فريدة النقاش تكتب : مولانا

169

في أجواء عالم الفضائيات وشيوخ الوعظ والإرشاد علي الهواء كتب «إبراهيم عيسي» روايته «مولانا» التي جري ترشيحها لجائزة البوكر العربية، مستلهما بالتفصيل تجربته الشخصية في التعامل مع الأضواء.

يعرف «حاتم الشناوي» بطل الرواية نفسه بأنه تاجر علم ويصاحبه هذا الوعي بحقارة المهمة التي يقوم بها من أجل الحصول علي المال والشهرة، وذلك بعد أن أدمن عالم الأضواء ولم يعد يتصور نفسه مبعدا عنه، ومن أجل هذا الحضور الدائم علي الشاشات يقدم البطل التنازل تلو الآخر هو الذي راكم معرفة علمية عميقة بأمور الدين أخذ يستخدم بعض قشورها بحساب في صناعة نجوميته حتي كبرت هذه المسافة «بين كونك كائنا بشريا وبين تبدلك كائنا استعراضيا تليفزيونيا» ضربتك «العبودية الآسرة للضوء السحري» و«يبقي الرجل في حالة انقسام بين نفسه الحقيقية ونفسه الإعلامية» منتظرا بروق الضوء الأحمر كي يلبس نفسه المستعرضة، وشيئا فشيئا يكتشف الرجل الشديد الذكاء والقادر علي التلاعب «إن كائن الضوء الأحمر المدرب وليس هو من يظهر أمام والده وأخواته البنات» ويؤدي به الانغماس في عالم الأضواء المزيف إلي برودة الروح والانهيار الفعلي لزواجه من المرأة التي كان هو شيخها وحبيبها الذي تعلقت به حين كان شيخا بسيطا في جامع قريب من منزلها حتي أصابه هذا التوهان المشترك بينهما بحثا عن روحيهما الحقيقيتين، الشهرة اللامعة وبذخ المال غيراه فغيرها. كان الرجل قد انخرط بكل طاقته فيما أسماه «سباق المسافات الطويلة» ليجد لنفسه مكانا مميزا بين عبيد الضوء الأحمر، وفي التواصل مع جماهير تسأل في الدين أسئلة أغلبها تافه وفارغ وشكلي.

وفي واحدة من أهم ذري الرواية يسقط ابنه عمر في حمام السباحة وهو الذي جاء بعد عذاب طويل لدي الأطباء والمستشفيات، ويكون السقوط وسط لمة المعجبين وطلاب الفتوي وزحام أعضاء النادي حوله، يصاب الابن بعد إنقاذه بفقدان الذاكرة، ويتعرض الأب لانهيار عصبي ويعاقب نفسه بالاختفاء في المساجد لينظف المراحيض، وينام علي الحصير أو علي الأرض إلي أن تعرف عليه أحدهم وأعاده إلي منزله، ولم تغفر له زوجته أبدا هروبه منها ومن ابنه ساعة المحنة وتتجاوز محنة الابن السقوط الواقعي لتصبح دلالة علي العالم الفارغ الذي يعيشه الأب أخذ الانقسام النفسي يمزق روحه كأنما يتهرب من لقاء ذاته الأصلية هو الذي تعلم العزف علي العود وعشق صوت الشيخ «محمد رفعت» بل وتدرب لدي الرفاعية علي ملاعبة الثعابين، والآن بعد تراكم الثروة والشهرة فإن سنه «لم تعد تحتمل صدقا، الصدق مع النفس خبيث وشرير، وفيروس إن اخترق البدن ضرب كل المنظومة الخرسانية التي تصلب طولك في الدنيا» وهو يعرف جيدا أنه صالب طوله في الدنيا «بالنصب والتزوير» حتي أننا حين يقول حاتم لشيخه الصوفي مختار الحسيني «فيك حتة نور تضئ شيئا داخلي» نشعر أن هذا الصوت الكاتب لا الشخصية.

ومع تطور أحداث الرواية يتكشف لنا زواج السلطة والثروة والدين حيث تنشأ علاقة المصالح بين شيوخ التليفزيون وكبار المسئولين ولواءات الشرطة ورجال الأمن ويتزوج أحدهم من فنانة معتزلة وهناك أيضا القصور الفاخرة التي يملكها هؤلاء بمن فيهم البطل ورجال الدين من وعاظ السلاطين الذين يحبون من الدين أن يكون في خدمة التطلع والتطمع في الدنيا، وفتاواهم جاهزة دائما للخدمة وهم يتنافسون فيما بينهم كأنهم «في صراع عوالم لا علماء» يليق تماما بأساليب الدولة البوليسية والتوجهات الفاشية في معاملة الخصوم وكسر هيبتهم وتشويه صورتهم «حتي الاستعانة بأعمال البلطجة وإشعال الحرائق بالمنازل، وإتلاف الممتلكات الخاصة، وافتعال حوادث السيارات ومأموريات الإزعاج.. إلخ» كما فعلوا مع أسرة الشيخ الصوفي مختار الحسيني رغم أن مريديه هم كبار البلد، وأصحاب نفوذ وذوو مكانة.

وفي قلب الرواية التي تقع في خمسمائة وأربعة وخمسين صفحة عدة روايات أخري من قصة لنصر حسن شقيق زوجة ابن الرئيس الذي سمي نفسه بطرس التي تبدأ في الثلث الأول من الرواية، إلا أننا، وعلي طريقة الأفلام البوليسية لا نكتشف أنه متطرف ينتمي إلي تنظيم القاعدة إلا في نهاية الرواية حتي نتبين أنه اشترك في تفجير كنيسة، ومع ذلك فإن قصة التنصر لا التطرف هي التي تحتل مساحة واسعة جدا في الرواية وتفتح الباب لإدخال ابن الرئيس وزوجته في أحداثها.

تحمل الرواية طابعا تبسيطيا تعليميا لا يخلو من إنشائية وركاكة تسبب فيها الميل إلي الثرثرة وترهل البناء لأن الكاتب يسجل كل ما يعن له، لكنه استطاع أن يكشف لنا بعض حقائق عالم الفضائيات الدينية في طبخة متبلة بكل مشهيات الجنس والمال والسياسة والدين والشذوذ والمناقشة مع صاحب فتوي رضاع الكبير، والإسراف في الاستشهاد بآيات القرآن وهكذا يرضي كل الأذواق مع وعي قلق يعتمد السخرية كأداة مهمة ، خاصة السخرية من الذات التي يمارسها البطل حين يقول «أنا شخصيا كسبت من الدين فلوس أكثر من التي كسبها الخلفاء الراشدون».

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق