agri_bank_oct
EBE_Auto_Loan

أمينة النقاش تكتب:عن الزيادة السكانية أتحدث 

58

ضد التيار 

عن الزيادة السكانية أتحدث 

أمينة النقاش 

فى قصته البديعة «أرخص ليالى» يحكى الكبير يوسف إدريس عن قرية تتلاصق بيوتها ببعضها مع البعض الآخر مثل القبور، وتجاور برك مياه تنشر روائح عفنة تفوح من مخلفات الأهالى والمواشى ومن تراكم ماء آسن صدئ. وما أن تنتهى صلاة العشاء، حتى ينتهى يوم القرية، بعد نهار عمل بدنى شاق ومجهد، ويهرع أهلها جموعا إلى نوم عميق. لكن الأرق انتاب ابن القرية «عبد الكريم» هذه الليلة، فبعد أن أدى صلاة العشاء، ألح عليه الخفير «طنطناوى» بتناحته المعتادة، أن يتناول معه كوبا من الشاى الأسود، فلبى الدعوة فطيرت النوم من عينه. الله يخرب بيتك ياخفير طنطاوى، ماذا سوف أفعل فى هذه الليلة الشتوية الطويلة؟ هكذا حدث «عبد الكريم» نفسه وهو يجول فى أنحاء القرية، بعد أن جافاه النوم، وانتابته الحيرة أين يمضى، وهومفلس وليس فى جيبه قرش واحد، يساعده على السهر فى قهوة لشرب الشيشة، أو لكى يمضى ليلته لدى صاحب غرزة. عضه الندم لاستجابته للدعوة الهباب لشرب الشاى مع طنطاوى الخفير.

بعد يأسه، قرر «عبد الكريم» أن يقضى ليلته «ببلاش»، كما اعتاد قضاء الأيام الباردة من لياليه عدل الكساء الذى غزله بيده من صوف النعجة، على كتفيه،.شد قدميه المتشققتين بشقوق بارزة، واتجه إلى بيته.

أطفاله الستة مكومون نيامًا على قبة الفرن فى ظلام دامس. عتب بينه وبين نفسه على الذى رزقه ستة بطون تأكل الحجر. الزوجة تغط فى نوم عميق، أخذ يحسس على قدميها المغلفتين بالتراب بالقنطار، ويزغزغها حتى أفاقت.

بعد شهور، كانت النسوة تبشره بولد جديد هو السابع، والذى لن يملأ طوب الأرض بطنه هو الآخر.

وبعد شهور وسنوات، كان «عبد الكريم» يتعثر فى جيش من الصغار، يزحمون حياته، وهو يتساءل كل ليلة وهو ناقم، ويائس ومفلس، عن الفتحة التى فى الأرض والسماء التى يأتى منها كل هؤلاء الصغار!.

يرسم العبقرى يوسف إدريس فى قصته، صورة مفعمة بالصدق والواقعية، عن الدور الذى يلعبه الفقر والتهميش والجهل فى قرى الريف المصرى، حيث تصبح كثرة الإنجاب، دون حتى رغبة الأسر فى ذلك، أرخص المتع وأيسرها، رغم التعاسة التى تجلبها على الأبناء والأهل.

تذكرت تلك القصة، والرئيس السيسى يجدد التحذير من الزيادة السكانية، وهو يفتتح مدينة بدر، وعددا من المشاريع السكانية الجديدة، داعيا إلى ضبط النمو السكانى، لكى لا يلتهم عوائد الجهود التى تبذلها الدولة، لتحسين حياة مواطنيها.

 تحذير الرئيس يأتى مع تجاوز تعداد السكان المائة مليون نسمة، ومع تصاعد الاهتمام الحكومى بوضع استراتيجية قومية للسكان تقضى على المناطق العشوائية التى حددها رئيس الوزراء بعدد357 منطقة، فى كل المدن والقرى المصرية، وتقوم الدولة حاليا بجهود جبارة لاقتحام مشاكلها وحلها.

تخفيض معدلات الإنجاب قضية متشابكة تنطوى على عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية ودينية، وهى قضية وعى بالدرجة الأولى. وبعد طول تجاهل، ولا أقول إهمال وتقصير، تأخذ الدولة الخطوة الأولى الصحيحة، وتمد يدها للريف لتحسين شروط الحياة الكريمة به، وهى خطوة غير مسبوقة بحساب الزمن والتكلفة. ومن الأهمية بمكان أن تأخذ تلك الخطوة الجسورة، بعين الاعتبار، العلاقة الوثيقة بين التصنيع وانخفاض معدل الزيادة السكانية. فالتصنيع يحول البيئة الريفية إلى بيئة حضارية ترتقى بالوعى وبالمستوى الثقافى والصحى والمعيشى للسكان، ويزيد فرص العمل، للإناث والذكور، بما يتيح المجال للاستغلال الأمثل للقوى البشرية فى القرى داخل مشروعات إنتاجية، الأمر الذى يجعل تنظم النسل للزوجين، ضرورة يستلزمها مواصلة العمل والعيش الكريم.

 لن يكون الحديث هنا عن تجديد الخطاب الدينى بعيدا عن تلك القضية. ففى كل قرية وحى شعبى حاوٍ جاهل يطلق لحيته ويلبس جلبابا وقبقابا، ويتاجر بالإفتاء بحرمة تحديد النسل، بينما فى ثلاثينيات القرن الماضى أفتى الشيخ عبد المجيد سيلم مفتى الديار المصرية بشرعية استخدام وسائل تنظيم الحمل!.

والتحكم فى الزيادة السكانية يحتاج، إلى وضع قيود حازمة التنفيذ على من يخالفون القانون، فيما يتعلق بالزواج المبكر. وقد يكون من الضرورى فى هذا السياق، فتح مناقشة علمية ودينية داخل البرلمان وخارجه، لإباحة حق الإجهاض، الذى اعتبرته هيئة الأمم المتحدة حقا من حقوق الإنسان، خاصة أن منظمة الصحة العالمية، أوضحت أن معدلات الإجهاض باتت متساوية فى الدول التى أباحته والأخرى التى تحظره.

وإخفاء حقيقة إجراء عمليات الاجهاض، لا يعنى عدم وجودها. والأقل تكلفة والأفضل لمستقبل بلدنا، تنظيم تلك العملية وتقنينها، بدلامن تجريمها وتحريمها.

التعليقات متوقفه