EBE_Auto_Loan

أمينة النقاش تكتب:تحفة ومتصورة

142

ضد التيار

تحفة ومتصورة

 أمينة النقاش

احتفلت بطريقتى الخاصة بفرحتين عمتا ربوع مصر فى اسبوعين متتاليين. الأولى تعويم السفينة الجانحة «إيفر جرين» فى مجرى قناة السويس،التى أدى جنوحها إلى التياع فى قلب مصر، قاد المصريين لتتبع جنوحها ساعة بعد أخرى. لم تركن سليقتهم أبدا لصيحات موجهة، من محللين يروجون للهيمنة، ويؤكدون بثقة تفتقد لأى حياد موضوعى، بأن حل الأزمة يحتاج إلى شهور، وأن العالم بات يبحث عن بدائل لقناة السويس، التى يمر عبرها نحو 12%من حجم التجارة العالمية، وأن على مصر أن تستعين بخبرات دولية للخروج من أزمتها!.

لم يرضخ المصريون لتلك الرؤى المتعسفة التى تحفل بالأهواء والغرض. انتظروا الحقيقة التامة ممن يديرون الأزمة فى هيئة قناة السويس. وعاد بعضهم إلى المراجع والخرائط وقواميس اللغة والمصطلحات، للتعرف على معنى الجنوح فى الممرات المائية. واستعان بعضهم الآخر بمختصين من المعارف والأقارب لمناقشة الحالة. وقُرعت أجراس الكنائس، وتليت الأدعية فى البيوت والمساجد طلبا لعون إلهى، طالما استجاب لدعائهم فى كثير من محن، أثخنت مجرى التاريخ المصرى الحديث والمعاصر، لكنها مع ذلك، لم تنجح، رغم قوتها العاتية، أن تحنى قامتهم، أو تقهر عزيمتهم. ألم تخرج من الريف إلى المدن، ومن الحوارى للشوارع عبر ذلك التاريخ، صحيات «يارب يا متولى تهلك العثمانلى». ألم نهتف فى طفولتنا وصبانا «يا عزيز.. يا عزيز كبة تاخذ الانجليز». ألم تهزم إرادتهم وكفاحهم الأسطورى تلك القوى الاستعمارية الغاشمة؟.

رمزية قناة السويس محفورة فى وجدان المصريين. شقوها بالعرق والدم والدموع، وبذلوا أرواحهم لاسترداد ملكيتها للدولة المصرية، فغدت تؤرخ لصراعهم الطويل، ليس فقط مع مع الاستعمار، ولكن أيضا مع ظروف مناخية صعبة وغير مواتية. فضلا عن قدرتهم الفذة على قهر الطغيان، وترويض قسوة الطبيعة، ومفاجآت المناخ ومباغتة مياه البحرين الأحمر والأبيض. وهى عنوان كذلك على أن إرادة الأمم قادرة على قهر المستحيل، وأن الشعوب، عندما تثق بنفسها، وتوحد كلمتها، وتؤمن بما فى حوزتها من قوة وعزم، تغدو قادرة على تحويل معاول الهدم، إلى سقالات لتشيد البناء.

حين ارتفع فى كل الأنحاء، صوت الست يشدو: محلاك يامصرى وانت ع الدفة.. ياولاد بلدنا تعالوا على الضفة. حيوا الرجال السمر فوق المدينة، حيوا اللى جاهدوا عشان مايفرح وادينا، راح الدخيل، وابن البلد كفى، اطمئن المصريون أن سواعد أبنائهم قد نجحت فى تعويم السفينة، وغمرت الفرحة قلوبهم.

ولم تكد تمضى أيام معدودة، حتى هلت الفرحة الثانية، بالاحتفال الأسطورى لنقل المومياوات إلى متحف الحضارة . تبدت فتنة الاحتفال ورونقه، فى تكامل وتناغم عناصره: الموسيقى والغناء والاضاءة والدقة والاحتراف البارز فى الأداء الإعلامى وكفاءة المحتوى الثقافى والمعرفى، والمحبة التى بدت تغمر كل أفراد الفريق المشارك فى الاحتفالية. عمل جماعى بديع، يليق بأحفاد الفراعنة، الذين بنوا مجد حضارتهم بالعمل والجهد والاتقان والعلم والمعرفة.

فى التاسعة مساء انتهت الاحتفالية. لم يعد شىء ينقصنى للاحتفال بالفرحتين. قادتنى قدماى لممارسة هوايتى الآثيرة «المشى». عندما بدأت السير، كانت هى المرة الأولى لى كى أتعرف على الممشى الجديد على نيل العجوزة. ممشى واسع يتيح االتنزه والسير فى كلا الاتجاهين. هواء منعش يحجب عنك تلوث نهار القاهرة. أخيرا يعترف اولى الأمر بحقى فى التمتع بالسير بجوار النهر، والسرور برؤية مياهه، بعد إزالة المبانى الخرسانية التى كانت تعوق المشى والرؤية معا. صار النيل كما وصفه بيرم التونسى تحفة ومتصورة فى صفحتك ياجميل، والناى على الشط غنى، والقدود بتميل على هبوب الهوا ، لما يمر عليل.

تمنيت أن أجد هذه الليلة من أشكره على تلك المتعة الغالية التى غمرتنى بالرضا والراحة، فلم أجد سوى، عمال البناء، الذين يصلون النهار بالليل لاستكمال بناء الممشى، وتوسعة الطرق، دون أن تسمع لهم صوتا. تلك الأيد الشغالة، هى نفسها الأيدى التى عومت السفينة، والأخرى التى أضاءت حياة المصريين بسمفونية نقل المومياوات. وإليهم نغنى مع عبد العزيز محمود: مليون سلام يا مبدلين الخوف أمل، مليون سلام يامبدلين النوم عمل، مليون سلام يا مكسرين بطن الجبل، فوق الجبين، شايف بحور جهد وعرق.

حقا الف مليون سلام.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق