د. رفعت السعيد يكتب : الطبقة العاملة المصرية في غمار النضال «16»

35

لكننا لا يمكن أن نمضي بعيدا عن هذه المرحلة دون أن نستكملها بنشاط عمالي مهم قامت به قوة سياسية أخري في صفوف الطبقة العاملة وهي جماعة الاخوان المسلمين. ولكن المسارات تختلف باختلاف الايديولوجية.

وقد أعلنت جماعة الاخوان دوما انها تتخذ من الإسلام منهجا متكاملا وتسعي لتغيير النظام السياسي والاجتماعي تغييرا شاملا.. دون أن تقدم دليلا عمليا علي ذلك (wheellook-Nasser New Egypt 1960).. واستندت الجماعة إلي ومحاولة الدخول بمدخل ديني ملتبس ولا يمثل في اعتقادنا صحيح الرؤية الدينية الصائبة. وكان الاستاذ حسن البنا يحاول عبثا أن يستجمع تأييد العمال وايضا الرأسماليين والقصر الملكي. وتتماهي المواقف الاخوانية لتتضارب وربما كان هذا التضارب مقصودا لذاته. يقول سيد قطب “إن النظام الإسلامي ليس هو الرق وليس هو الاقطاع ولا الشيوعية أنه فقط النظام الإسلامي” (مقال- مجلة المسلمون- مارس 1953)، ونلاحظ أن قطب خفي عن الاسلام كل صفه إلا صفة “الرأسمالية”. وتقول مجلة الدعوة في عددها الأول 1952″الإسلام لا يعرف الملكية ولكنه يعرف الحيازة، أن تقرر المذهبية الإسلامية أن هذا الكون مرده إلي خالق واحد وانه وحده مالك الملك. فالإنسان ليس مالكا أصيلا لأي شيء لا لذاته ولا جسده ولا لزرع أو ضرع أو أرض أو ماء أو هواء وإنما هو مجرد خليفة لله سبحانه وتعالي في ملكه”. أما الشيخ البهي الخولي الذي أعد البرنامج التثقيفي للجماعة فقد قال : «إن مقاومة الاستغلال لا تكون بإلغاء الملكية بل بإقامة السلطة العادلة.أما الملكية ذاتها فليس من طبيعتها أن تبيح هذا العدوان، فقد يملك الإنسان ولا يظلم، وقد يملك ويكون محسنا كريما ومن ثم فإن الملكية ليست بحاجة إلي معالجة أو مقاومة، وانما هي بحاجة إلي تهذيب” (البرنامج التثقيفي لجماعة الإخوان المسلمين محاضرة التثقيف الاقتصادي).

ويكتب الاستاذ حسن البنا “أن التفاوت عظيم والبون شاسع والفرق كبير بين الطبقات المختلفة في هذا الشعب، فثراء فاحش وفقر مدقع” وقد يتصور المتلقي سواء كان اخوانيا أو غير اخواني أن الجملة التالية ستكون دفاعا عن العمال أو عن مجموع الفقراء لكنها تأتي دفاعا عن الطبقة الوسطي، فالبنا يواصل قائلا “أن الطبقة الوسطي تكاد تكون معدومة، والذي نسميه نحن الطبقة المتوسطة ليست إلا مجموعة من الفقراء المعوزين، وأن كنا نسميهم متوسطين علي قاعدة بعض الضرر أهون من بعض” (مجموعة الرسائل .ص420) ثم يحدد البنا رؤيته لما يسميه النظام الاقتصادي في الإسلام ومن بينها: – اعتبار المال الصالح قوام الحياة ووجوب الحرص عليه وأيضا تقرير حرمة المال واحترام الملكية الخاصة ما لم تتعارض مع المصلحة العامة”. ثم يعود البنا ليؤكد : “لقد امتدح الإسلام المال الصالح وأوجب الحرص عليه وحسن تدبيره وتثميره، وأشاد بمنزله الغني الشاكر الذي يستخدم ماله في نفع الناس ورضاء الله” (المرجع السابق- ص425). ويشير أحد مفكري الجماعة إلي هذا الموقف الغامض من مشاكل العمال فيقول “التزمت الجماعة بالفكر والمصطلحات الشمولية ولم تلجأ إلي التحليل الطبقي، ولذلك اقتصر اهتمامها بالقضايا العمالية علي إظهار شعور الاستياء مما يعانيه العمال من الفقر والمرض وما يلاقونه من جانب أصحاب الأعمال، واكتفت بالمطالبة بتحسين أحوالهم وتشغيل العاطلين منهم” (د. زكريا البيومي – الاخوان المسلمون والجماعات الإسلامية (1979)- ص 304). وفي محاضرة لقسم العمال بالجماعة قال الاستاذ البنا “إن علي العمال أن يتذكروا دوما واجبهم نحو الله ونحو أنفسهم ونحو صاحب العمل (الرسائل – ص90) أما الاضراب عن العمل فإن الاخوان يرون انه “أمر مخل بروابط الاخاء بين المسلمين ومثير للجفاء بين فرحتهم” (جريدة الاخوان المسلمون – 14-8-1946) والمخرج الذي تقترحه جماعة الاخوان كبديل عن الاضراب هو “لابد العامل من سلاحين هما قوة الايمان وحسن الخلق فتقوم الصلة بين العامل وصاحب العمل علي الاحترام والعطف المتبادلين وهذه هي أنجع الوسائل” (Boahm. Jacob Les Freres Musalmans- p. 62) أما مشكلة البطالة فقد شكلت الجماعة لجنة لشئون العاطلين وبعد الدراسة اقترحت “اعادة العمال الذين نزحوا من قراهم للعمل في المدن إلي قراهم الأصلية (جريدة الاخوان المسلمون – 18-8-1946) وثمة وثيقة اعدتها السفارة البريطانية في مصر بما فيها “أن البنا يساند العمال ضد أصحاب العمال الأجانب، لكنه لم يكن ابدا ضد اصحاب الاعمال المصريين. (المتحف البريطانيF.O. 371- 73474 -13567- 1949) أما لماذا نشطت الجماعة في صفوف العمال، فإن محمد شريف الذي كان مسئولا عن مكتب عمال الجماعة قال في حوار معه ” إن معاداة الشيوعية كانت أحد هدفين اساسيين استهدفتهما الجماعة أما الهدف الثاني فهو السعي لنشر دعوة الإسلام في اوساطهم (Beinin and Loekman-Workers on the Nile p.369 ويقول ريتشارد ميتشيل الباحث المتخصص في تاريخ الجماعة ” إن هذا الموقف قد أضر ضررا بالغا بالنشاط الاخواني وسط العمال بحيث وصل به قرابة عام 1948 إلي ما يشبه التصفية (Mitchell – The Society of Muslim Brothers (1969) p.282) الحقيقة أن الجماعة قد لعبت دورا سلبيا تماما في عديد من المواقف ففي اضراب شبرا الخيمة الكبير والذي استمر طوال مايو – يونيو 1946 اتهم الاخوان بانهم قدموا للامن “قوائم بأسماء وعناوين القيادة السرية للاضراب ونتيجة لهذه المعلومات ألقي القبض علي أكثر من مائة من القادة العماليين، (جريدة الوفد المصري- 31-5-1946) وعندما اشترط أصحاب المصانع أن يوقع العمال تعهدا بعدم العودة للاضراب مقابل السماح لهم بالعودة للعمل. دعاهم الاخوان “إلي التوقيع علي التعهد المطلوب مقابل عودتهم للعمل. (الاخوان المسلمون -2-6-1946). وعندما قامت الحكومة بحل نقابة العمال بشبرا الخيمة. قرر العمال الامتناع عن تشكيل نقابة جديدة ورفعوا دعوي بعودة النقابة القديمة، إلا أن جماعة الاخوان اعلنت تشكيل نقابة جديدة بما اسقط القضية، وقاطع العمال النقابة الاخوانية التي لم يزد عدد اعضائها علي 200 عضو (الجماهير 5-5-1947) وكثمن لذلك كله اتفق اصحاب مصانع شبرا الخيمة علي أن يتولي رئاسة صالات الانتاج في كل المصانع اعضاء في جماعة الاخوان. ثم تكتمل الحلقة بأن تؤسس الجماعة مصنعا “مصنع الاخوان المسلمين للغزل والنسيج بشبرا الخيمة” وللغرابة تولي ادارة هذا المصنع محمد شريف رئيس قسم العمال بالجماعة وكان المصنع يضم 40 آلة و60 عاملا «Mitchell- Idid p.282».

وبهذه الخطوات.. انتهي دور الجماعة تقريبا في الحركة العمالية.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق