EBE_Auto_Loan

أمينة النقاش تكتب:عندما رد عبد الناصر على رسالتى

89

ضد التيار
عندما رد عبد الناصر على رسالتى

أمينة النقاش
أحتفظ في أوراقي برسالة تلقيتها منذ عقود من الرئيس جمال عبد الناصر، رداً على رسالتي له ، لتهنئته بعيد ميلاده. الرسالة تبدأ بكلمة «الابنة الحبيبة فلانة»، ما أن تلقيتها حتى حملتها معي بفرح وفخر في اليوم التالي إلى المدرسة، لكي أتباهى بها وسط زميلاتي: عبد الناصر أرسل لى خطابا قال لي فيه ابنتي الحبيبة، عبد الناصر تمنى لي النجاح والتفوق، لكن رحلة الزهو والفرح الغامر انتهت نهاية حزينة.
أمسك أحد المدرسين الخطاب في يده بغطرسة مفرطة، وراح يقلبه بين يديه بطريقة تستهدف التشكيك في صحته، ثم قال لي باستخفاف بالغ: أنت فاكرة جمال عبد الناصر فاضيلك، عشان يرد على رسائلك ،اللي كتب الرسالة دي السكرتارية اللي بتشتغل في مكتبه، وبترد كل يوم على مئات الرسائل، والأغلب أنه لم يقرأ رسالتك أصلاً!
عدت إلى المنزل باكية مقهورة، من الطعنة الغادرة التي سددها المدرس المتغطرس نحوي، لتغتال فرحتي الطفولية، وحين أخذت أروي ما جرى لي، طيب أبي خاطري بقوله، إن السكرتارية في مكتب الرئيس لا تعمل سوى بتعليماته، ولابد أن الرئيس عبد ناصر هو من أوصاهم بالرد على رسالتك بعد أن قرأها.
كان ذاك الزمن، زمن الأحلام الكبرى، والتحديات الكبرى. زمن ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعمار والاستغلال. زمن باتت فيه الكرامة العربية مرادفاً لاستقامة الحياة وعدلها. زمن أجلت فيه ثورة عبد الناصر الاحتلال البريطاني الذي جثم على صدر بلادي أكثر من سبعين عاماً ليبقيها دولة زراعية متخلفة تعاني الفقر والمرض والجهل، لتبقى حقلا زراعيا لقطن يجرى تصنيعه فى بلاده !.
“زمن قلنا حنبني وأدي أحنا بنينا السد العالي”، لتغدو معركة بناء السد رمزاً لاستقلال الإرادة الوطنية، وهزيمة القوى الاستعمارية، وعدوانها الثلاثي، الذي فشل في إعادة احتلال قناة السويس بعد تأميمها، لتصبح تلك المعركة، نموذجاً تقتدي به دول العالم الثالث لتحرير أوطانها، وفرض إرادتها المستقلة عبر بناء اقتصادها المستقل، واستعادة حقوق شعوبها المنهوبة، وجذب الأحلام المحلقة في عنان السماء، وتشيدها على أرض الواقع. زمن الشوق إلى بناء تماثيل رخام ع الترعة وأوبرا، في كل قرية عربية ، كما حلم صلاح جاهين وكمال الطويل و عبد الحليم.
لم أعد مدينة لجمال عبد الناصر فقط بالفرحة التي أضفاها خطابه ردا على رسالتى على مرحلة طفولتي، بل أدين له ـ كملايين غيري من النساء ، بفتح أبواب الأمل دون حدود لسقوفها، أمام المرأة للتعلم والعمل. فشهدت الجامعات المصرية تدفق مئات الآلاف من الفتيات إلى مختلف الكليات والتخصصات، وخاضت المرأة ميادين عمل لم تكن مألوفة لها من قبل، ليصبح 47% من علماء مصر الآن من النساء طبقاً لإحصاءات رسمية ،ولتدخل المرأة المصرية منتخبة للمرة الأولى فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر ،إلى البرلمان، وتتقلد موقعها كوزيرة.
تصدى عبد الناصر بشجاعتة المعهودة للتيارات المتاجرة بالدين، التي دأبت على أن تتخذ من المرأة ميداناً أثيراً لمعاركها وعدوانها و سبق لممثليها في جماعة الإخوان محاولة اغتياله.
وحين طالبه واحد من شيوخ الجماعة في مؤتمر شعبى علني بمنع المرأة من العمل «حفاظاً على الأخلاق» وفرض غطاء الرأس عليها، رد عبد الناصر عليه مذكراً إياه بأن بناته هو نفسه تعملن طبيبات، وأنه لم يستطع كوالد أن يرغمهن على ارتداء غطاء للرأس، فكيف يطالبه أن يفعل ذلك مع ملايين النساء، وأضاف عبد الناصر أن عمل المرأة يحفظ لها كرامتها، ويصون أخلاقها في مواجهة الاحتياج والفقر..
كلما هل شهر يوليو، ينطلق في الأجواء السؤال العدمي المألوف،عما الذي بقي من ثورة يوليو؟ بقي منها كل ما سبق. بقي منها أنه لا حياة لعالم الصغار سوى بالاعتماد على النفس، بقي منها أنه لا استقرار دون رضا الناس وتلبية احتياجاتهم الحياتية المشروعة، بقي منها أن الشعور بالحرية والكرامة الإنسانية هو صنو للقمة الخبز لا غنى عنه، وأنه الطريق الآمن كى يكون الوطن محلا للسعادة المشتركة للجميع .
لكن المؤكد أنه يظل محفورا فى الأفئدة والوجدان، كلما هل علينا شهر يوليو قول أبى فراس :
سيذكرني قومي إذا جد جدهم، وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.

التعليقات متوقفه