فريدة النقاش تكتب : إفقار روحي

19

قال الفيلسوف الفرنسي التنويري «دينيس ديديرو» لدي زيارته لروسيا في أواخر القرن الثامن عشر.. «في فرنسا لا تستطيع تجنب التفكير في أنك تحمل روح عبد في بلد من المفترض أن الناس فيه أحرار، أما في روسيا فتكون لك روح حرة حيث يقال عن الناس إنهم عبيد»، وكان ديديرو كأنه يتحدث عن قانون التناقض الذي هو أحد القوانين العلمية التي تطورت بعد ذلك.

استخدمت جريدة «الهيرالدتربيون» الأمريكية هذه الواقعة في متابعتها لزيارة الفنان الفرنسي «جيرارد بارديو» لروسيا حيث قرر أن يعيش فيها بعد أن عبر الفنان عن غضب جارف ضد اتجاه حكومة الاشتراكيين الديمقراطيين في فرنسا لفرض ضرائب علي الأرباح الرأسمالية تصل إلي 75%، ولجأ هو إلي روسيا هاربا من فداحة الضريبة إلي بلد كان قد وقع في غرامه بسبب الانخفاض الكبير في الضرائب فيه، وهو امتدح روسيا «كديمقراطية عظيمة» علي حد تعبيره.. «وأنا أحب روسيا، أحب شعبها وتاريخها وكتابها» وأضاف مخاطبا الروس : «أنا أحب ثقافتكم وذكاءكم». ولم يتطرق الممثل المبهور بانخفاض الضرائب في روسيا إلي الطابع التسلطي المتزايد «لفلاديمير بوتن» علي حد قول الجريدة، مقدما نموذجا عن الكيفية التي تشكل فيها مصالح الناس أفكارهم، وهو قانون علمي آخر يري أن وجود الإنسان يصنع أقداره لا العكس. ينزعج الغاضبون مما يسمونه الطابع المادي للحضارة الحديثة وللغرب علي نحو خاص حين يربط أحد بين الروح الإنسانية وبين النظام الاقتصادي الاجتماعي، وواقع الأمر أن هناك علاقة وثيقة بين الاثنين هي علاقة تأثير وتأثر، علاقة جدل وتفاؤل، فالروح تتشكل وتنمو داخل المجتمع وفي ظل علاقاته، وقد أدي الاستغلال تاريخيا إلي إفقار الروح الإنسانية، بينما كان نضال البشر عبر التاريخ من أجل التحرر والانعتاق من كل أشكال هذا الاستغلال سواء في ظل العبودية أو الإقطاع أو الرأسمالية هو الذي ولد قيم التضامن والإخاء والمساواة واحترام كرامة الإنسان، ورفع رايات العدالة، وطبع الثقافة الجديدة بطابع هذه القيم كلها، أي بث فيها الروح الجديدة للإنسانية وهي تخرج من حالة التوحش إلي الحضارة، من حالة الضرورة التي تتوقف فيها حاجات الإنسان من أجل البقاء عند حدود مواصلة العيش شأنه شأن الكائنات الأخري إلي حالة الحرية حيث تتجاوز الحاجات مجرد البقاء إلي إبداع الذات وإعادة تشكيل العالم وبث هذه الروح الجديدة فيه.

وكان الكفاح الثقافي والسياسي متعدد المستويات والنتائج الباهرة في روسيا القيصرية ضد الاستبداد هو الذي بهر الفيلسوف «ديدرو» فتحدث عن الروح الحرة.

في بداية نشأتها الثورية أطلقت الرأسمالية طاقات الفعل والإبداع والتشوق الإنساني للتحرر ورغم الآلام الكثيرة التي ارتبطت بهذه النشأة فإن النضال الإنساني راكم تراثا هائلا لا فحسب في ميادين العلم والتكنولوجيا وصولا إلي ثورة الاتصالات الهائلة، وإنما أيضا في ميدان الثراء المعنوي والروحي الذي حين انطلقت التعددية في ظله مع الديمقراطية التمثيلية أطلقت معها طاقات إنسانية بلا حدود، فتعددت المنابع والطرق والخيارات، ولكن حين دخل النظام الرأسمالي في أزمة تفاقمت علي مر السنين خلق معه آليات الإفقار الثقافي والروحي فكتب الفيلسوف الألماني «هربرت ماركوس» عن الإنسان ذي البعد الواحد الذي خلقته هذه الرأسمالية المأزومة وهي تدفع به إلي حمي الاستهلاك بينما تواصل استنزاف الطبيعة وتجريف المستعمرات التي فتحتها وأذلت شعوبها.. وبعد ذلك بسنوات كتب «يوسف إدريس» عن «فقر الثقافة وثقافة الفقر».

وأخذت أزمة الرأسمالية التي انتشرت وأصبحت نظاما عالميا تخلق أشكالا متباينة من التعبير عن نفسها كمحاولات للخروج، وفي هذا السياق استخدمت الدين علي نطاق واسع، وأخذت النظم الرأسمالية في المراكز تنشئ وتمول المنظمات الجهادية باسم الدين عبر العالم، وخلق كل مجتمع أشكال التطرف الديني النابعة من تفاعلات الأزمة فيه بكل مظاهرها الثقافية والسياسية من الإسلام لليهودية، ومن المسيحية للهندوسية والتاوية.. إلخ ولعب التطرف الديني أدوارا مركبة في إفقار الثقافة وإفقار الروح علي العكس من منطلقاته الإيمانية، وذلك حين سعي إلي فرض الأحادية علي التطور الإنساني باسم الدين فتولدت ثقافة الفقر وفقر الثقافة. ومن الأدوار المركبة التي قام بها هذا التطرف كان ولايزال إعاقة التطور الديمقراطي من المنظور الشعبي وتشويه العملية النضالية التحررية ضد الاستعمار والاستغلال والاستبداد لتصبح نضالا ضد الكفر باسم الإيمان، فضلا عن تقسيم الأوطان علي أسس دينية وطائفية وادعاء العودة إلي النقاء الأصلي الذي كان موجودا في الأزمنة القديمة وهو ما ينطوي عليه مفهوم استعادة الخلافة الإسلامية.

ومن يتابع بدقة لغة الخطاب للرئيس «محمد مرسي» الذي يتحدث كثيرا عن الأهل والعشيرة لا عن المواطنين، وحين يزور سيناء يلتقي شيوخ القبائل ورؤساء العائلات دون رؤساء الأحزاب أو النقابات أو ممثلي المجتمع المدني، يعرف هذه الحقائق التي تقول إنه يدافع عن مصالح جماعته من التجار والمضاربين الغارقين في الدين الشكلي إذ يستخدمونه في التجارة.

فواقع الأمر أن الإفقار باسم الدين يجري علي قدم وساق لتفكيك الحداثة والعودة بالمجتمعات إلي مكوناتها الأولية التي تخلقت في أزمنة قديمة وجري انبعاثها كنتائج للأزمة العامة وتراجع التنمية وكثافة الاستغلال والفساد والتسلط والتبعية للمراكز العالمية للرأسمالية التي صدرت أزمتها إلي العالم، ومع بضائعها صدرت نفايات الأفكار إلي كل الدول الدائرة في فلكها حتي ولو كانت تقوم بمهمة الوكالة لهذه الرأسمالية باسم الدين. إنه الإفقار الشامل ماديا وروحيا والذي تناضل ضده القوي الثورية الحقة وسوف تنتصر.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق