فريدة النقاش تكتب : الكذب.. استراتيجية الإخوان

14

لا أعرف بالضبط من أين جاء المهووسون جنسيا والممسوسون دينيا بالأفكار التي يروجونها عن الاتفاقية الدولية لإلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة، أو عن الإعلان العالمي لمناهضة العنف ضد النساء أو عن كل المواثيق الدولية التي تحصن الحقوق والحريات الأساسية للبشر كافة. وإمعانا في الكذب والتزوير يلف هؤلاء المزيفون أنفسهم في ملاءة دينية مهترئة تعلمت جماهير غفيرة من تجربتها مع الإسلام السياسي كيف تنزع هذا الغطاء عنهم بحثا عن الحقيقة، وإلي أن تصل هذه الجماهير للحقيقة سوف تعاني كثيرا فالألم كان دائما صنوا للمعرفة.

في لقاء تليفزيوني قبل ما يزيد علي العامين واجهت مع الزميلة «عزة كامل» أحد قادة الجماعات الإسلامية الذي كان يساريا في السابق وكان الحوار حول مضمون الاتفاقية الدولية لإلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة حينها قال الرجل إن الوثيقة تدافع عن الشذوذ، وإن من كتبنها هن مجموعة من المساحقات وحين طلبنا إليه أن يبين لنا تلك المادة في الاتفاقية التي تنص علي ذلك سكت تماما ولم يرد ، لأنه لم يكن يستطيع أن يرد وإن واصل الهجوم علي فكرة المعايير الدولية من الأساس بدعوي أنها مستوردة من الغرب العلماني المعادي للدين، والكاره للدين الإسلامي علي نحو خاص.

كان المفكر الذي انتقل لأسباب لم يقلها من شاطئ إلي شاطئ آخر وهو في الغالب الأعم كان قد اختار الالتحاق بالرائج ، كان يمارس بمنتهي الجرأة الاستراتيجية الثابتة لكل جماعات الإسلام السياسي وهي الكذب الممنهج والامعان فيه عارفين جيدا أن الإلحاح علي الكذب يحول الأكذوبة مع الوقت إلي حقيقة. فليس كل من يتابع أجهزة الإعلام وحوارات المثقفين مدققا وبهذه الطريقة التي تفتقر إلي الحس الأخلاقي والحس الديني الحقيقي الذي يحض علي الأمانة والصدق نجح الإسلام السياسي في تشويه صورة المواثيق الدولية والقيم العليا التي تحملها هذه المواثيق وقد استمدتها من القيم العليا في ثقافات وديانات وفلسفات كل الشعوب.

وأخيرا صدرت وثيقة الأمم المتحدة عن الدورة السابعة والخمسين للجنة وضع المرأة والتي كان موضوعها مناهضة العنف ضد النساء والفتيات، وذلك بعد صراع طويل إذ تحالفت سبع عشرة دولة معظمها من الدول الإسلامية بينها مصر وإيران والجزائر جنبا إلي جنب الفاتيكان لكي تمنع صدور الوثيقة. وحتي بعد أن صدرت بشكل توافقي تنازل فيه الطرفان المتنازعان عن بعض المطالب مؤكدة «أن العنف ضد النساء والبنات لا يمكن تبريره بعادات أو تقاليد أو اعتبارات دينية»، وحتي تكسب رضا الإخوان الذين تفننوا في عرقلة مهمتها أضافت «ميرفت التلاوي » رئيسة وفد مصر ورئيسة المجلس القومي للمرأة، أن كل دولة سوف تطبق بنود الوثيقة طبقا لشرائعها وأعراضها ومراعاة للتقاليد الخاصة بكل مجتمع وكأنها تعود بالمعايير الدولية القهقري وتفرغ الوثيقة من مضمونها إذ يبرر كثيرون الاغتصاب في إطار الزواج، وضرب الزوجات، وتزويج القاصرات تبريرا دينيا وشرعيا، وكلها أشكالها من العنف بل والاتجار بالبشر طبقا للمواثيق الدولية، أي أن الإسلام السياسي يواصل استراتيجية الكذب حتي علي الله.

ومما يؤكد هذه النية لاستخدام التفسير الشرعي الرجعي من قبل جماعة الإخوان الحاكمة، وعلي لسان الدكتورة «صباح السقاري» أمينة المرأة بحزب الحرية والعدالة إن موافقة المجلس القومي للمرأة علي الوثيقة يعد إهانة للمرأة المصرية بالإضافة إلي مخالفتها للشريعة الإسلامية. وأشارت إلي أن الأخوات سينظمن حملات مضادة لتلك الوثيقة» وعلي النساء أن ينتظرن فصلا جديدا من الصراع من أجل حقوقهن.

إن اخضاع نصف المجتمع باسم الدين هو أيضا استراتيجية تقوم علي الكذب علي المجتمع وعلي النساء أنفسهن، حين يختار الإسلام السياسي من القراءات المختلفة للنص الديني قراءة رجعية منافية للعقل وتخاصم التاريخ والتقدم ويحتشد شيوخهم ووسائل إعلامهم لإقناع الناس بأن هذه هي القراءة الوحيدة الصحيحة وما دونها هو كفر بالله. ويغذون بذلك شعورا وقناعة لدي النساء بأن هذه هي المكانة التي اختارها الله سبحانه لهن، ومن ثم فإن مسيرة تحرر المرأة وتحريرها هي مسألة غربية مستوردة لأنها ضد ديننا.

وفكرة الاستيراد هي آلية معتمدة لدي الإسلام السياسي لخداع الجماهير والكذب عليها.

وأعود إلي ذلك المفكر الذي انتقل من موقع اليسار إلي رواج الإسلام السياسي بثرائه وشعبيته حين استشهدت في الجدال معه بالدور الذي لعبه مفكر العقلانية الإسلامية «ابن رشد» في خروج أوروبا من عصور الظلام إلي عصر النهضة، والذي كان بدوره أي ابن رشد قد نهل من نبع الفلسفة الإغريقية وسألته هل كان الأمر في الحالتين استيرادا أم تفاعلا بين الثقافات والحضارات والديانات، وهو نفسه التفاعل الذي تنهض عليه مواثيق الأمم المتحدة واتفاقياتها ومعاييرها العالمية المستمدة من كل الثقافات والحضارات والديانات لكن الكذب داء لن يعالجه إلا الوعي المتزايد للجماهير العريضة لا فحسب بحقوقها وإنما أيضا بحقيقة أن الله واحد والإنسان واحد.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق