د. رفعت السعيد يكتب : الطبقة العاملة في غمار النضال «15»

46

ونمضي مع مسيرة العمل اليساري في صفوف العمال، ولأن اليسار نفسه كان منقسما فقد تمايزت التوجهات، فبينما مضت جماعة الفجر الجديد «طليعة الشعب للتحرير» في طريق عمل نقابي صرف وحتي عندما سعت لتحويل «لجنة العمال للتحرير القومي – الهيئة السياسية للطبقة العاملة» إلي حزب أكدت أنه سيكون حزبا عماليا ويقول صادق سعد «أحد قادة هذا التنظيم» «إن اللجنة كانت مكونة من ثمانية أفراد وأنها وزعت بيانا بلغ عدد نسخه 000.25 بالإضافة إلي 000.15 نسخة من البرنامج» «أحمد صادق سعد – صفحات من اليسار المصري ص52» .

وفي هذا الصدد قال طه سعد عثمان وهو أحد مؤسسي اللجنة في مذكراته «ولعله من المستغرب رغم أنه حقيقة أنني وحتي خروجي من السجن في آخر مايو 1945 لم تكن لي أي صلة تنظيمية» (الكاتب – أبريل 1972) بل إن غلاف برنامج لجنة العمال للتحرير القومي كان يحمل شعارا يقول «ابعدوا عن المتسيسين» «نسخة أصلية» وعلي أي حال فقد توج هذا النضال اليساري في صفوف العمال برغم ازدواجية التوجه بنجاح كبير بصدور القانون 85 لسنة 1942 الذي أزال كثيرا من العقبات القانونية التي كانت تعوق الاعتراف بشرعية النقابات فتسارع النضال العمالي لتشكيل النقابات حتي بلغ عددها في 1944 أكثر من 210 نقابات تضم 876.102 عاملا، لكن القانون حظر تكوين اتحاد عام لنقابات العمال، وبعد انشقاق مكرم عبيد عن الوفد حاول أن يكتسب شعبية لنفسه ولحزبه فأصدر «كادر عمال الحكومة» الذي قدم مكاسب مهمة لعمال الحكومة مثل عمال عنابر السكة الحديد، والترسانة والمطابع الأميرية.. إلخ.

ويفسر طه سعد عثمان هذه الخطوة بأنها محاولة لإكساب حكومة الأقلية في عام 1944 بعضا من الشعبية بالإضافة إلي تقسيم حركة الطبقة العاملة إلي عمال حكوميين وأهليين مع ملاحظة أن اعتمادات هذا الكادر تأتي من موازنة الدولة ومن ثم فهي ترضي قطاع مهم من العمال دون تحميل الرأسمالية أية أعباء» (الكاتب – ابريل 1972)، وأسرعت «الحركة المصرية للتحرر الوطني – ح. م» بتأسيس «مؤتمر نقابات عمال الشركات والمؤسسات الأهلية» للمطالبة بتطبيق كادر عمال الحكومة عليهم ودعت إلي عقد اجتماع للجنة تأسيسية للمؤتمر في 9-12-1944 عقد في دار نقابة عمال مطبعة مصر التي كان يرأسها محمد عبدالحليم وكان قريبا من ح. م وحضر هذا الاجتماع عدد كبير من الكوادر العمالية ذات التوجه اليساري..

وفي وثيقة نجد تسجيلا لما أسمته السفارة بالعناصر النشطة في هذه اللجنة وقتها «السيد علي – مراد القليوبي – محمد يوسف الجندي – محمد الضمراني – حكمت الغزالي – دافيد ناحوم محمد حمزة «وهو قائد إضراب عمال المحلة الشهير» – نجيب سوس – محمد شطا.. إلخ» وقد حاول المؤتمر فور تأسيسه إرسال وفد إلي لندن لحضور الجلسة التمهيدية لمؤتمر النقابات العمالي برئاسة محمد عبدالحليم لكن الحكومة منعته من السفر بحجة أن مصر سوف تمثل في المؤتمر بواسطة سفيرها في لندن.

وبرغم المنع وبرغم الاختلاف فقد اتفق علي تشكيل وفد موحد يضم ممثلين للجنة العمال للتحرير القومي ومؤتمر نقابات عمال الشركات للحضور في المؤتمر المنعقد في باريس وتشكل الوفد من محمد يوسف المدرك ومراد القليوبي ودافيد ناحوم لكنهم ما لبثوا أن انقسموا فور وصولهم إلي باريس، وبرغم كل شيء تواصل العمل النقابي وأصدر مؤتمر نقابات عمال الشركات والمؤسسات الأهلية نشرة أسماها المؤتمر مؤكدا أنها تصدر عن مؤتمر نقابات عمال القطر المصري واتخذت لها شعارا يقول «قوة العامل من قوة نقابته وقوة النقابة من قوة مؤتمر نقابات عمال القطر المصري»

وكان سكرتير المؤتمر حسين كاظم وهو أحد كوادر ح. م وضم المؤتمر عددا كبيرا من النقابات المهمة منها نقابة سائقي اللنشات والشركات البحرية في بورسعيد، نقابة عمال الموبيليا بدمياط، نقابة عمال شركة مصر لنسيج الحرير بدمياط، نقابة عمال ترام القاهرة ونقابة ترام الإسكندرية ونقابة عمال مطبعة مصر، وأصدر المؤتمر برنامجا جاء فيه «المطالبة بالجلاء التام سياسيا واقتصاديا وعسكريا من وادي النيل» تطبيق كادر عمال الحكومة علي جميع العمال – مكافحة البطالة واستيلاء الحكومة علي كل مصنع يحاول الإغلاق – إعادة العمال المتعطلين إلي أعمالهم – الإفراج عن العمال المقبوض عليهم بسبب نشاطهم النقابي – 40 ساعة عمل في الأسبوع «خطاب من المؤتمر عمال الشركات والمؤسسات الأهلية إلي النقابات – نسخة أصلية»

وتسربت أنباء عن استعداد المؤتمر للدعوة لإضراب عام في 10 يونيو 1946، وفي ذات الاتجاه سارت لجنة العمال للتحرير القومي فأعلنت تشكيل «اللجنة التحضيرية لمؤتمر نقابات العمال، وتحت ضغوط عمالية واسعة جرت محاولة لتوحيد الحركتين وكان توحدهما أساسا للعمل دفاعا عن العمال الذين يتعرضون للإرهاب الحكومي وصدر بيان مشترك يدافع عن العمال المعتقلين جاء فيه «إن موجة الإرهاب توجه اليوم ضد الشعب المصري ويتجه الإرهاب خاصة ضد العمال لكنه يستهدف القضاء علي حق كل مصري في الحرية» «نسخة أصلية» ومرة أخري تجري محاولة لتوحيد الحركتين فعقد مؤتمر عمالي ضخم في 30 مايو 1946 وأصدر قرار بتوحيد الحركتين في إطار «مؤتمر نقابات عمال القطر المصري تشكل قيادة تضم الاتجاهين» ولكن التفرق عاد انعكاسا لانقسام الاتجاهين اليساريين.

وامتد الاختلاف إلي موضوع بالغ الوضوح وهو «اللجنة الوطنية للعمال والطلبة» فلأن اتجاه حدتو كان فاعلا فيها هاجمها الطرف الآخر وقال إنها لم تقدم شيئا، ومع ذلك تواصل النضال العمالي وامتد إلي مجال النشر حيث صدر كتاب مهم بعنوان «النصيحة إلي عمال مصر» وحدد فيه برنامجا يطالب أن يتجمع كل العمال معا لتنفيذه جاء فيه: حد أدني للأجر – تأمين ضد البطالة والشيخوخة – تعديل قانون عقد العمال الفردي – المساواة بين الجنسين في الأجر – حق العمال في مراجعة قوانين العمل قبل صدورها – الاعتراف بالإضراب العام كحق مشروع – الاعتراف بالاتحاد العام» «يس مصطفي – محمد فتحي – النصيحة».

ويصدر العامل فتحي المغربي ديوان شعر بعنوان «أنا العامل» جاء فيه..

فاتت سنين وأجيال قضيتها في استبعاد

ما تفوق وتصحي النوم وحارب الاستبداد

ليه اتخلقنا لنسعدهم واحنا بنجوع

ونعيش في ذل الذل وعيالنا يباتوا جياع (حيثيات الحكم في قضية الشيوعية الكبري 1946).

ولتقييم دور اليسار في حركة الطبقة العاملة نلجأ إلي تقييم محايد يقول «لقد كان أبرز مظاهر النشاط الشيوعي في أوساط العمال هو الإضراب، ومع أنه من قبيل التزيد نسبه كل الإضرابات العمالية الناشئة عن أوضاع اقتصادية أو اجتماعية أو غيرها للجهود الشيوعية إلا أنه ليس من المبالغة القول بأن نسبة كبيرة من هذه الإضرابات كانت ترجع لتزثير المنظمين اليساريين في صفوف العمال» (عبدالوهاب بكر – أضواء علي النشاط الشيوعي في مصر 1921-1950 – (1983) – ص61).

وهكذا وبرغم إرهابي حكومي شرس تمثلت قمته في عهد إسماعيل صدقي تواصلت مسيرة نضالية وإضرابية وصلت إلي مجالات جديدة تماما مثل إضراب ضباط البوليس وإضراب المعلمين والممرضين.. وتبدأ بعد ذلك مرحلة من الصمت لتبدأ موجة جديدة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق