد والأسلحة والمعدات وسلمها لقيادة عمليات اللواء يوم السبت 13 أكتوبر.

قابل قائد لواء قطاع بورفؤاد العسكرى الذى شد على يده بقوة – من الواجب أن أشكرك من كل قلبى إنت وكل السرية على الدور البطولى فى الأيام الأخيرة. لوسمحت إحضر لى رجالك الآن أشكرهم وأهنيهم بنفسى.

فى نفس اليوم قابل العميد رئيس الأركان حيث وقع على كشوف الشهداء.

ويسرى بعد لايصدق أنه عاد بعد هذه المعركة العنيفة مع العدو وأنه فقد إثنين من ضباطه وست من الأفراد و حمل خمسة من المصابين.

مازالت نقطة العدو القوية شرق بورفؤاد مستعصية.

فى ليلة 14 أكتوبر شنت كتيبة المشاة فى قطاع بورسعيد هجوما على تلك النقطة إستشهد فيه قائد الكتيبة ولم ينجح الهجوم.

فى اليوم التالى إلتقى يسرى بزميل من  نفس دفعته وعلم أنه سيخرج بعد قليل فى سرية للقيام بنفس المهمة التى عاد منها  شرق نقطة بورفؤاد.

فى يوم الإثنين 15 أكتوبر إستدعى رئيس الأركان  النقيب يسرى وكلفه بمهمة جديدة.

عند منتصف الليل خرج فى داورية من 10 أفراد داخل الملاحات ليحقق إتصالا مع سرية زميله الذى خرج بالأمس وإنقطع الإتصال به.

إلتف مع رجاله حول النقطة القوية تحت نيران العدو وإضاءة الهاونات والكشافات طوال الليل وتمكن من تحقيق إتصال بسرية زميلة الذى كان مشتبكا مع العدو شرق النقطة بحوالى 5 كم. عاد ورجاله سالمين فى ساعات الصباح الأولى.

مازال طيران العدو يقصف بورفؤاد وبورسعيد بصورة هستيرية جنونية بلا توقف.

فى نهاية يوم شاق بعد رجوعه من المهمة الأخيرة، قام يسرى بجرد   مهمات ضباط وأفراد السرية الشهداء. أحصى حاجياتهم الشخصية وجهزها فى مظروفات كبيرة لتقوم القيادة بإرسالها لذويهم. تذكرهم فردا فردا وهو يرتجف. ترك دموعه الحبيسة تسيل على راحتها بعيدا عن الباقين الذين لتوهم إنتهوا من السحور. ترحم على أرواحهم الطاهرة وصلى قبل أن يطارد نوما ملغما بشحنات حزن مؤجلة.

بعد يومين علم أن زميله وصديقه ورفيق السكن فى شقة سيدى بشر برتبة نقيب مفقود من بداية العمليات وأيضا 4 ضباط آخرين من كتيبته السابقة بالإضافة لشهداء ومصابين كثيرين من سرايا آخرى بالكتيبة.

الأوضاع حرجة.

فقد نجح العدو ليلة 17\18 أكتوبر فى بناء أول كوبرى له فى منطقة الدفرسوار وعبر عليه لواءان مدرعان وبحلول ظهر يوم 18 عبر لواء مدرع آخر وأصبح للعدو غرب القناة 4 ألوية مدرعة ولواء مشاة.

فى مساء الخميس 18 إستدعى رئيس الأركان يسرى وكلفه بالتحرك بسريته من بورفؤاد والإنضمام لباقى كتيبتة فى أبى صوير فى القطاع الأوسط من جبهة القتال أمام رأس الجسر الإسرائيلى على الضفة الغربية.

تحركت السرية فجر الجمعة 19 أكتوبر على طريق الرسوة-بورسعيد-الإسماعيلية- حتى أبى صوير بعد المرور على كم 10 وكم 18 والتينة والكاب والقنطرة والحرش.

برغم كل الأنباء المقلقة فقد فرح الرجال وهم يشاهدون بوضوح مواقع العدو على الضفة الشرقية ونقاطه القوية وقد دمرتها قواتنا تماما.

مهمة جديدة وعدو قديم.

ومعلومات آخرى عن كثير من الضباط والأفراد مفقودين فى العمليات أو شهداء.

فى خلال ليلة 19\20 أكتوبر والليلة التالية دفع العدو بفرقة مدرعة ثالثة إلى الغرب وعلى الرغم من تلك الظروف الحرجة كلها لم يكتسب العدو الكثير من الأرض خلال الأيام الثلاثة الماضية.

فى تلك الأثناء، كانت قيادة القوات المسلحة تعيد توزيع قواتنا لمجابهة العدو الذى حاول توسيع الثغرة وتطويق الجيش الثانى والثالث الميدانى

فى المنطقة المحيطة بالإسماعيلية . إنتشرت كتائب الصاعقة بما فى ذلك الصاعقة البحرية.

يخرج رجال الصاعقة متخفين نهارا فى داوريات لإستطلاع مواقع العدو ثم يغيرون عليها كل ليلة. دارت فوق رؤوسهم معارك إشتباكات ضارية بين طائراتنا الميج مع الميراج الإسرائيلية وسقطت واحدة  منها يوم 21 أكتوبر بنيران مدفعيتنا الثقيلة. بالضبط أمام موقع الكتيبة التى إنضمت لها سرية يسرى فى عزبة أبى عياد. مهمتهم الآن  هى منع العدو المتسلل فى القطاع الأوسط من محاولة مهاجمة مدينة أبى صوير.

أمام موقعهم بحوالى 2كم رقدت دبابات العدو جاهزة لضرب قواعد الصواريخ بالمنطقة.

فى اليوم التالى إشتعلت الجبهة فى كل المواقع عقب إصدار قرار مجلس الأمن بالموافقة على مشروع قرار سوفيتى أمريكى بوقف إطلاق النار.

كثف العدو طلعاته الجوية كما حاول الهجوم على بورسعيد بالقطع البحرية والإنزال بالهليوكبتر لكنه فشل.

“ليتنى كنت فى بورفؤاد” همس يسرى لنفسه وكأن فى رقبته دينا لأهل تلك المدينة.

صدرت الأوامر لكل الوحدات على الجبهة منذ الإثنين 22 أكتوبر بإيقاف إطلاق النار من سعت 52 18 مع الإستعداد التام لإستئناف القتال فى أى لحظة مع عدم الإشتباك إلا بأوامر.

ومع ذلك إستمر الإشتباك فى مناطق كثيرة فى القطاع الأوسط من الجبهة نتيجة لخرق إسرائيل قرار وقف إطلاق النار.

لقد حاول العدو يوم الأربعاء 24 أكتوبر للمرة الثانية الهجوم على مدينة السويس وفشل رغم تدمير 11 دبابة له فى اليوم السابق.

ثم قام بإبرار بحرى على ميناء الأدبية مستهدفا قطع طريق الإمداد عن مدينة السويس وإقتحامها من الشمال والغرب والجنوب.

الجمعة 26 أكتوبر أول أيام عيد الفطر.

جاء أهل عزبة أبى عياد ومروا على مواقع كتيبة الصاعقة للتحية ومعهم البلح والبرتقال. الحقيقة الساطعة، أنهم يحبون هؤلاء الرجال كأبنائهم.

كان معظمهم قد رفض التهجير عقب حرب يونيو وبقوا فى قراهم وحقولهم. تمسكوا بأرضهم وبقت الأسر بنسائها وأطفالها وشيوخها حتى غادروها بعد أسبوع من نشوب حرب العاشر من رمضان.

بمجرد وصول كتيبة الصاعقة للعزبة، عاد أهلها الطيبين يحتضنون المقاتلين ويغمروهم بكل أنواع الرعاية على بعد أمتار من عدوهم الغادر.

تحت هدير المدافع وقصف طائرات العدو المجنون بالدمار، يصمد الأهالى يقتسمون طعامهم وقلوبهم العامرة بالطيبة مع هؤلاء الفدائيين لتعكس حقيقة راسخة.

فى الفترات الحاسمة من تاريخ وادى النيل، حين تتضافر قوى البغى والشر لطمس معالم حضارة شعب عريق ينبثق الوعى الجمعى.

تتبلور الرؤية فيصبح كل فى مكانه يقاوم بطريقته ويعطى بلا حدود.  والأرض يحرسها جنود كرماء أوفياء لايتخلون عن شبر واحد لأى قوة مهما كان الثمن.

بالرغم من قرارإتفاق وقف إطلاق النار فقد إستأنف الإسرائليون القتال ليتفاوضوا من موقف قوة.

ومن صباح الثلاثاء 23 أكتوبر ركزت قيادات العدو على حصار مدينة السويس تمهيدا لإحتلالها تحت قصف جوى مستمر.

تصدت للهجوم الشرس الفرقة 19 مشاة بلواءتها المختلفة .

على مدى الأيام اللاحقة نجحت عناصر الفرقة من كتابة ملحمة بطولية بدمائهم فردا فردا لعدم تمكين العدو من تحقيق هدفه. إستمرت محاولات العدو لكسر دفاعات المدينة حتى يوم 29 أكتوبر حين وصلت قوات الطوارئ الدولية.

فى أول أيام العيد 26 أكتوبر، حاول أفراد العدو إغاظة رجال نقطة الملاحظة قرب عزبة أبى عياد. قاموا بنشر العلم الإسرائيلى على بعد أمتار من الكتيبة فوق شجرة ولم يكن مسموحا أو بإستطاعة أحد أن يردعهم نتيجة لوقف إطلاق النار.

لاطعم للعيد.

العيد الحقيقى يكون يوم إستعادة الأرض والكرامة.

فى اليوم التالى خرج يسرى مع عدد من رجاله لإجراء إستطلاع حتى كوبرى 4 مرتدين الجلاليب البلدية راكبين الحمير كأنهم فلاحين.

فى المساء إنطلقت دانات الهاون مضيئة أمام موقعهم من عند العدو فجاءت لهم الأوامر بالتحرك نحو موقع آخر فى عزبة الشوايشة.

قاموا بنقل عتادهم وصناديق ذخيرتهم فوق ظهور الحميرليلا إلى المكان الجديد ووصل لهم فى التعيين علب عصير جوافه كنوع من الترفيه.

كما زارهم وفد من أهل العزبة ومعهم حلة كبيرة مملوءة بالحليب.

فى ذلك التوقيت ،وصلت قوات الطوارئ الدولية بالقرب منهم عند منطقة الجبانات. كما إستمرت الإتصالات السياسية بين القاهرة وواشنطن على السماح بمرورقولات أطعمة ومياه وأدوية إلى السويس والجيش الثالث.

أصيب يسرى بشظية فى رقبته يوم 3\11 إثر إنفجار قنبلة فى يد بعض أفراده بطريق الخطأ وتم إسعافه فى الموقع. ولأول مرة كتب رسالة لأسرته وآخرى لخطيبته منذ نشوب القتال دونما التعرض لأى تفاصيل مما يحدث على الجبهة.

فى تلك الآونة، صار الزى المفضل لرجال السرية هو الجلاليب البلدى للتجول بالحمير فى المنطقة بين كوبرى 1 حتى كوبرى4 على بعد 400 مترمن قوات العدو.

مازالت نذر الحرب تلوح فى الأفق وتشتعل فوق العديد من نقاط الجبهة والعدو يناور على الصعيد السياسى والعسكرى بمكر ذئب جريح.

أمام مواقعنا فى أبى صوير تقدمت فصيلة دبابات ثم تم سحبها بعد ساعات.

وفى يوم الجمعة 9\11تصدت قوات الدفاع الجوى لطائرات العدو فى نفس المنطقة وأسقطنا طائرتين فانتوم عند الظهر.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق