EBE_Auto_Loan

د. جودة عبدالخالق يكتب:النفخ في الزبادى

591

لقطات

النفخ في الزبادى

د.جودة عبد الخالق

أعزائى القراء، كم افتقدتكم طوال الشهر الأخير. ولعلكم تذكرون أن آخر لقاءاتنا فى هذه الزاوية كان يوم الأربعاء 2 يونيو 2021. وهأنذا أعود للكتابة بفضل الله، بمجرد أن سمحت حالتى الصحية بذلك. فالكتابة بالنسبة لى أشبه بممارسة وجودى؛ أنا أكتب إذن أنا موجود. واقع الحال أننى كنت قد خضعت لعملية جراحية في أغسطس الماضى (2020) لتغيير مفصل الركبة اليمنى. وللأسف لم يحدث التحسن المتوقع. فقد اتضح أن أربطة الركبة قد تقطعت تماما، وأصبحت رجلى اليمنى تنثنى في جميع الاتجاهات: اليمين واليسار والأمام والخلف. وكان لابد من عمل جراحة أخرى أكثر صعوبة لتغيير المفصل الصناعى الذى تم تركيبه في أغسطس بمفصل آخر له تصميم خاص يتوافق مع حالة تقطع أربطة الركبة. وهذا ما تم بحمد الله منذ شهر، وقد بدأت التعافى من آثار العملية الجراحية الأخيرة. وعلىّ أن أخضع لجراحة أخرى أواخر هذا العام لتغيير مفصل الركبة اليسرى: إنها قصة أشبه بحرب الاستنزاف.

ولكن قد يتساءل البعض عن علاقة كل هذا بعبارة “النفخ في الزبادى” التي وردت في العنوان. معلوم أن إحدى مأثوراتنا الشعبية تقول “اللى يتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادى”- كناية عن نزوع المرء في ضوء الخبرة المكتسبة نحو الحرص الزائد تجنبا لأى ضرر مهما كان بسيطا. وفى ضوء تداعيات حالتى الصحية في السنوات الأخيرة، تعلمت من التجربة كيف “أنفخ في الزبادى”. فلقد خضعت خلال السنوات التسع الأخيرة (منذ 2012) لعدة عمليات جراحية كبرى: أولاها في الفقرات القَطَنِيَّة، ثم في الفقرات العُنُقِية والعَجَزِيَّة، ثم تركيب مفصل صناعى بدلا من الطبيعى للركبة اليمنى، ثم عدة عمليات في العينين، وأخيرا تغيير المفصل الصناعى للركبة اليمنى لتصحيح الخطأ الذى حدث في العملية الأولى. واقتضت معظم تلك العمليات تنفيذ بروتوكولات محددة للعلاج الطبيعى. وهنا بالتحديد تكمن المشكلة بالنسبة لى. فأنا بطبيعتى أنزع إلى الافراط في بذل المجهود- حتى في مجال اللهو واللعب. وعندئذ، تقع الواقعة؛ لأن ما زاد عن الحد ينقلب إلى الضد.

بلغتنا نحن معشر الاقتصاديين، فإن العبرة ليست بالحد الأقصى أو الحد الأدنى للأشياء. كما أنها ليست بالأطول أو بالأقصر، بل بالحد الأمثل. ولكن في غمار الحياة العملية، كثيرا ما أتجاهل هذه القاعدة الاقتصادية رغم تخصصى في علم الاقتصاد (باب النجار مخلع)! كما أننى كثيرا ما قرأت في كتاب الله “ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا” (الإسراء – 29). هذا هو الميزان، وتلك هي قاعدة السلوك الرشيد. ولكن يبدو أننى لم أستوعب الحكمة وراء هذا النص القرآنى البليغ. فقد حدث أكثر من مرة بعد العملية الجراحية أننى تعمدت أخذ جرعة من العلاج الطبيعى تتجاوز ما يقضى به البروتوكول. لذلك كانت أخصائية العلاج الطبيعى في مركز الطب الطبيعى والتأهيل التابع للقوات المسلحة بالعجوزة دائما ما تنصحنى قائلة “لا تقم بأكثر من 80% مما يمكنك القيام به من تمرينات”. ولكنى كثيرا ما تجاهلت نصيحتها، ودفعت الثمن في صورة انتكاسة شديدة إلى الوراء.

ونتيجة لهذه التجارب الطويلة والقاسية مع الجراحات وما يعقبها من علاج طبيعى وانتكاسات، أعتقد أننى قد تعلمت الدرس. لقد أصبحت أنفخ في الزبادى. ولكن لأن الطبع يغلب التطبع، فكثيرا ما أجدنى أسأل نفسى: هل هذا ضعف من جانبي أم هو تخاذل؟ ولماذا لا أرتاد الآفاق وأحقق المستحيل؟ وأين الأشعار المفضلة عندى، مثل قول أبو فراس الحمدانى “تهون علينا في المعانى نفوسنا .. ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر”، أو قول أبو القاسم الشابى “إذا ما طَمَحْتَ إلى غايةٍ .. رَكَبْتَ المُنَى ونَسِيتَ الحَذَر”.  ثم أعود إلى رشدى، بعد مراجعة قاسية مع نفسى. إن النفخ في الزبادى، في ظروف معينة، ليس بالضرورة ضعفا ولا تخاذلا. إنه، فى سياقه الصحيح، حكمة بالغة الأثر. وذلك هو مغزى طول العمر. وتلك هي قيمة تجارب الحياة.

نصيحة اليوم:

عزيزى القارئ، تحاشيا لِلَّسْع  من الشربة أنفخ في الزبادى

التعليقات متوقفه