EBE_Auto_Loan

فريدة النقاش تكتب:فصل الدين عن الدولة

334

قضية للمناقشة
فصل الدين عن الدولة
فريدة النقاش

اتخذت السلطات السودانية قبل أيام قرارا يقضي بفصل الدين عن الدولة, اذ وقع رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبدالفتاح البرهان, ورئيس الحركة الشعبية- قطاع الشمال- عبدالعزيز آدم الحلو في جوبا عاصمة جنوب السودان علي اعلان مبادئ بهذا الشأن, ووقع علي اعلان المبادئ كشاهد رئيس جنوب السودان “سلفا كير” ولنتذكر في هذا الصدد ان ما اسماه عمر البشير الرئيس الاخواني للسودان بقوانين الشريعة كان أحد الاسباب التي أدت لانقسام السودان وانفصال الجنوب.
وينص إعلان المبادئ علي تأسيس دولة مدنية ديمقراطية علمانية. وسوف أتوقف هنا امام مصطلح العلمانية الذي طالما أثار الشكوك, ولا يخفي علينا ان التيارات الاسلامية بمختلف منطلقاتها هي التي غذت هذه الشكوك, ولاتزال تغذيها, خوفا من أن يعتاد العرب والمصريون والشباب منهم علي نحو خاص علي المجادلة في القضايا التي طالما وصفوها بالمحرمات, وحافظوا في ظل هذه الشكوك والمخاوف علي ما يشابه احتكارهم للجدل في القضايا الدينية, وتسبب هذا الاحتكار في الانتشار المقلق لما يمكن ان نسميه التفسيرات الرجعية والمحافظة عامة التي تخدم أصحاب مصالح في الدوائر الدينية, وخاصة هؤلاء الذين ما أن انفجرت الثروة النفطية في بعض بلدان الخليج العربي الا وسارعوا بالارتباط بأصحابها وتحولوا الي مرتزقة, وان ادعوا انهم انما يدافعون عن الاسلام, ولا أعمم طبعا.
وتسببت هذه الاوضاع المستجدة علي الساحة الاسلامية في تهميش الافكار المستنيرة, والتأويل المنفتح والتقدمي للنصوص والذي طالما ارتكز علي رؤية نقدية تربط بين النصوص وزمانها وظروف نشأتها.
ولأن الرجعيين والمحافظين عاجزون- في الغالب – عن إنتاج أفكار جديدة تواكب التغيرات اليومية والعاصفة احيانا في حياة المجتمع العربي والاسلامي, بل ولا يعترفون بها وينكرونها باعتبارها هرطقة وتزندقا, فقد اكتفوا دائما برد الفعل السلبي الاتهامي لهذه الافكار, وخاصموا تراث التجديد الهائل الذي انتجه علماؤنا الاجلاء علي مر العصور, رغما إدعائهم انهم يسيرون علي طريق السلف, وهم لا يدركون, بل ولا يعترفون بأن طريق السلف هذا لم يكن اتجاها واحدا الي الخلف بل ان الاتجاه الآخر الي الامام كان دائما موجودا بل وكان الاسرع في فترات ازدهار الثقافة العربية الاسلامية التي تفخر بما قدمته البشرية. والتهمة الجاهزة – كما نعرف- والتي يسارع الرجعيون والمحافظون – بالصاقها بكل تجديد حتي يحاصروه في مهده هي الكفر والالحاد.
وقد نجح هؤلاء لزمن طويل في المساواة بين العلمانية والالحاد, وصوروهما للجمهور العادي باعتبارهما شيئا واحدا, وخاض العلماء والمفكرون التقدميون والكتاب معارك فكرية ممتدة وطويلة لتحرير مفهوم العلماني, ولجأ بعضهم الي مصطلح بديل هو الدولة المدنية حتي يزيلوا شكوك الجمهور الواسع المتدين حول العلمانية.
ولكن بعض المحافظين الخبثاء نجحوا في العبث بالوعي البسيط للمواطنين العاديين حين أشاعوا ان فكرة الدولة المدنية هي نقيض الدولة العسكرية, وقد نجحوا لحد كبير في عبثهم لأن خبرة الجماهير العربية مع الدولة العسكرية لم تكن سارة في كل الحالات, بل اقول في اغلب الحالات, اذ يعرف الجمهور العربي علي سبيل المثال ان من وصفهم “بالعسكر” حين يصلون الي السلطة لا يغادرونها أبدا الا بالموت أو القتل او عبر انقلاب آخر.
وظلت مسألة شرعية الحكم قضية من أهم القضايا علي جدول اعمال الحركات الوطنية والسياسية, وكانت اسهل الطرق التي لجأت لها الانقلابات العسكرية بعد انقضاضها بالقوة علي الحكم المدني لكي تكتسب الشرعية هي استدعاء الدين لساحة السياسة, وذلك بعد أن كافحت الشعوب طويلا لفصل الدين عن السياسة, خاصة في البلدان المتعددة الأديان والثقافات, والسودان نموذجا.
يسارع المتاجرون بالدين, والذين يتحصلون علي مكاسب مادية ومعنوية من هذه التجارة الي اتهام المنادين بفصل الدين عن الدولة لمحصارتهم في أوساط الجمهور العادي, ولكن هذا الجمهور كان قد راكم خبرة مريرة وصلت في بعض الأحيان لحد المآسي التي تدمي القلوب, وعلي رأسها قتل المعارضين, وأحيانا ما كان يتم هذا القتل عبر أحكام سميت في حينها شرعية ودينية مثلما حدث مع قادة الحركة الوطنية والحزب الشيوعي السوداني قبل سنوات. ومثلما يحدث في عصرنا هذا في ظل الحكم الديني في ايران.
ويعلمنا التاريخ والخبرة الإنسانية الممتدة ان الحكم باسم الدين طالما كان سلاحا بتارا لاستئصال سياسات لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالدين.
وتعلمت الانسانية عبر هذه الخبرة ان فصل السياسة والدولة عن الدين هو الطريق الآمن لبناء الديموقراطية فالسياسة متغيرة والدين ثابت, ووضع اسس التعايش بين المختلفين لا دينيا فحسب وانما سياسيا ايضا, اذ ان الاعتراف بحق الآخر المختلف هو اساس مركزي في بناء حياة سياسية صحية تقوم علي الحوار السلمي, وتداول الحكم الذي يتيح كل الفرص لسلمية الصراع الذي هو حتمي في المجتمع الطبقي, والحقيقة انه ضروري وقائم في كل المجتمعات.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق