agri_bank_oct
EBE_Auto_Loan

أمينة النقاش تكتب:ارفعوا أيديكم عن رغيف الخبز

166

 ضد التيار 
ارفعوا أيديكم عن رغيف الخبز

أمينة النقاش
فى ينايرعام 1977 أقدمت الحكومة على رفع أسعار السلع الأساسية، وهو ما أدى لسخط شعبى عارم اندلعت على إثره المظاهرات الغاضبة التى سميت بمظاهرات الخبز، فى أنحاء مدن ومحافظات الجمهورية، رفضا لتلك القرارات.استمرت المظاهرات لمدة يومى 18 و19 يناير. عجزت الحكومة يومئذ عن إدراك أن عبء ذلك الاجراء يقع على محدودى الدخل والفقراء، ولا يتناسب مع مستويات دخولهم الحقيقية التى يلتهمها الارتفاع المستمر فى الأسعار، حيث عبر عن ذلك واحد من الشعارات التى سادت تلك المظاهرات هو «سيد مرعى ياسيد بك كيلو اللحمة بقى بجنيه». هذا فضلا عن أن الاجراء افتقد للعدالة فى توزيع التضحيات المطلوبة للاصلاح الاقتصادى، حسب قدرة الفئات الاجتماعية على تحملها.
تراجعت الحكومة مرحليا عن تلك الاجراءات وأوقفتها، ثم لجأت إلى حل أمنى باتهام حزب التجمع بالتحريض عليها، والقاء القبض على عدد كبير من أعضائه وقيادته فى القاهرة والمحافظات، وتقديمه مع غيرهم من أعضاء حزب العمال الشيوعى للمحاكمة بتهمة باتت حاضرة للاستخدام المتكرر، وهى محاولة قلب نظام الحكم، والسعى لتغيير النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية بوسائل ثورية غير مشروعة.!
برأت المحكمة برئاسة المستشار «حكيم منير صليب» كل المتهمين فى القضية. وشكلت حيثيات البراءة إدانة واضحة لقرارات رفع اسعار السلع. وجاء فيها أن المحكمة وهى تتصدى لتلك الأحداث بالبحث عن عللها، لابد أن تذكر أن هناك معاناة تأخذ بخناق الأمة المصرية، وتشمل مجمل نواحى الحياة والضرورات الأساسية للإنسان المصرى.. والمصريون يواجهون العناء وهم يحاولون الحصول على طعامهم وشرابهم، ويجابهون الصعوبات، وهم يواجهون صعودا مستمرا فى الأسعار، مع ثبات مقدار الدخول.. ويقاسون فى كل لحظة من نقص فى الخدمات. وتتساءل حيثيات الحكم، من أين لهذا الشعب ومعظمه محدود الدخل، أن يوائم بين دخول ثابتة وبين أسعار أصيبت بالجنون، ثم تؤكد الحيثيات أنه لايمكن فى مجال العقل والمنطق أن ترد تلك المظاهرات، إلى سبب آخر غير قرارات رفع الأسعار.
منذ ذلك التاريخ ظل مطلب رفع الدعم عن السلع الأساسية وتحويله من دعم عينى إلى دعم نقدى طبقا لشروط صندوق النقد الدولى، هدفا ثابتا على جدول الحكومات المتعاقبة. وفى منتصف تسعنيات القرن الماضى، قال الرئيس مبارك فى إحدى خطبه، لقد قمنا باجراءات تفوق كثيرا ماجرى فى يناير عام 1977 ولم يحدث شىء .لكن ما غاب عن الرئيس مبارك أن تلك الاجراءات من بيع القطاع العام وتحرير سعر الجنيه وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية والسكانية، قذفت بعدد جديد من ملايين المصريين إلى حافة الفقر وما دونه.
كل المبررات التى يسوقها مؤيدو دعوة الرئيس السيسى لرفع سعر رغيف العيش، هى صحيحة. فعشرين رغيفا هى ثمنا لسيجارة، لكن من قال أن كل من يأكلون الرغيف المدعوم يدخنون؟ وحتى لوكانوا من المدخنين، فهم يستطيعون الاستغناء عن السيجارة لكن لا يقدرون على الاستغناء عن رغيف الخبز .والعيش المدعم يستخدم علفا لتربية الماشية والطيور الداجنة فى الريف بعد أن ارتفعت اسعار الأسمدة، وتخلت الدولة عن دعم الفلاحين .أما استخدامه فى صناعة مشروب البوظةالذى يؤدى للسكر، لهذا يسعى الشيخ” كريمة ” بتصريحه لتحريم بقاء دعمه، فسوف تستمر تلك الصناعة مع ارتفاع سعر الخبز، فضلا عن ارتفاع سعر تناولها!
سعر رغيف الخبز ارتفع تدريجيا خلال الآونة الأخيرة بشكل فعلى، بتصغير حجمه وتقليل وزنه، فلا تبحثوا عن مبررات جديدة لمد أيديكم إلى جيوب الفقراء، ومعدل الفقر فى مصر طبقا لإحصاءات الجهاز المركزى تصل لنحو 30 % من عدد السكان، يشكل رغيف العيش مكونا رئيسيا فى غذائهم، وأحيانا وحيدا!.
الدولة تستطيع أن توفر 8 مليارات جنيه لتوفير وجبات لتلاميذ المدارس، دون أن ترفع سعر رغيف الخبز، بالعودة لفرض ضرائب على الأرباح الاستثمارية فى البورصة، وبتعديل نظم تحصيل الضرائب على كل أنشطة الاستهلاك الترفى، والإسكان الفاخر، وزيادة الضرائب الجمركية على السلع الكمالية المستوردة، وسد الثغرات لحيل التهرب الضريبى، وغيرها من الاجراءات التى تحمل القادرين والأثرياء لا الفقراء، عبء الاستجابة لشروط صندوق النقد الدولى . فالاقتصاد كما يقول العالم السويسرى «جان زيجلر» ليس ظاهرة طبيعية، لكنه أداة يجب أن توضع فى خدمة هدف وحيد: البحث عن السعادة العامة. آه والله.. السعادة العامة.

التعليقات متوقفه