agri_bank_oct
EBE_Auto_Loan

د. عبدالفتاح مطاوع رئيس قطاع مياه النيل الأسبق يكتب لـ”الأهالي”:جثث التيجراي في نيل عطبرة والمأساة الإثيوبية

405

نيل عطبرة من أهم روافد نهر النيل الواردة من الهضبة الأثيوبية، حيث بدايات منابعه من أطراف دولة إريتريا و باقي منابعه من دولة إثيوبيا، حيث إقليم التيجراي الذي يسميه نهر التيكيزي، وعندما يدخل النهر شمال شرق السودان يسميه الأهالي نهر ستيت، الذي يصب مياهه في نهر النيل الرئيسي شمال العاصمة الخرطوم، عندها يسميه السودانيون والمصريون نهر عطبرة أو النيل العطبراوي. 

جثث التيجراي في النيل العطبراوي: 

خلال الأيام القليلة الماضية ومع بداية شهر أغسطس الجارى ٢٠٢١ ، الذي يشهد فيضاناً عالياً هذا العام، تناقلت وسائل ووكالات الإعلام الدولية الأنباء عن وجود عشرات الجثث من الإثيوبيين الطافية على مياه نهر تيكيزي أو نهر ستيت، ولم يذكروا نهاية رحلة تلك الجثث إلى نهر عطبرة ثم مجرى النيل الرئيسي شمال الخرطوم.

تفيد معظم التقارير أن الجثث لمواطنين من إقليم التيجراي، و حسبما يدل الوشم المرسوم على جلود أجسادهم. 

ومن المفترض أن يتوقف سير الجثث قليلاً في بحيرة خزان أو سد خشم القربة المقام على نيل عطبرة، و لكن نظراً لأن فيضان النيل هذا العام عالٍ، و على الأخص خلال شهر يوليو و أغسطس الجاري، فمن المتوقع أن يتم فتح كل بوابات الخزان وكذا جميع فتحات مفيض الطوارئ، وقد تمر منها بعض الجثث العالقة إلى مجرى النيل الرئيسي في إتجاه الشمال.

أهمية نيل عطبرة لدولتي المصب السودان ومصر:

متوسط إيراد نهر نيل عطبرة السنوي حوالي ١٢ مليار متر مكعب سنوياً للنيل الرئيسي، المقدر إيراده ب ٨٤ مليار متر مكعب سنوياً عند أسوان، و على الرغم من ذلك فإن إيراد نهر عطبرة في السنوات عالية الإيراد قد يصل إلى قرابة ٢٥ مليار متر مكعب سنوياً مثلما حدث بفيضان العام الماضي، ومتوقع له أيضاً أن يكون عالياً هذا العام.

إمكانيات وصول بعض جثث منابع النيل لبحيرة ناصر أمام السد العالي:

حال وصول بعض الجثث الطافية الى النيل الرئيسى، ليس من السهل وصولها إلى بحيرة ناصر أمام السد العالى بأسوان، وذلك لوجود سد مروى وخزانه في منطقة مروى بشمال السودان، حيث الجثث تكون أقرب إلى أن تتحلل وتأكلها أسماك النيل وتماسيحه.

كان قد سبق في فترة التسعينيات من القرن العشرين، أن حدثت المذابح الجماعية فى دولتي رواندا وبوروندي بين قبيلتي الهوتو و التوتسي، والتي راح ضحيتها أكثر من مليون مواطن منهم مائة ألف قتيل في يوم واحد، تم إلقائهم في نهر كاجيرا أحد روافد النيل الأبيض، والذي يصب مياهه في بحيرة فيكتوريا، عندها انزعج المصريون خشية أن تتلوث مياه النيل بالقاهرة، و لكن نظراً لأن رحلة الجثث من منابع النيل الأبيض تأخذ عدة أشهر في مسافة تقدر بالآلاف من الكيلومترات، تمر خلالها من خزان أوين و بحيرات فيكتوريا و كيوجا و ألبرت و مستنقعات جنوب السودان، ثم خزان جبل الأولياء على النيل الأبيض جنوب الخرطوم، عندها تنفست القاهرة الصعداء و حمدت ربها أن مخاطر تلوث المياه بالقاهرة لا تذكر.

مخاطر ما يحدث بإثيوبيا على السودان و مصر:

مما لا شك فيه أن تسلسل سير الأحداث بأثيوبيا خلال الأشهر الماضية يؤكد على تأثيراتها السلبية على سكانها و دول القرن الأفريقي، وكذا على دولتي مصب نهر النيل السودان ومصر، و الأمثلة كثيرة، على سبيل المثال لا الحصر أن جثث التيغراي من الهضبة الإثيوبية إلى النيل الرئيسي لا تأخذ رحلتها سوى بضعة أيام، وعلى الأخص في شهور الفيضان الصيفية، والتي تنتشر فيها الأوبئة كالكوليرا والملاريا، ناهيك عن الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها الدولة الأثيوبية بقواتها الأمنية و ميليشيات قومياتها المتعددة ضد بعضها البعض.

وقد سبق وأن حذرنا في مقالاتنا السابقة من مخاطر تعلية الجزء الأوسط من سد النهضة، وصب خرسانته أثناء موسم الفيضان، وغسيل الأسمنت المادة اللاحمة و خلق منطقة ضعيفة  فى جسم السد، بسبب قرارات سياسية متعجلة وغير مدروسة المخاطر.

على جانب آخر لم تتوقف عمليات إطلاق النار بين الدولة الاثيوبية و أقاليمها المختلفة، والتي يعقبها يومياً الآلاف من النازحين و اللاجئين و المهاجرين الشرعيين و أضعافهم من غير الشرعيين، ناهيك عن القتلى و الجرحى بالمئات، و كذا مئات الآلاف من السكان المعرضين للمجاعة ونقص الغذاء.

زمن الطبطبة انتهى: 

حتى يكون للكتابة في الشأن العام طعم، أعتقد أن الوقت قد حان لتسمية الأمور بمسمياتها الصحيحة، وأن الساكت عن قول الحق شيطان أخرس.

فما يحدث فى إثيوبيا وبكل وضوح جرائم ضد الإنسانية داخل إثيوبيا، يمتد تأثيرها على جيرانها فى القرن الإفريقي وشركائها في نهر النيل، ويتمدد ليصبح قارياً لتصل تأثيراته على دول حوض البحر الأبيض المتوسط و البحر الأحمر.

فمثلما أصبحت تأثيرات التغيرات المناخية تتعدى حدود الدول المسببة للانبعاثات الحرارية إلى الدول التي لا تسبب أية تأثيرات سلبية على المناخ، فإن التوصيف الدقيق لما يحدث بالداخل الأثيوبي هو أن له تأثيراته السلبية على ما وراء حدودها السياسية.

والأمثلة كثيرة، وأقرب مثال هو عدم الالتزام بقواعد ومبادئ القانون الدولي عندما نتحدث عن اتفاق قانوني ملزم لإدارة و تشغيل سد النهضة، واستكمال دراسات الأمان لسد النهضة و آلية لفض المنازعات.

المثال الصارخ هو وجود ملايين الجوعى جراء نقص الغذاء، وتعطيل توصيل الغذاء، ومنع المزارعين من زراعة أراضيهم، والتسبب في كارثة إنسانية غذائية من صنع الإنسان.

الجديد فى الموضوع هو مشاهدة أفلام تراجيدية حقيقية تحت عنوان “جثث التيغراي في النيل” والذى يذكرنا بقصة الفيلم الخيالي للكاتبة المشهورة أجاثا كريستي بعنوان “جريمة فى النيل” وكأنها كانت تتنبأ بما سيسببه الإثيوبيون في أيامنا هذه.

و بناء عليه:

تتقدم السلطات المصرية إلى كل من الاتحاد الإفريقي ومجلس الأمن الدولي والعالم بمذكرة جديدة، تجسد فيها المأساة الإثيوبية وخطرها على شعب تيغراي وشعوب دول حوض النيل والقرن الإفريقي ومياه النيل، محصلتها تقول: “زمن الطبطبة في النيل إنتهى”.

التعليقات متوقفه