EBE_Auto_Loan

روسيا والغرب..وحرب تكسير العظام الخفية

الاتفاق الأمريكى الألمانى حول "السيل الشمالى ـ 2" انتصار لروسيا وخيبة أمل لأوكرانيا

64

الغرب يحاول توسيع جبهة المواجهة مع موسكو لإجهادها اقتصادياً وجذبها لسباق تسلح جديد

“الهروب” من أفغانستان الخطر الأكبر على روسيا والصين

تتعرض روسيا هذه الأيام لهجمة شرسة من قبل الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص، ففى الوقت الذى تنسحب فيه الولايات المتحدة من أفغانستان وعقدت العزم على الانسحاب من الصومال وحتى العراق بشروط، يبدو أنها عقدت العزم على توسع جبهة المواجهة مع روسيا، بحيث لا تستفيد روسيا من إخفاقات واشنطن فى مناطق النفوذ التى تنسحب منها، وفى نفس الوقت توسع خط المواجهة بحيث لا تتمكن روسيا من تحمل أعباء محاولاتها العودة للساحة الدولية كقوة عظمى ولا حتى كقوة إقليمية.

أولى هذه الجبهات كانت عقد قمة باتومى فى جيورجيا بين رؤساء كل من جورجيا ومولدوفا وأوكرانيا، بحضور جورج ميشيل وهو فى مكانة رئيس الاتحاد الأوروبى، تمخض الاجتماع عن ما عرف بإعلان باتومى، وفيه تؤكد الدول الثلاث على رغبتها وسعيها للانضمام للاتحاد الأوروبى ومن ثم حلف الناتو، اجتماع الدول الثلاث ذات الخصومة مع روسيا، والمشاكل الانفصالية فى داخلها، وتتهم فى ذلك روسيا. أعطى اجتماع هذه الدول وهذا الحلف بعداً معادياً لروسيا، حيث أوكرانيا وروسيا والنزاع فى منطقة الدنباس التى ترغب فى الانفصال عن أوكرانيا، وجورجيا ومشكلة ابخازيا وأوسيتيا الجنوبية والتى كانت سبباً فى حرب بين روسيا وجورجيا عام 2008.

أما مولدوفا فهناك إقليم تقريباً منفصل عنها يسمى بريدنستروفى، ويحد من محاولات مولدوفا الانضمام للاتحاد الأوروبى أو حلف الناتو حيث تتمركز فى هذا الإقليم قوات حفظ سلام روسية، كما أن معظم سكانه يحملون جوازات سفر روسية، ونفس الشيء ينطبق على الدنباس فى أوكرانيا وأبخازيا فى جورجيا.

جنوب القوقاز

ثانى هذه الجبهات فى جنوب القوقاز، وإذا كانت جورجيا فى شمال القوقاز، فإن أرمينيا وأذربيجان فى جنوب القوقاز، وروسيا كانت راعية لاتفاق سلام بينهما بعد حرب استمرت أسبوعين قامت فيها أذربيجان بتحرير الجزء الأكبر من ناجورنوكاراباخ المتنازع عليه بين البلدين، وكان من الممكن أن يكون اتفاق السلام هو نهاية الحرب، غير أن فوز رئيس الوزراء الأرمينى نيكول باشينيان الموالى للغرب بالانتخابات ودعوته لقوات من مجلس الأمن والتعاون الأوروبى للفصل بين قوات بلاده والقوات الأذربيجانية أغضب روسيا التى تعتبر المنطقة حديقة خلفية هى الوحيدة المفوضة بحفظ الأمن والسلام فيها، كما أن هذا يعبر عن عدم ثقته فى حيادية قوات حفظ السلام الروسية، وهو ما قد يعطى النزاع بعداً دولياً وليس إقليمياً. الطريف أن من زار هاتين الدولتين هو شارل ميشيل أيضاً فى محاولة لاستمالة الدولتين وإقناعهما بالتخلى عن الاتفاق الروسى مقابل ضمانات أوروبية وقوات لحفظ السلام، والهدف من ذلك تقزيم الدور الروسى فى فضاء الاتحاد السوفيتى السابق.

الانسحاب الأمريكى من أفغانستان

ثالث الجبهات التى فتحها الغرب بطريقة لم تكن روسيا تعتقد أنها ستفتح بهذه السرعة، الانسحاب الأمريكى من أفغانستان، وما سيجره هذا الانسحاب من متاعب على حلفاء روسيا فى منطقة وسط آسيا ذات الأغلبية المسلمة وما يمكن أن يستتبعه من تأثير طالبان على دول وسط آسيا وخاصة طاجيكستان وأوزبيكستان وتركمنستان، وتأثير ذلك على مسلمى روسيا الذين يزيد عددهم على 25 مليونا يعيشون فى منطقة القوقاز والفولجا القريبتين من وسط آسيا، هذا بخلاف التأثير التركى الذى ظهر فى حرب أرمينيا وأذربيجان.

ومن الممكن أن تمتد التداعيات إلى الصين الملاصقة لوسط آسيا، آخر الانباء تشير إلى استيلاء طالبان على جزء كبير من الحدود المشتركة مع طاجيكستان، وأن روسيا أرسلت مدرعات لدعم قواتها الموجودة فى القاعدة الروسية فى هذه الدولة، كما قام الرئيس الطاجيكى إمام على رخمون باستدعاء الاحتياط المقدر بعشرين ألف جندى لدعم حراسة الحدود مع أفغانستان تحسباً لتدفق اللاجئين الذين قد يأتون من أفغانستان. هذه جبهة جديدة فتحت وعلى روسيا أن تتحمل مسئولية الدفاع فيها، ليس فقط عن حلفائها ولكن عن نفسها ومسلميها من تسلل التطرف إليها، ومن أجل ذلك اضطرت روسيا للقاء مسئولين من حركة طالبان التى تصنف فى روسيا على أنها حركة إرهابية غير معترف بها ومحظورة فى روسيا. طالبان تسيطر الآن على 90% من حدود أفغانستان مع الدول المجاورة الجزء الأكبر منها مع حلفاء روسيا طاجيكستان وأوزبيكستان.

من الضغوط التى تتعرض لها روسيا كذلك، جاءت زيارة المرشحة الرئاسية السابقة سفيتلانا تيخونوفسكايا فى بيلاروسيا للولايات المتحدة ومطالبتها بفرض المزيد من العقوبات على بلادها، وهو الأمر الذى سيلقى بأعباء كبيرة على روسيا من حيث تقديم الدعم المادى والمعنوى لدولة شحيحة الموارد، لكن على أى حال الأمر ليس جديداً بالنسبة لموسكو، فهى تعتبر بيلاروسيا حليفا قديما وتعتبرها موقعا متقدما فى مواجهة روسيا لتوسع الناتو شرقاً، بالإضافة لوجود قاعدة روسية وأسلحة نووية بها فى الخط الأمامى للمواجهة الجديدة.

كوبا

ثم جاءت مظاهرات كوبا، المركز المتقدم فى مواجهة الولايات المتحدة، اتهم وزير الخارجية الكوبى الولايات المتحدة بالوقوف خلفها، حتى وإن كانت الجغرافيا هنا تجعل الاهتمام الروسى بأى تغير حاد فى كوبا لا يهمها كثيراً كما كان أثناء الحرب الباردة، إلا أن الأمر لا يعنى عدم اهتمام كامل من روسيا على الأقل مثل الاهتمام الروسى بما يحدث فى فنزويلا، فكوبا تقع على بعد كيلومترات من ميامى الأمريكية، وربما أثناء حديث روسيا عن أحداث كوبا واحتمالية تغيير النظام هناك تدرك جيداً أن الناتو يتوسع شرقاً ويقترب أكثر وأكثر من روسيا، لم لا تمتلك روسيا حليفا مثل كوبا على بعد خطوات من الولايات المتحدة، ولم لا تحافظ عليها كما حافظت حتى الآن على النظام المناوئ لواشنطن فى فنزويلا. هذا أيضاً عبء جديد ومكلف لروسيا فى حربها من أجل أن تقف ضد أحادية القطب الأمريكى، لفرض نفسها كقوة عظمى من جديد فى عالم ما بعد الحرب الباردة.

خط أنابيب

فى واقع الأمر لم تسر الأمور كلها على خلاف ما يريد الدب الروسى، فرغم العقبات والألغام التى زرعتها الولايات المتحدة فى طريق خط أنابيب الغاز “السيل الشمالى ـ 2″، تمكنت روسيا من استكماله الأمر الذى جعل الولايات المتحدة تقف عاجزة، وأن يصرح الرئيس الأمريكى بأنه لا يرى فائدة من فرض عقوبات على المشروع بعد أن تم تنفيذه بنسبة 99%، وأثناء زيارة المستشارة الألمانية ميركل لواشنطن وربما فى محاولة من الرئيس بايدن لإصلاح العلاقات مع ألمانيا أهم دولة فى أوروبا وافق على توقيع اتفاق يقضى بألا يكون هذا على حساب أوكرانيا التى تحصل على حوالى 2 مليار دولار من مرور الغاز عبر أراضيها لأوروبا، وألا يكون السيل الشمالى ـ 2 بديلاً عن استخدام خط الغاز الأوكرانى، وألا تستخدم روسيا المحروقات كوسيلة للضغط السياسى على أوروبا وإلا ستتعرض لعقوبات، إضافة إلى أن عددا من الدول الأوروبية وعلى رأسها بولندا ودول البلطيق الثلاثة ترى فى “السيل الشمالى ـ 2” مشروعا لإحداث انقسام داخل أوروبا. فى كل الأحوال مسألة استخدام الخط الأوكرانى لابد منها لدولة مثل سلوفاكيا ودول أخرى لن يطالها السيل الشمالى حالياً. بعض المراقبين يرون أن الاتفاق لا يعنى شيئا، ولن يزيل خطر فقدان أوكرانيا لأحد مصادر الدخل والأهمية الاستراتيجية، ووصف وزير خارجية أوكرانيا الاتفاق بأنه يشكل خطرا على أوكرانيا، وأن بلاده ستقاومه، على أى حال الكلمة الأخيرة فى الاتفاق ستكون بعد زيارة الرئيس الأوكرانى لواشنطن فى نهاية أغسطس. فيما يتعلق بالمخاوف الأوروبية من استخدام المحروقات كوسيلة للابتزاز السياسى من قبل روسيا، فهذا الأمر مستبعد، وكلنا يذكر حرب 2008 بعد عدوان جورجيا على أوسيتيا الجنوبية، كان أول ما صرح به الرئيس الروسى آنذاك دميترى ميدفيديف هو أن إمدادات الطاقة لن تتأثر، وهو ما حدث بالفعل رغم أن أوروبا كلها تقريباً كانت تقف إلى جانب جورجيا باعتبارها دولة حليفة ومرشحة لحلف الناتو.

الموقف حتى الآن غير واضح فيما يتعلق بالاتفاق الأمريكى ـ الألمانى، فى ظل انقسام أوروبى، واتهامات داخل الولايات المتحدة للرئيس الأمريكى بأنه قدم هدية للرئيس بوتين وأن هذا الأخير حقق انتصارا مهما على الإدارة الأمريكية الجديدة، بينما اكتفت الإدارة الأمريكية بأنها اشترطت مرور جزء من الغاز عبر أوكرانيا وأن روسيا لن تستخدم الطاقة كوسيلة ضغط سياسية، الطريف أن يحدث كل هذا دون أى مشاركة روسية تضمن تنفيذ الاتفاق.

وفى ظل عدم الرضا الأوكرانى، وانطلاق صيحات تشير إلى أن الغرب تخلى عن أوكرانيا وأنها قد تلجأ للصين كحليف فى المستقبل، كشفت نائبة رئيس الوزراء الأوكرانى لشئون التكامل مع أوروبا وحلف الناتو أولجا ستيفانشينا عن الشروط الأوكرانية التى وافقت بمقتضاها كييف على استكمال خط أنابيب الغاز “السيل الشمالى ـ 2” وحددتها فى حزمة قرارات تتعلق بالطاقة ومنها ضمان عبور الغاز الروسى إلى أوروبا عن طريق خط الأنابيب الأوكرانى، واستمرار العلاقة الثلاثية من خلال عقد بين الأطراف ثلاثة أطراف، وأشارت نائب رئيس الوزراء إلى أن بلادها لا تريد مجرد “اتفاق بل ضمان” لوحدة وسلامة الأراضى الأوكرانية، هنا يبدو أن الأمور اختلطت على المسئولة الأوكرانية وتطالب بحل سياسى لقضايا الأرض، وتنفيذ الالتزامات الأوروبية فيما يتعلق بتكامل سوقى الغاز والكهرباء وفقاً لاتفاقية الدولة المنتسبة للاتحاد الأوروبى، واقع الأمر أن كييف اشترت سمكا فى الماء بدون أى ضمان لأن صاحبة الشأن روسيا غائبة عن الاتفاق الالمانى ـ الأمريكى.

ورقة ضغط

على أى حال من يدرى ربما فى تقدير بعض الخبراء عقدت واشنطن الاتفاق للصلح مع أوروبا، أو للحصول على تنازل ما من روسيا فى إحدى القضايا العالقة بينهما ومنها انضمام أوكرانيا للناتو، أو لجعل خط الأنابيب “السيل الشمالى ـ 2” ورقة ضغط فى يدها ويد حلفائها الأوروبيين لوقف الخط بدعوى التلوث أو عدم تنفيذ روسيا التزاماتها فى الاتفاق حول أوكرانيا، وإذا اضطرت أوروبا لشراء غاز قد تلجأ للغاز الأمريكى المسال، فى البداية يجب أن يعمل الخط بعد أخذ موافقات الأمان والبيئة وغيرها وسنرى، أما أوكرانيا فهناك اتفاق مع روسيا على استخدام خط الأنابيب الخاص بها حتى عام 2024، رغم أن رئيس مجلس إدارة غازبروم اليكسى ميلر، أعلن أنه ليس فقط على استخدام الخط الأوكرانى ولكن مستعد لتمديد الاتفاق مع أوكرانيا لعشر سنوات شرط أن تدفع أوكرانيا ثمن الغاز بالسعر العالمى، وكذلك المرور. أو كما قال وزير الخارجية الأوكرانى لقد خسرنا فى الشوط الأول من المباراة ومازال أمامنا الشوط الثانى وضربات الترجيج، لننتظر وستتحدد الأمور بعد زيارة الرئيس الأوكرانى لواشنطن.

أمام هذا الزخم ومحاولات وتحرشات الغرب والناتو، ما كان لروسيا أن تقف مكتوفة الأيدى، فهى أولا قامت بعمل مناورات بحرية فى البحر الأسود رداً على مناورات “سى بريز” لحلف الناتو بل وصل الأمر إلى التحرش بين القوات البحرية الروسية وفرقاطة باسم “ديفندر” بريطانية، عندما أرادت اختبار القوات الروسية فيما يتعلق بالمياه الإقليمية للقرم، حيث أراد الغرب أن يوحى لروسيا بأنها تحتل القرم وأن المياه الإقليمية للقرم أوكرانية، غير أنه ووجه برد روسى عنيف وحاسم.

مناورات الخريف

لم تكتف روسيا بذلك بل بدأت فى نقل قواتها إلى بيلاروسيا استعداداً لمناورات الخريف بالقرب من حدود الناتو، لكن وهذا هو الأهم أعلنت روسيا عن تجربة ناجحة لصواريخ الدفاع الجوى إس ـ 500 أحدث نوع من هذا الطراز، بالإضافة إلى تجربتها لصواريخ “زيركون” التى تبلغ سرعتها 8500 كيلو متر فى الساعة ويمكن إطلاقها سواء من على الأرض أو من الغواصات، وهو ما يجعل روسيا تستغنى عن حاملات الطائرات التى تملك واشنطن  منها11، بينما روسيا لا تملك سوى واحدة، هذا بالإضافة إلى طائرة جديدة ذات محرك واحد وهى أحدث طائرة قاذفة مقاتلة تبدا روسيا فى إنتاجها، وهى من نوع الطائرات الشبح التى لا يلتقطها الرادار وتسمى تشيكميت بوتيكس من إنتاج شركة سوخوى، وتقول مصادر روسية إن عددا من الدول أبدت اهتماما بها منها الهند وفيتنام والأرجنتين والإمارات، وكما ذكرت المصادر سعر الطائرة الواحدة يتراوح ما بين 25 ـ 30 مليون دولار، هذا طبعاً بخلاف صواريخ نووية متعددة الرءوس يصعب على أى منظومة دفاع جوى تدميرها، منها “صرمات” متعدد الرءوس النووية.

الجدل قائم والاحتكاك والتحرش مازال ينذر بخطر، طالما استمرت واشنطن فى سياستها الساعية للهيمنة وخلق التوترات فى العالم على غرار ما حدث فى العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا وغيرها من مناطق العالم. وتوسيع جبهة المواجهة أمام روسيا لإجهادها اقتصادياً خاصة فى الظروف الحالية، ومازال الغرب يحاول وروسيا تصد سواء فى الداخل أو الخارج وهى تفرض كلمتها على الساحة الدولية بالتدريج.

 

التعليقات متوقفه