EBE_Auto_Loan

الجزء الثالث من رواية دموع ملونة على جناح النورس ….

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

73

الجزء الثالث

من  رواية

دموع ملونة على جناح النورس

الأديبة والإعلامية الكبيرة/ أميرة بهي الدين

 

 (13)

 

  • أنا ابن المدينة الباسلة، ابن بورسعيد، دي مش جملة إنشا في حصة عربي في المدرسه، ده معنى حقيقي جوايا، معنى بألف معنى”.

يتحدث زين، وينصِت نبيل

  • أنا ابن هذه المدينة التي تكالبت عليها الدنيا فلم تهزمها، فأورثتنا العناد والمقاومة، أنا ابن هذه المدينة التي غزاها المرتزقة من كل الدنيا فصدّتهم على عتباتها وانتصرت، ابن المدينة الباسلة التي علّمتنا أن نقاوم ونعاند نقاوم وننتصر، وألا نسمح للدنيا أن تكسرنا

يقول زين ويقول، كأنه على خشبة مسرح يصول ويجول، ونبيل جمهوره الوحيد، يجلس في قاعة العرض وحيدًا ينصِت لكلمات صديقه بمنتهى الاهتمام، كانا معًا جالسيْن على السطوح في ليلةٍ قمرية، يتبادلان أحاديث أخرسَها الصمت الطويل، والأيام التي باعدت بينهما. اتصل نبيل، وزين دعاه للعشاء وأخبره أن نادية مسافرة إلى مؤتمر، ولن تعود قبل أسبوع، وأنه يحتاج أن يتكلم ويبوح، وأنه يفتقد الأيام الخوالي التي كانا يتحدثان فيها طوال الليل حتى تشرق عليهما الشمس، والحديث ما يزال ممتدًا.

ابتسم زين وقت أن سمع صوت نبيل وعرف دعوته، ها هو للمرة المليون لا يطيق الوحدة ولا يصبر عليها، ويخاف من نفسه وحسابها له

  • تعالى مِن بدري يا زين
  • حاضر يا نبيل حاجي

وصل البنايةَ التي عاش فيها أيام طفولته وصِباه وشبابه، صعد السلم ودفءُ الذكريات يحاصره

“الله يرحمها خالتي نجوى”

على بَسطة السلّم وقف صامتًا، هذه الشقة التي هاجروا إليها بعد رحلة شتات بين المدن والشقق التي لم يجِد وصفي نفسَه فيها ولا رائحة بورسعيد على جدرانها، هذه الشقة هاجروا إليها، وسرعان ما امتد الوصل بين الشقتيْن، بين حضرة أرملة المقدّم الشهيد، وبين عمّ وصفي وأسرتِه المهاجِرة التي تنتظر العودة، على هذا الباب وقف زين مع أبيه يطرقان الباب؛ ليتعرف أبوه وأسرته على حضرة أرملة المقدّم الشهيد، فَتحت نجوى الباب بارتباك، وقفت على الباب وخلفَها صغير يحدّق في الغريبيْن بوجل، اقترب منه وصفي واحتضنه بحنانٍ أربكه، قَبّله في رأسه وعرّفه بـ زين، وصارا أخويْن، وصار البيتان بيتًا واحدًا، وجرت الدماء في عروق الجميع لتكون رباطًا لا ينصرم ولا حتى يوم الدين.

وقف زين يحدّق في الباب قبل أن يدق الجرس، كيف أفلحتْ نادية في أن ترسم أسوارًا ومسافاتٍ بين الشقتين؟ كيف مزقت الوصل أو حاولت؟، وكيف جمّدت المشاعر أو سعت؟ كيف قررت أن تستأثر بـ نبيل وحدَها بعيدًا عن أسرته وأهله وشقيقه الوحيد، فخسرتَه للأبد، وضاع منها ومن الجميع؟! غبيةٌ إلى حدٍ مخيف، أشفقَ عليها زين، خائفة إلى  حدٍ مخيف، خائفة جدًا من الحياة التي لم تمنحها مكانًا بين عالمها الواسع، فصنعت زنزانة اعتَقَلت نفسها فيها، وحاولت أن تعتقل نبيل فانتحر ومات وضاع منها!

زين يحكي، ونبيل ينصِت؛ علّه يفهم ما الذي يعتمل في روحه، وما الذي يعتمل في روح زين، ونبيل يحكي، وزين ينصِت؛ علّه يفهم ما الذي يمزق سَكينة نبيل ويبعثر أمانه.

  • تربّينا معًا، وكبرنا معاً، لكنك غيري، أنا فقدت حماسي للحياة كلها، وأنت الحماس نفسه، الملل غزَاني واستبدّ بي، واليأس أيضًا، وأنت تنشر التفاؤل والأمل بلا صخب ولا كلمات جوفاء، كيف صِرنا وأصبح كل مِنا مثلما هو؟ اشرح لي يا زين، اشرح لي.

ضحك زين ضحكاتٍ رنانة صاخبة

  • كل شيء واضح، لكنك لا ترى، وربما لن ترى، أنت ابن الوجع والمرارة، تجترّ أيام حياتك وكأنها عقاب وقع عليك دون ذنب، وأنا ابن المقاومة، تاريخي هزائم مؤقتة، وانتصارات باقية، أنت ابن اليتم الذي كسَرك، أو هكذا تظن، وأنا ابن التهجير الذي قوّاني، ودائمًا يقوّيني، أنت عشت بين الجدران لا تشعر بقيمتها ولا معناها، تتوق للتحليق بعيدًا، وأنا انتُزِعت من أرضي، فبقيتْ غاليةً عزيزة أتوق لأعود إليها دائمًا، هذا أنا، وهذا أنت!
  • طيّب وانا اتجوزت ناديه ليه؟
  • علشان تستخبّى

لم يفهم نبيل، لكنه صمت ليكمل زين كلامه

  • تستخبّى يا نبيل، تستخبّى فيها، خفت تقعد لوحدك اسبوعين تلاته بعد ما خالتي نجوى ماتت، تفكر في حياتك تتمرد عليها تواجه مشاكلك وحزنك وتفنّطه وتعرف ليه وعلشان ايه، قررت تستخبّى وتهرب من نفسك فكانت نادية، فاكر لما كنت بتهرب للسطوح تستخبّى من خالتي نجوى لما تتخانق معاك؟ لا تواجهها ولا تغضب، تجري تستخبّى! أهو انت لما الدنيا اتخانقت معاك، قررت تجري تستخبّى، الأول نمت ونمت لغاية ما شكّينا إنك عيّان وكبدك بايظ، وبعدين صِعت في الشوارع ليله واتنين، خايف تروّح تلاقي البيت فاضي، انت قررت تستخبّى في ناديه، تهرب جوّاها، ناديه اللي مش عاجباك دي، إدّتك مبرر زياده تغضب وتحس بالمرارة وتكره عيشتك، انت كاره عيشتك يا نبيل، وبتدوّر على سبب، الأول كان اليتم والحرب، وبعدين بقي القهر ودموع خالتي نجوى، وفي الآخر بقت ناديه، المهم فيه سبب تاني غير جنابك يخليك تكره حياتك؟!

ما يزالان على السطوح الذي تحوّل إلى مسرح، يتبادلان على خشبته أدوار البطولة، يستأثر كل منهما ببعض الوقت ليصبح هو البطل الأوحد، يلقِي كلماتِه، ويشرح، وقبل أن ينتهي يستعد الآخر للصعود إلى خشبة المسرح ليحكي ويقول .. وما يزال العرض مستمرًا وسيستمر.

  • أنا تعبت يا زين، تعبت قوي
  • انت اللي تاعب نفسك وتاعب الدنيا كلها معاك، اعمل اللي يريّحك، مش عارفه؟ دوّر عليه، دوّر على اللي يريّحك وتلاقي نفسك فيه ويسعدك.

انتبَه نبيل لكلمة زين الأخيرة

  • يسعدني؟! طب انت ايه اللي يسعدك يا زين؟

ضحك ضحكاتٍ متلاحقة

  • كل حاجه باعملها في حياتي بتسعدني
  • حياتك دي فين؟ انت عايش في الصحراء، ولابس الأفرولن ووسط العساكر، وحياتك خشنة، لا راضي تتجوّز، ولا بتحب، ولا بتتشاقَى!

نظر له زين نظرة لوم، وكأنه يقول له ما أدراك أنت بحياتي؟!

  • اللي انت بتقوله ده بالضبط هوّ اللي بيسعدني

رَفع نبيل حاجبيه دهشة

  • أيوه، بيخلي لحياتي قيمه، هو فيه حاجه بتسعد أكتر من كده، إن يكون لحياتك قيمة.

التقط نبيل منه العبارة وأخذ يرددها،

  • هو فيه حاجه بتسعد أكتر من كده، إن يكون لحياتك قيمة!

كأنه يسائل نفسه كيف تكون لحياته قيمة

وطال الليل، وطال الحديث بينهما حتى أشرقت الشمس، فرحل زين، وعاد نبيل للشقة الخاوية، ألقَى بدنه على الفراش يبحث عن نومٍ عزيز يبعِده عن عقله وروحه، ينما تتردد داخله عبارة زين، والسؤال الذي احتله بعدها، كيف يكون لحياتي قيمة؟

 

(14)

 

ماتت نجوى فجأة، وأغلقت صفحتها في كتاب حياة نبيل، ماتت فجأة، لم تمرض ولم تمنح نبيل فرصة لعلاجها، ماتت فجأة فأدرك أن الموت لا يحتاج إذنَه ولا براعته ولا عِلم الكلية التي قضي فيها سبع سنوات، ليأتي أو يرحل، ماتت نجوى فجأة، عاد لمنزله ليلاً فوجده ساكنًا، لم يسمع صوت الست أم كلثوم التي اعتادت أمّه أن تسمع غناءها ليؤنس وحدتها، لم يسمع صوت نحيبها على الحبيب الذي استُشهِد وترك شبابها وابنها يتلظيان بغيابه، لم يرَ الضوء الخافت لمصباح غرفتها، كعادتها في تلك الساعة، انتفضت الهواجس في روحه، لو عمّ وصفي لم يعُد لبورسعيد ومعه خالتي فردوس لتَصوّرها عندهما تشاهد فيلم السهرة، لكن البَسطة مظلمة، والشقة المقابلة أيضًا، أوجعها فراقهما وجدّد أحزانها، عادت أرملة المقدّم الشهيد ونسيت “نوجه” كما اعتادت فردوس أن تناديها، فِراقهما أوجعها وذكّرها بكل ما مرت به وعاشته، مرة ثانية تخلو الدنيا عليها وعلى ابنها الذي كبرَ وصار طبيب امتياز في المستشفى الجامعي منشغلاً بدراسته وحياته وأحلامه، حسبما تتصور، اليوم طويل عليها حتى ملّ منها الملل .. لم تعد تخبز مخبوزاتها وتهدي منها لـ فردوس، ولم تعد تشاركها تفصيل الفساتين وجلاليب البيت، ولم تعد تصاحِبها لسوق السمك تسمع منها حصصًا ودروسًا عن الشبّار والصياديّة وملوخية الجمبري، تركاها ورحلا، وعَدَتهما بالزيارة لكنها لا تطمح في زيارات عابرة، بل تتمنى أن يكونا أسرتها مثلما كانا، اعتلّ مزاجها وصحتها، كأنها زهدت في الحياة وكرهتها، تقضي ساعاتٍ طويلة تحدّق في وجه إسماعيل معتقَلاً داخل الإطار الأسود، وشارات الحداد القديمة التي بليت فلم تغيرها ولم ترفعها، وبقيت تذكّرها بالعمر الذي ذهب ومعه أحلامها وقلبها، تفتح خزانتَه وتتشمّم بدلته العسكرية، وتطوف بأصابعها على دمائه المتيبسة المتخللة النسيج القديم، رائحته تتسلل لأنفها من خيوط البدلة العسكرية، يجتاحها الشوق والوجع، تمنت أن تنام على ذراعه وفي حضنه، تمنت لو عادت بها الأيام وعاد لها، ما تزال تحدّق في صورته، ملامحه التي نسيتها، ابتسامته التي حُرِمت منها، شبابه الذي ضَن على شبابها بالفرحة، تمنت أن تعود بها الأيام فترافقه في رحلة فراقِه ولا تعود، تصاحِبه في موكب السماء. أغمضت عينيها ونامت، غرقت في النوم، جسدها ثقيل، وأنفاسها بطيئة، تحلم وكأنها تخرج من فراشها، وكأنها تتجمل أمام مِرآتها وتتعطر لحبيبها، تحلم وكأنها تراه على باب غرفتها ينتظرها هادئًا راضيًا سعيدًا، تسمع صوته يبثها شوقه وحبه، تسمع همس كلماته يدوي في روحها ويروي الأرض الجدباء بالحزن، فتثمر ورودًا وفرحة، تحب الحلم الذي تعيشه، ولا تتمنى أن تستيقظ منه أبدًا، يمد لها أصابعه فتقبض عليها، يسحبها خارج الباب والبناية والدنيا والحياة، فتسير خلفَه، بل بجواره، يلقي ذراعَه على كتفها ويبتسم فتبتسم …وترحل نجوى لحضن الحبيب الذي طالما تمنت أن تعود لحضنه لحظةً واحدة، لكنها الآن في حضنه وللأبد.

  • يا عم وصفي.. يا خالتي فردوس.. يا زين.. ماما ماتت، ماما ماتت!

صرخ نبيل في التليفون، وانفجر باكيًا،  وسرعان ما استقل وصفي وزوجته سيارة نهبت الطريق من المدينة الباسلة للعبّاسية وسط الليل، وقبل أن يصلا كان زين قد طرق بابَه واحتضنه، وبكيا معًا، واستقبلا معه بقية العائلة؛ ليعيشا معًا بقيه الحزن المكتوب على جبينهما قهرًا على وفاة السيدة أم نبيل، حرَم المقدّم الشهيد.

وخلا العالم أكثر وأكثر على نبيل، واستبدت الوحشة بروحه، يراقبه زين قلِقًا، ينتظر منه مفاجأة غريبة يكسر بها وحدته مثلما اعتاد أن يفعل وقت أن تستبد به الدنيا فيتجاهل استبدادها، وكأنه لا يشعر بها ويمتطيها عابثًا بدلاً من الغرق في أحزانها.

– حاتجوّز يا زين 

صمتٌ طويل طويل، أخرسَ به زين أنفاسه ينتظر تفاصيل الجنون المطلَق الذي يقصه عليه نبيل بمنتهى الاستخفاف! 

 

(15)

 

ملقىً على الأرض تحت الأنقاض المتهاوية دمارًا وخرابًا، أنفاسه تقاوم الموت، تتصاعد شهيقًا وزفيرًا، تتعثر، يختنق، يسعل ذرات التراب، تخنق حنجرته، وتغلق رئتيه، يقاوم ويتشبث، فتتصاعد ثانيةً شهيقًا وزفيرًا، صوت صفارات الإنذار ودوِي الانفجارات ما يزال يتسلل لبقايا وعيِه وسط الألم الجامح الذي مزق أعصابه وجسده وروحه، الصوت ينبّهه “ما تزال حيًا، لا ترحل بسهولة، لا تترك موقعك، لا تنسحب من المعركة، عَقر الدبابير لن يمِيتك ولو نهشوا قلبك”. صوت صفارات الإنذار ودوِي الانفجارات يربطه ببقايا الحياة، وبوجه عمّ وصفي أيضًا، يأتيه وصفي وهو ملقىً على الأرض تحت ركام الأنقاض، يأتيه ويمسح على وجه برفق، ويهمس في روحه بما ينتشله من غياهب الرحيل، يأتيه وصفي المحارب المقاتل المقاوم الذي طالما حارب الأعداء وانتصر، ولثم الأحباب وبكى، يأتيه يناشده

“استنّى يا زين معانا، ساعتك لسّه ما جاتش، استنّى يا زين”.

يسمع صوت أبيه في أذُنيه، في قلبه، في روحه، يلمح مِن بين الرموش الملتصقة بقطرات متجلطة من دمائه الساخنة، أشباحًا تفتح الباب الموصَد، وتزيح مِن خلفِه الأحجار وبقايا الأثاث المحترق، يسمعهم يصرخون، لا يصرخون، بل ينادون آخرين ليساعدوهم، يتمنى أن يمد يدَه للأشباح لتقبض عليها ويذهب معهم، يرفع ذراعه الممزق فلا يرتفع مِن فوق الجسد المبعثر بالغدر، يفتح فمَه ليأمرهم بصرامةٍ عسكرية كعادته، لكنّ شفتيه ملتصقتان لا تُخرِجان أصواتًا مفهومة، يقاوم ويشحذ كل طاقته الدفينة ليتشبّث بالحياة، يسمع الجنديُّ همهماتِه المتحشرجة، يصرخ

  • ارفعوه معايا

يقترب مِن جسده المبعثر ويلملِم بقاياه في حضنه، وكأن قوةً جبّارة دبّت في جسده النحيل ليحمل زين بجسدِه الضخم مرة واحدة فوق كتفِه، يحلّق الجسد المتشبّث بالحياة، الخجِل من الرحيل منها قبل الانتقام والنصر، يحلّق فوق كتف الجندي، وكأنه يعاوِنه لينقذه، وصفي يمدّ ذراعيه بقوة الشباب الذي ولّى، ويساعد الجندي أن يحمل زين فوق كتفِه، يرفعه مِن تحت إبطِه ورأسه المدلّاة في حضنه خوفًا من أن تسقط. يقبض على جذعه بقوة، ويحمله للهواء، ينفض عن وجهه ذرات التراب، وعن رأسه وشعره، ويهمس في أذنِه بأدعية تحفظه، مثلما حفظت كل الرجال الذين حَملهم وصفي مِن تحت الأنقاض في كل الحروب

  • وربنا ينجّيك يا ابني

وفي الطائرة اتصلوا بالمستشفى العسكري لتستعد لاستقبالِه.

وتنسكب روحه بداخله أكثر، وتنزلق تختبئ من الألم الذي يعصف بالجسد الممزق، وتحمي نفسَها من أعاصير وجعِه وصوت وصفي يدوّي هامسًا حانيًا في أذنِه – ربنا ينجّيك يا ابني، ربنا ينجّيك ويكتبلك السلامه انت وكل اللي زيّك.

 

(16)

 

خلع ملابسه الأنيقة، وألقى بجسده على الفراش المعدني في الغرفة الصغيرة في استراحة المستشفى، وحدّق في السقف يتحدث مع نفسه كعادته وقت أن تخلو الدنيا من الأحباب، يحدّق في السقف ويتمنى أن يتصل بـ زين ليخبِره أن ليلى هجرته، قررت أن تبتعد عنه، ورفضت كل عروضه بالزواج منها، يتمنى أن  يتصل بـ زين ليخبِره أن ليلى التي كان يسبّها لأنها تخطفه من زوجته بمنتهى الأنانية، هي التي فكرت في نورة وضحّت بمشاعرها من أجلها، وأنها جميلة جدًا ولا تستحق هجومه ولا غضبه عليها. لكن الوقت تأخر، وهو مرهَق وتعِب

  • غدًا سأتصل بـ زين وأخبِره عن ليلى، علّه يحبها ويحترمها، ويكف عن ظلمها، غدًا سأتصل

وما يزال يحدّق في السقف، يتحاور مع نفسه، ويسألها وتجيبه، وكأنه مع صديق يحِبه في مقهى اعتادا الجلوس عليه

“هل أتيت لزيارة هذا الصديق لتتغير حياتي كلها؟ هل قادتني الصدفة لهذا المستشفى لأعود لنفسي ولأعثر على ليلى وعلى السعادة؟

ما يزال صوت نحيبها تأثرًا لرحيل أحد الأبطال مِن فوق طاولة العمليات، يوجع قلبي، يومها تمنيت لو أقوَى على أن أمسح دموعها وأبدّد أحزانها، لكن الحزن كان يسكنني، ودموعي تنتظر لحظةً لتنفجر، هل جمع الحزن بيننا يا ليلى؟ لماذا لم نلتقِ في الشارع وقت المطر، والحياة أدفأ وأجمل؟ لماذا لم نلتقِ على البحر، وأنا أجري خلف الموج، وهو يطاردني، والفرحة تلوّن الوجود بالسعادة؟ لماذا لم نلتقِ في أحد المقاهي، تأكلين الشوكولاته، وتحتسين عصير البرتقال، فآتيك بقهوتي وأغازلك ونتعارف؟ لماذا التقينا هنا؟ في لحظه الوجع المتجدد، لحظة الدموع المنهمرة، لحظه الرحيل الدائم؟! لماذا التقينا هنا؟ هل أتيتِ تشاركينني الحزن؟ تقاسمينني الوجع؟ تهوّني علىّ قسوة الأيام”؟ ما يزال يحدّق في السقف.

“تلك الليلة كانت طويلة، والمصابون كثر، عَملنا ساعاتٍ طويلة في غرف العمليات، نتنقل ما بين مصابٍ وآخر، نستخرج رصاصاتٍ غادرة، ونرتق الجروح، نمدّهم بالدم وبالحياة، نعبر بهم مِن معابر الرحيل لبوابات العودة للحياة، في نهاية الليلة خَلعنا ملابس العمليات سعداء راضين، ابتسامات الامتنان للمصابين أن قرروا أن يبقوا معنا، وأن يعودوا للحياة مرة أخرى من بوابات فرحتنا. لمحتُها تجرّ ساقيها إرهاقًا صوب غرفتها في الاستراحة، على وجهها تعبيرٌ جميل، ابتسامةٌ ربما، تلمع حدقتاها ببعض السطوع، أسير في طريقي أيضًا لغرفتي في الاستراحة، سأقترب منها وأكلمها، لست طبيبًا، وليست ممرضة، سأكلمها لأني وحيد يحتاج ونسًا، سأقص عليها حكايتي، أبي، وعم وصفي، خالتي فردوس، وأمّي، زين وإخوّة العمر، سأقص عليها ما أعانيه في بيتي مع السيدة التي صارت زوجتي ولم أحِسها ولا أحِس بها أبدًا، سأقترب منها وأكلمها، سأدعوها على كوب شوكولاته ساخن خارج المستشفى، سنفِر أنا وهي بعض الوقت بعيدًا عن المستشفى وروائحه النفّاذة، وصراعِ الحياة والموت، سنفِر أنا وهي بعض الوقت خارج الزمن الذي نعيشه وصعوباته، سأستحِم وأخلع جِلدي، وأتعطر وأرتدي ملابس أنيقة تليق بجمالها، ستأتينني نضِرة الوجه، جميلة الملامح، بشفتين ورديتين، ستحكي لي حكايتها التي لا أعرفها، لم تعِش حياة قاسية مثلما عشت، ولم تتوجع مثلما توجعت، ستقص عليّ وسأنصِت، في المقابلة الأولى سأطلب منها الزواج، سأقول لها صادقًا إنها التي كنت أبحث عنها، ستصدّقني وتوافقني ونتزوج، سنفِر من الزمن الذي نعيشه لزمنٍ نصنعه معًا ببهجة وجودنا معًا”.

ما تزال تسير صوب غرفتها، وما يزال نبيل يتابعها ببصره، خطواتها بطيئة إرهاقًا، وخطواته سريعة إعجابًا، اقتربَ منها.. ليلى.. ثبتت مكانها وابتسمت

  • تسلم ايديك يا دكتور نبيل، انت النهارده عملت شغل عظيم، بجد تسلم ايديك

ابتسم..

  • تيجي بُكره أعزمك على عصير برتقال برّه المستشفى..

وبدأت القصة التي سرعان ما انتهت، بدأت مع كوب عصير برتقال، وانتهت مع كوبٍ آخر، وما بينهما أدركت ليلى أن الارتباط بـ نبيل مستحيل، لن تسرقه من زوجتِه، ولن تهدم بيته، ولن تفسد حياة ابنتِه، أدركت ليلى ضرورة رحيلها عن المستشفى وعن حياته، لن تبقى تحِبه بعيدة وتتوجع، ولن تستسلم لمشاعرها فتفسد حياته وحياتها. أدركت ليلى أنه لا بدّ من الرحيل وبسرعة بعيدًا عن ذلك الرجل الذي تمنت أن تقابله في زمنٍ آخر، في وقتٍ آخر، في حياةٍ أخرى تسمح لهما أن يتكاملا، وأن يعيشا مشاعرهما، قررت ليلى وبسرعة أن تفِر منه ومن مشاعره، عندما أتاها يخبرها بقراره أن يطلّق زوجته ويتزوجها هي، في تلك اللحظة أدركت أن علاقتهما انتهت، تحِبه نعم، لكن الحب غير كافٍ لتعيش معه سعيدة، لن تبني فرحتها على أطلال جماجم ونحيب الغدر، وقت أن يقذف زوجته كالحذاء البالي بعيدًا، ووقت أن يشرّد صغيرته ويكسر طمأنينة روحها وأمانها، في تلك اللحظة أدركت أنه يتعين عليها الرحيل، حاولت أن تحصل على أجازة من المستشفى، لكن مديرها رفض، فهذا الوقت الصعب ليس وقت الأجازات، المصابون والجَرحى يتوافدون على المستشفى ليلَ نهار، والبلد في حرب، ستبتعد عنه ولو تلاصقا، هكذا قررت، ستخبره بقرارها، أحِبك لكني سأبتعد، ولماذا أحِبه؟ لأنه يستحق، ولماذا سأبتعد لأني أستحِق حياة أكثر إنسانية من الغرام الموحش المحاط بالدموع واللوم وقهر النفس. ما بين كوب العصير الأول، وكوب العصير الأخير الذي دَعته له، عاشت سعادة مسروقة سرعان ما أنهت لحظاتِها، ما أشقّ أن تعيش سعادة مسروقة تفسِد عليك الفرحة والأحلام.

مِن أين أتيتِ بتلك القوة يا صغيرتي؟ يتمني أن يسألها وهي تخبِره بإصرارها على الابتعاد عنه، وهي تخبِره أنها ستترك المستشفى وتنتقل إلى أخرى أقرب لمنزلها، وأنها أحبته لكنها ستبتعد، ولن تكون سعادتها أنشوطة القهر حول رقبة نورة!

يحدّق فيها لا يصدق أن الفتاة الصغيرة الجميلة التي كانت تنتحب مقهورة، هي ذاتها الشابة القوية التي تخبِره عن قراراتها الصارمة! تمني لو سألها كيف أصبحتِ قوية ولماذا لم أصبح أنا؟! لكن الخرس ألصق شفتيه ببعضهما، ها هي ليلى أيضًا توجعه، وكأن قدَره في الحياة أن يوجعه الجميع، مكتوب عليه الشقاء، وهذا قدره، حاول أن يثنيها عن قراراها، لكنها صمّمت بقوةٍ أعجبته، لو كانت الأيام غير الأيام، والزمن غير الزمن، لكانت تلك الشابة قادرة على أن تسعدني، ولكنت قادرًا على أن أسعدها، لكن السعادة ما تزال بعيدة، وربما لن تأتي أبدًا! ليلى طوت الصفحةَ بينهما وأغلقتها، وما بقي كان مجرد وجعٍ جديد يضاف لكل الأوجاع الأخرى.

وما يزال يحدّق في السقف، ربما غفَا وحلمَ، ربما ما يزال يقِظًا وهائمًا مع أفكاره وذكرياته، كل هذا لا يهم، ما يهم أن ليلى طوت الصفحةَ بينهما وانتهى الأمر، أو هكذا كان يظن وقتَها.

 

(17)

 

الوقت ليل، وأنين الجرحى والمَرضى هدأ قليلا بعد أن سَرت الأدوية المخدّرة في عروقهم، وتسلل بعض النوم لأجسادهم المرهقة بالأوجاع. تسلل نبيل من عنابرهم مطمئنًا وتركهم موصيًا الممرضات بمتابعة حالاتهم وإخطاره بكل تطوراتها، تسلل لغرفته الصغيرة، ألقَى بدنه على السرير الحديدي البارد مثل أجساد المَرضى وقت أن تفِر أرواحهم من أوجاعها، وتترك الجسد شاحبًا باردًا، تداهمه الأفكار والخيالات، ويتمنى بعض النوم العزيز، لكنه لا يأتي، ولن يأتي! يفتح التليفزيون، ويبحث في برامجه الإخبارية عما يسرق وعيَه اليقِظ المتوجع بحال مرضاه، تقتحم مايا غرفتَه بصوتها المرتعش الغاضب، تصدمه ملامحها المنحوتة بالوجع، ووجهها البريء الغاضب، وهي تصرخ وتتحدّى

  • أنا ابنة البطل الشهيد محمد المبروك

صوتها المتهدج، والدموع الزجاجية المعلّقة في حدقتيها ونظراتها، كل ذلك يذبحه، يغيب صوتها عن أسماعه، تفِر بقية كلماتها بعيدًا عن وعيه وإدراكه

“قولي يا مايا”..

تقول مايا وتقول، المشهد ثقيل، وصورة أبيها في خلفية دموعها، ما أقسى البشرَ الذين يحوّلون الأب لصورةٍ وذكرى وأضغاث كوابيس، ويحوّلون الطفل الذي كان عاديًا مثل كل الأطفال ليتيم، يتبرع الكثيرون بالإشفاق عليه، وببعض الرأفة، وكثيرٍ من الحزن، يعرف تلك المشاعر جيدًا، يعرف تلك الملامح، يعرف هذا الوجع.

تصرخ بتحدٍ

  • أنا بنت الشهيد البطل محمد المبروك..

كلماتها تدوّي في أذنيه، وتهبط على قلبه بمعاولها الثقيلة تمزقه، يتمنى أن يأخذها في حضنه، وأن يهمس في أذنيها بأن كلنا أبوكِ وأنت ابنتنا. يتمنى لو أيقظ نورة من فراشها الدافئ، وألبسها ثوبها الجديد، واصطحبها لبيت محمد المبروك وعرّفها بـ مايا، وتركهما يلعبان معًا ألعاب الطفولة البريئة، ويتشاركان الحزنَ الدفين، يعرف نوعية ذلك الحزن الدفين، الحزن الموجع الأزرق البارد الذي يتسلل في الأوردة والشرايين ويحتل الروح، وقت أن يشعر الطفل بأنه صار بلا سند ولا حماية، صار مَحط إشفاق الكبار وحزنهم، صار وحيدًا لا أحد يعرف بحق ما الذي يعتمل في روحه وحزنه، وجرحِه ووجعه، يعرف ما الذي تمر به مايا، يعرفه لأنه مَر به، نعم كان أصغر منها، لكنه ما يزال يذكر كل لحظة حزن، وكل ثانية وجع، يعرف الكابوس الذي يحتل عقله وروحه، ويمنّي نفسَه أن يستيقظ منه ليجِد أباه في الصالة يقرأ الجريدة مثل عادته، فيناديه وقت أن يراه ويجلِسه على ساقيه ويهدهِده.

“سأستيقظ من الكابوس لأجِد أبي في الصالة مثلما اعتدت، سيطلبني في التليفون وأردّ عليه، سيقول لي افتقدتك، فأقول له افتقدتك أكثر، أسأله متى تأتي؟  يقول لي قريبًا، وبالفعل يأتي قريبًا. لكن التليفون لا يرن، وأبي لا يطلبني، وأمّي تبكي، وجدّتي أيضًا، والنسوة بملابس الحداد يتوافدن على منزلنا يبكين مع أمّي، وتأخذني كل منهن في حضنها بقوة تضغط على ضلوعي بمحبة ولا بأس يا حبيبي.. وأصمت، وأبكي، وأحيانًا أتوجع وأجري، أكره أحضان الحداد، أكره أحضان الحزن والإشفاق، أكره كل ما تقُلنه وتفعلنه، ولا أرغب إلا في عودة أبي يأخذني لحضنِه فأطمئن وأنام، يمسح دموع أمّي المنهمِرة على وجهها المحتقن، فتطئمن وتبتسم وتعود الحياة مثلما كانت”

لكن أحلام الصغار لا تتحقق، وتبقى جِنيّاتها الطيبات يأتين لهم في النوم واليقظة، يطيّبن خواطرهم لأن الأحلام تبقى أحلامًا، والواقع المرير يفرض نفسه عليهم وعلى الحياة كلها.

أمّه تبكي في ركنٍ بعيد، والنسوة اللاتي يتشحْن بالسواد يشاركنها البكاء، لا أحد يخبره أين أبوه ولا لماذا تبكي أمّه! ودّعه أبوه قبل عدة أيام، ودّعه مرتديًا زيّه العسكري، ووعَده حين يعود في أول أجازة في نهاية رمضان أن يصطحبه لمباراة الأهلي والزمالك، لكنه لم يأتِ، وألغِيت المباراة، وكل المباريات من حياته، وغاب أبوه أيضًا للأبد! الحياة كلها توقفت في منزلهم، وكأنهم رحلوا مع رحيل أبيه للضياع ومستنقعاتِ الحزن.

  • أنا مايا ابنة الشهيد البطل محمد المبروك باقول لهم

صوتها يرتعش، ونبراته تختلج، وقلبها ينتفض، والحزن يرسم ملامحه الزرقاء على وجه طفولتها فيسرق منها الطفولة، ويبقِي لها اليتمَ جرحًا غائرًا في قلبها. يتمنى أن يبكي “ابكِ يا نبيل، ابكِ وشارِكها الحزن، ابكِ واقتسِم الحزنَ معها، أنا اليتيم الذي كان، وأنتِ اليتيمة التي صارت، وجميعنا في الحزن وحب الوطن شركاء وضحايا”.

لكن دموعه تحولت أحجارًا تمزق نياط قلبِه ولا تنهمر. يحدّق في حدقتيها، يعرف تلك النظرة، يعرف ذلك التحدي، يعرف ذلك الغضب، يعرف تلك الكراهية، الرصاصات التي تخرج من فوهات أسلحة الأعداء لا تخلق موتًا ولا وجعًا ولا حزناً فقط، بل تستجلب الكراهية، وتلوّث بها قلوب الأطفال الأبرياء .. و”ليه يا زمان ما سِبتناش أبرياء”؟! 

“الكراهية التي في قلبك يا مايا، هي الكراهية التي في قلبي، أنا وأنتِ ضحايا العدو الواحد، ولو تلونت الوجوه والأشكال والأسماء، العدو لوطننا واحد، ومَن قَتل أباكِ قتلَ أبي، ومَن يَتّمكِ يتّمني، والعَلَم الذي تحملينه رمزًا لأبيكِ، حملتُه رمزًا لأبي وشاركتك حزنك وأعرف مذاقه ووجعه وسمّه”.

  • وباقولّهم..

ولا يسمع بقية كلماتها، ترتسم الأحرف على شفتيه كلماتٍ قالها وهو يبكي في المدرسة وسط زملائه، يتوعد العدو بالهزيمة الساحقة انتقامًا لأبيه، نفس الأحرف التي ترتسم على شفتيها تتوعد نفس العدو بنفس الهزيمة. “والحقّ يا مايا أن الوطن لم يبخل علينا بالفرحة، وأنزل بالأعداء الهزائم تلو الأخرى، ورفع راياتِنا المخضّبة بالدماء الشريفة الطاهرة للآباء الأعزاء، لكن الوجع بقي، والقهر استمر، والحزن دامَ، واليتم ظلّ، انتصر الوطن لنا، لكنه عجز عن أن يخلع الحزن من قلوبنا الصغيرة”.

ويحكي..  ويحكي لها عن كل ما عاشه وأحسه، ويتصورها تسمعه، ويتمنى أن يقفز داخل الشاشة ويأخذها في حضنه، لن تَجدي فيه شوكًا مثل أحضان الكاذبين المنافقين، لن تجدي فيه صقيعًا مثل أحضان المزيفين، ستجدين فيه الحنان الذي تستحقينه يا ابنة الغالي، يا ابنتي وابنة شريكي في الوطن والوجع!

يتمنى أن يقفز داخل الشاشة ويربّت على شعرها المنسدل على كتفيها، ويطمئنها بأنه موجود، هو وغيره من محبّي وعشاق هذا الوطن، موجود وتحت أمرها دائمًا، لكنه يجلس على السرير المعدني المتراقص في الغرفة الصغيرة الباردة، في وقت راحتِه بين العمليات الجراحية، وتشييع الموتَى، والدعاء للأرواح الطاهرة بالجنّة ونعيمها. يجلس بعيدًا عنها أميالاً وأميالا، وفي الغرف الكثيرة التي تملأ ردهات المستشفى يرقد الأحباب ينازِعون الموت، ويفِرون منه، ويتمسكون بالحياة، ويتشبثون بها لا يعرفون الأقدار ولا ما الذي تحمله لهم وستأتيه بهم، شرف الاستشهاد ووجعه. أم الشفاء واستكمال المعارك والحروب حتى اللحظة المكتوبة في اللوح المحفوظ؟ لا يعرفون ولا يعرف هو، هو يعمل ما عليه، ينزع من أجسادهم الرصاصاتِ وشظايا الدانات، ويرتّق الجروح والأرواح، ويوصّل لشرايينهم الممزقة دماء؛ علّها تمنحهم بعض الحياة وبعض الأمل، وتبقِي لأولادهم الطمأنينة، يحاول ويحاول، لكن القدر والمكتوب والنصيب ينفذون فوق رأسه، ورغم إرادته، وكل مصابٍ غالٍ يلاقي المقدّر له والمكتوب على جبينِه.

وما يزال يحدّق في وجه مايا حزينًا موجوعًا، ويقرر أنه سيزورها وقت أن يعود للقاهرة في أول أجازه. ابتسم ساخرًا من سذاجته

“أنت في القاهرة يا نبيل، أنت في القاهرة فعلاً يا نبيل”! 

يرى المستشفى الصغير الذي يعمل فيه على خط النار وجبهة القتال، يرى الصحراء تحيط به وبالمستشفى، يري المصابين وجثث الشهداء ممزقة بذات الدانات والرصاصات الغادرة، يرى الملابس المخضّبة بالدماء مثل بدلة أبيه التي ما يزال يحتفظ بها في خزانة ملابسه، يفوح منها عبير الشهداء ومِسكهم. “سأذهب لها غدًا”..

هذه هي آخر كلمةٍ قالها نبيل لنفسه قبل أن يغرق في بعض لحظات النوم القصيرة التي سرعان ما ستنتهي على صراخ ليلى وهي توقِظه

  • اصحى يا دكتور طوارئ.. طوارئ!
  • ليلى؟!

يبتسم وهو نائم؛ لأن هذه الـ ليلى ما تزال قادرة على أن تشحن روحَه ببعض الأمل، وبعض الغرام، وبعض الحياة، رغم كل ما يحيطهما من مواتٍ وقتامة وحزن، ليلى جرحه الجديد، ووجع قلبِه، وذنبه الذي يحمله بوعي وإرادة، وليذهب العالم كله للجحيم. “الاختيار ثمن يا نبيل، وأنت قررت أن تدفع الثمن، وتسدد كل الفواتير القديمة، تحمّل يا رجل تحمّل”.

 

(18)

 

“أنت ضحية الجميع، ضحية أبيك الذي استُشهِد من أجل الوطن، وتركك صغيرًا تتلظّى بنار اليتْم، ضحية أمّك التي أفسدت حياتك ببكائها وحسرتها وخوفها عليك، ووجعِ قلبها على الحبيب الذي غاب، ضحية نادية التي قبِلت أن تتزوجك بحثًا عن مأوىً بعد أن قهرتها زوجه أبيها وموت أمّها، ضحية ليلى التي رفضت مشاعرك خوفًا على ابنتك التي نسيتَها وسط براكين عواطفك وعشقك، ضحية نورة التي ضحّيت بحبك وهنائك من أجلها، أنت ضحية الجميع، هذا ما تظنه يا نبيل عن نفسك وحياتك، أليس كذلك”؟

صغيرًا جالسًا كان على مقعد خشبي، في فصلٍ تزأر فيه رياح الشتاء الباردة من النوافذ المكسورة، وأمامَه زين مدرّس مَهيب يمسِك عصا كبيرة يلوّح بها في وجهه، وكأنه سيضربه بها، يبتسم نبيل ساخرًا مما يقوله زين، الحق أنه يبتسم ساخرًا لأن الفيلم الذي يعيشه الآن لا يعجِبه، وليس حقيقيًا.

“أنت تحلم يا نبيل.. تحلم، استيقِظ وأخرِج نفسك من تلك الحِصة السخيفة التي يقرعك زين فيها بكلماته على رأسك، استيقظ يا نبيل استيقظ، لستَ تلميذًا، وزين ليس مدرّسك ولا وليّ أمرك، ولا يملك أن يضربك بالعصا، لا تخَف منه، ولا تسمع كلماته السخيفة، كل ما تعيشه ليس إلا كابوسًا سخيفًا.. استيقِظ يا نبيل”.

يهمس التلميذ الصغير لنفسِه، وجسدُه يرتعش من البرودة، والهواء يمزق وجهه بسياطه اللاسعة

“صحيح أننا نلعب، لكن ما أقوله لك كلام جاد، خارج قوانين اللعب”

يلوّح زين بالعصا في وجهه، وهو يشرح له ما يعيشانه معًا في تلك اللحظة، يحدّق التلميذ الصغير في وجه زين المدرّس، ويتمنى أن يصرخ فيه، لماذا تؤنّبني؟ ها أنت تؤكد لي أنك ضحية الجميع، حتى نفسك! أنا أؤنّبك وأوبّخك وأنت لا تستحق، أنت الضحية والجميع جناة ظالمون قساة، فلتشْكُ منا جميعًا للحياة، واطلب منها أن تعصف بنا جميعًا، أن تنتقم منا لك وتطيّب خاطرك وتهدهِدك وتصالحك، أنت الضحية، وجميعنا الجناة، هل هذا ما يسعدك”؟

“استيقِظ يا نبيل استيقظ، اللعبة التي تلعبها رغم أنفك مع زين ليست إلا لعبة في كابوس”!

يقترب منه زين المدرّس المَهيب، يقترب منه صغيرًا على المقعد الخشبي، يرتعش بدنه من البرودة والهواء اللاسع، يقترب منه ويمسِك ذراعه”.

“قبل أن تستيقظ احفظْ كلماتي وردّدها على أسماعك، ولا تنسَها أبدًا، احفظها عن ظهر قلب، قبل أن تستيقظ خذ لي كلماتي وافهم معانيها، لا ألومك لأني أحِب اللوم وتبكيتَ الآخرين، وأنت أيضًا لستَ كالآخرين ولا مِن ضِمنهم، ألومك لأني أحبك وأشفِق عليك من نفسك، من اختياراتك، من الجب الذي تغرِق نفسَك فيه بنفسك، ولا تسمح للحياة أن تنتشلك منه. لستَ ضحية للجميع، ولا ضحية لأحد، أنت مثل كل أبناء الحياة يعيشون حياتهم بأقدارهم، باختياراتهم، بمصيرهم، أنت مثلنا جميعًا عشت ما قُدّر عليك، لكنك استسلمت للقدر، ولم تحاول مع نفسك لكي تخرج من الجب وتنقذها”.

ما يزال التلميذ الصغير يرتعش من البرد، وما يزال المدرّس المَهيب يلوّح في وجهه بعصاه الكبيرة، فيرتجف قلبه رعبًا وفزعًا. الكلمات التي يلقيها المدرّس على أسماعه أكبر من عمره، وأصعب على فهمِه من الفهم، ينفجر التلميذ الصغير في البكاء، يرتفع صوت نحيبه، تنهمر دموعه، يرتجف ويرتجف، يقترب منه المدرّس المَهيب أكثر، يلقي بعصاه بعيدة ويحتويه بين ذراعيه ويهدهده، مثلما كان يفعل عمّ وصفي وقت أن عصفت به الحمّى والمرض، يحتويه بين ذراعيه ويطمئنه، لستَ وحيدًا، أنا معك دائمًا وأحبك وأخاف عليك، لكنك لا تساعدني ولا تساعد نفسك، لستَ وحيدًا، أنا معك دائمًا، لكنك أنت الفارّ من نفسك ومِني، أنت الفارّ من حياتك، ومن الحياة عمومًا.

“استيقِظ يا نبيل.. استيقظ يا نبيل، ما تعيشه كابوس موجع”!

نعم، الحضن الذي احتواه فيه زين أوجعه أكثر من كل الكلمات المسنونة ومن الدرس القاسي، الحضن الذي احتواه فيه زين أوجعه أكثر، ودموعه تنهمر بحق على وجهه تلميذًا صغيرًا، وفوق وسادته التي ينام عليها، والكابوس يعصف بعقله الباطن ويخيفه. “استيقِظ يا نبيل”، يهمس المدرّس المَهيب في أذنِه وهو في حضنه.

“قبل أن تستيقظ اسمعني جيدًا، لستَ ضحية، ولست مظلومًا، ولست عديم الإرادة، مشكلتك الكبرى أنك لم تجد نفسك بعد، كل هذه الحياة، والسنوات والاختيارات والتمرد والحزن، كل هذا عشتَه ولم تجد نفسك بعد، اذهب وابحث عن نفسك”.

فجأة تحوّل المدرّس المَهيب إلى تلميذٍ  صغير يجلس بجواره على المقعد الخشبي في آخر الفصل، تحوّلا إلى صديقين يتجاوران في المقعد الخشبي وفي الأسرار، يتجاوران في المقعد الخشبي والمنزل، ويتشاركان الحياة.

“اذهب وابحث عن نفسك، كفى تضييعًا للوقت”

 تجف دموعه بسرعة، ويبتسم ويتمتم بكلمات ممضوغة لا تفهمها نادية حين تسمعه يهذي وسط الليل كعادته

“اذهب وابحث عن نفسك، وعندما تجدها سترتاح وتريحنا جميعًا”

وتُدخِل نجوى رأسها مِن باب الفصل وتنادي نبيل

“تعالى يا حبيبي يلّا حنروّح”

وتدخِل ناديى رأسها مِن باب الفصل وتتشاجر معه لأنها تنتظره، وكعادته يتأخر عليها، وتُدخِل ليلى رأسها مِن باب الفصل، وتلوّح له تودّعه وتعتذر له عن كل الوجع الذي أوجعته إياه، وتتسلل نورة من باب الفصل، وتقترب من التلميذ الصغير، وتلقي نفسها في حضنه، وتقبّله من وجنتيه، وتمسك قلمًا ملونًا من أقلامه، وترسم شمسًا وقمرًا، ومنزلاً ملونًا، وقلبًا تكتب فيه اسمَه واسمها، وتسكن كفّها في كفّه، وتقبض أصابعها الصغيرة على أصابعه الصغيرة، وتنتظره ليصاحبها في طريقها الطويل. وتُدخِل فردوس رأسها من باب الفصل، وتدعو له بالسلامة والصحة، وبالستر وراحة البال.

ويبتسم الصغير ويتمنى لو ظل نائمًا للأبد، ودعاء فردوس يغمر روحَه بالطمأنينة والتفاؤل

و”استيقِظ يا نبيل استيقظ، وقت الأحلام انتهى، ووجبَ عليك أن تعيش الحقيقة”. يهمس زين له

“ابحث عن نفسك يا نبيل، ابحث عنها”

ويفتح نبيل عينيه، ويغلِقهما ويفتحهما ويغلقهما، وتتسلل اليقظة والوعي ببطء لعقله المرهق، وصوت زين يلاحقه “ابحث عن نفسك يا نبيل”

يغمِض عينيه ويعود للنوم بسرعة، كأنه يهرب من صوت زين الذي لا يتركه يهنأ بنومه، ويلاحقه بصوته القوي، “ابحث عن نفسك يا نبيل، ابحث عنها”!

 

 

 

التعليقات متوقفه