حسين عبدالرازق يكتب : احترام أحگام القضاء

25

تحتاج ردود الأفعال المختلفة علي الحكم الصادر من محكمة جنايات بورسعيد برئاسة المستشار صبحي عبدالمجيد وعضوية المستشارين طارق جاد المولي ومحمد عبدالكريم في القضية المعروفة إعلاميا بـ «مجزرة استاد بورسعيد»، والتي ذهب ضحيتها 74 شهيدا من ألتراس النادي الأهلي وأصيب 254 آخرون، بعد فوز النادي المصري البورسعيدي علي النادي الأهلي!.. تحتاج لتأمل وتحليل دقيق.

فقد قضت المحكمة بإعدام 21 متهما من بينهم 5 هاربين و5 مخلي سبيلهم و11 محبوسا، وبالسجن المؤبد علي خمسة متهمين، وبالسجن المشدد لمدة 15 سنة علي عشرة متهمين من بينهم اثنان من قيادات الشرطة ببورسعيد هما اللواء عصام الدين سمك مدير أمن بورسعيد السابق «خلال المجزرة» والعقيد محمد محمد سعيد رئيس قسم شرطة البيئة والمسطحات المائية ببورسعيد السابق «خلال الأحداث»، وأحد المسئولين عن استاد بورسعيد وهو توفيق ملكان طه صبيحة مهندس الكهرباء والإذاعة الداخلية باستاد بورسعيد، وبالسجن 10 سنوات علي ستة متهمين، و5 سنوات علي متهمين، وسنة واحدة علي متهم وبراءة 28 متهما من بينهم 5 من قيادات الشرطة والمدير التنفيذي للنادي المصري ومشرف الأمن بالنادي.

ودون الحاجة لقراءة الحيثيات اكتفاء بمنطوق الحكم ومواد قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية والقوانين الأخري التي استندت إليها المحكمة في حكمها، وكذلك التزام النيابة العامة بعرض أحكام الإعدام وجوبا علي محكمة النقض، فيمكن القول باطمئنان أن الحكم الصادر من محكمة جنايات بورسعيد – وهي القاضي الطبيعي للمتهمين – حكم قضائي استند إلي الأدلة المتوفرة في الأوراق وإلي اطمئنان ضمير القضاة لصحة الاتهام الموجه للمتهمين الذين أدينوا، وأن أي خطأ في تطبيق القانون من جانب المحكمة قابل للطعن عليه أمام محكمة النقض.

من هنا تبدو ردود الأفعال المختلفة غير منطقية وغير مقبولة، والتي تراوحت بين اعتراض لفظي والقيام بعمليات حرق وتدمير.

> فنائب الشعب السابق عن بورسعيد يعلن أن «الحكم باطل.. والقضاة ليسوا ملائكة، ولن يتم الخضوع تحت أقدامهم.. والحكم كان سياسيا وليس قضائيا، حيث تم الاستماع إلي الأصوات المرتفعة في القاهرة علي حساب محافظة صغيرة بحجم بورسعيد، وتم تقديمنا كقربان لتهدئة هذه الأصوات».

> وقام مجموعة من شباب رابطة ألتراس أهلاوي باقتحام نادي الشرطة القريب من النادي الأهلي في شارع الجبلاية بالجزيرة وإشعال النيران داخل المبني الاجتماعي وتحطيم محتوياته، احتجاجا علي الحكم القضائي!

> وقامت مجموعة من ألتراس أهلاوي بإحراق مبني اتحاد كرة القدم وكل الوثائق والأرشيف الخاص بالاتحاد، وسرقة كل الكئوس الموجودة بالمبني!

وأعلن ألتراس أهلاوي أن ما حدث هو «بداية الغضب» ولن يتوقف حتي يتم القصاص من العقول المدبّرة لمجزرة بورسعيد.

ويلفت النظر في جريمة إحراق مبني اتحاد كرة القدم، أن المجموعة التي نفذت هذه العملية كانت ملثمة ويحملون في أيديهم «جراكن» بنزين وزجاجات مولوتوف وكور قماش، مما دفع «حسن فريد» نائب رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم إلي القول إن هذه مجموعة إرهابية منظمة ومحترفة، وتحدث «طاهر أبوزيد» في نفس الاتجاه قائلا: «جمهور الأهلي وجمهور المصري ضحية مؤامرة رخيصة لم يعلن عن أطرافها، كما أن الشرطة المصرية تدفع ثمن هذا العنصر المجهول الذي يعبث بأمن مصر»، وحذر طاهر أبوزيد من خطورة «شيطنة» الألتراس، وأكد أن «الشعب المصري لن يبلع الطعم لأن ما حدث هو استمرار لاستخدام عناصر إجرامية كما حدث في أحداث محمد محمود والاتحادية ومذبحة بورسعيد».

> وتعرضت مدرسة قصر الدوبارة بميدان سيمون بوليفار لحريق محدود، وجرت محاولة لاقتحام فندقي سميراميس وشبرد، علي يد مجموعة من الصبية والمتظاهرين الدائمي الاشتباك منذ عدة أيام – قبل الحكم – مع الشرطة التي تتولي حماية السفارات والفنادق في منطقة جاردن سيتي.

> وهاجم عدد من الشبان الملثمين مول البستان وسط العاصمة مساء يوم السبت، وألقوا عددا من الزجاجات الفارغة علي واجهة المول، وتصدي لهم عشرات من العاملين بالمول وأصحاب المحلات التجارية المجاورة بالشوم وأسلحة بيضاء، ففر الملثمون هاربين.

> وأغلق ضباط وأمناء وأفراد الشرطة بمركزي شرطة الباجور وقويسنا بمحافظة المنوفية أبواب الأقسام ووضعوا الحواجز الأمنية أمامها، معلنين الدخول في إضراب مفتوح احتجاجا علي حكم المحكمة بسجن اللواء عصام الدين سمك مدير أمن بورسعيد السابق.

ولا شك أن هذه الاحتجاجات خلال يوم واحد ضد الحكم القضائي في مذبحة استاد بورسعيد – وهو حكم قابل للطعن عليه أمام محكمة النقض من جانب المتهمين المحكوم عليهم ومن جانب النيابة العامة – يمثل ظاهرة خطيرة تضرب في الصميم هيبة القضاء المصري واستقلاله واحترام الرأي العام لأحكامه، وتهدد السلطة القضائية وهي السلطة الوحيدة الباقية من سلطات الدولة التي تعرضت للانهيار في ظل الحكم الإخواني – السلفي لمصر.

وهذه الاحتجاجات هي السطر الأخير في صفحة طويلة من العدوان ضد السلطة القضائية، بدأت بحملة السلطة الإخوانية الحاكمة ضد المحكمة الدستورية العليا والقضاء عامة ورفض تطبيق أحكامها والالتفاف عليها، واتهامها بأن أحكامها مسيسة، وفرض حصار علي المحكمة الدستورية العليا ومنع قضاتها من الدخول، ثم الاعتداء علي استقلال القضاء والمحكمة الدستورية العليا في الدستور الإخواني – السلفي.

وشارك عدد من القضاة السابقين وأساتذة القانون المنتمين لجماعة الإخوان أو المتطوعين لتبرير جميع ممارسات الحكام، في الحملة ضد أحكام القضاة واتهام القضاء بتسييس أحكامهم والتشكيك فيها، وفتحت بعض القنوات الفضائية برامجها لهؤلاء ليبثوا سمومهم ضد القضاء المصري.

وجاء قرار رئيس الجمهورية بعزل النائب العام المستشار عبدالمجيد محمود وتعيين نائب عام جديد بالمخالفة لقانون السلطة القضائية، وتورط النائب العام الجديد في ممارسات خاطئة وتدخله في التحقيقات التي تجريها النيابة العامة تنفيذا لأوامر السلطة التنفيذية ليوجه طعنة نافذة للسلطة القضائية وهيبتها وحيادها واستقلالها، باعتبار النيابة العامة جزءاً أصيلاً من السلطة القضائية، ومازال نادي القضاة وشباب القضاة ووكلاء النيابة يواصلون نضالهم للدفاع عن استقلال القضاء والتصدي لهذا العدوان عليه.

والقائمة طويلة.. ولا يمكن السماح باستمرار هذا العدوان علي القضاء المصري الشامخ، وعلي كل الأحزاب والقوي والحركات السياسية الديمقراطية القيام بواجبها في التصدي لهذه الجريمة المستمرة وحماية السلطة القضائية من تغول السلطة التنفيذية ومحاولة مرسي وجماعته «أخونة القضاء»، وتأكيد استقلال القضاء، والإسراع بإصدار قانون السلطة القضائية الذي صاغه القضاة أنفسهم من خلال ناديهم، فالأمر لا يحتمل التأخير ولابد من إجراءات حاسمة لضمان استقلال السلطة القضائية واحترام أحكامها، قبل فوات الأوان.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق