قرار الضبطية القضائية للمواطنين استكمال لهدم مؤسسات الدولة.. حلفاء الإخوان أول من رحبوا بقرار النائب العام.. و«النور» حذر من تطبيقها .. والخبراء: القرار دعوة للفوضي وتصريح للإخوان بممارسة البلطجة

20

إعداد  : رانيا نبيل

الصورة أصبحت واضحة، والمشهد مكتمل تماماً كما رسمه أعضاء مكتب الإرشاد، السيطرة على المحليات، محاولة الإستحواذ على النقابات، أخونة المحافظات، وأخيراً الهدف الأكبر والأساسي لجماعة الإخوان المسلمين التى مازالت طبقاً للقانون -محظورة- وهو تفتيت الجهاز الأمني -الأول حتى الان- متمثلاً في وزارة الداخلية، وزارة الشعب المصري كله، لا وزارة حزب او جماعة أو تيار.

وبدأت في الدفع بميليشياتها العسكرية والتي هي جزء من تكوينها، ولها تاريخ طويل في التصفيات السياسية للمعارضين وكل من خالف رأي المرشد، كل هذا يتم تحضيره كجزء من مشروع النهضة المزعوم، تحت مايسمي بقرار الضبطية القضائية للمواطنين.

المادة 37 من قانون الاجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950 نصت علي؛ “لكل من شاهد الجاني متلبسا بجناية أو جنحة يجوز فيها قانوناً الحبس الاحتياطي، أن يسلمه إلي أقرب رجل من رجال السلطة العامة دون احتياج إلي أمر بضبطه”.

إذن “الحق” الممنوح للمواطنين بموجب هذه المادة لا يرقي اطلاقا الي “سلطة” الضبطية القضائية المنصوص عليها في القانون، وهناك فارق كبير جدا بين “الحق” و”السلطة”.

تبعية النائب العام

وصفت مؤسسة “عالم واحد” في دارسة لها، هذه التصريحات “خاصمت” القانون ودلت بوضوح علي تبعية النائب العام ومكتبه للسلطة التنفيذية، وأن مهمة النيابة العامة في حماية حقوق المواطنين موضع شك كبير، الامر الذي يطرح تساؤلا حول النائب العام، فهل هو جزء من السلطة التنفيذية أم وكيلا عن المجتمع؟ خاصة أن بيان النيابة العامة لم يراع المناخ السياسي المتأزم في البلاد، وأعطي بشكل صريح غطاء قانونيا لشرعية المليشيات الإسلامية المتطرفة، ومنحها حق القبض علي المواطنين وممارسة آلة التعذيب عليهم وتلفيق التهم لهم، ومن ثم قمع أي محاولات للتظاهر أو الاحتجاج ضد النظام أيا كانت الأسباب. وتدريجيا تفكك أجهزة الشرطة وتحل هذه المليشيات محلها.

الحلفاء يرحبون

علي الرغم من حالة الرفض والتحذير من خطورة تطبيق القرار، في كل قطاعات ومؤسسات الدولة سواء الاحزاب او المنظمات الحقوقية ومؤسستي الأمن في مصر متمثلين في وزارة الداخلية والقوات المسلحة ..فكانت جماعة الاخوان المسلمين اول من رحبت فور صدور القرار، بحجة أن الأوضاع الاستثنائية هي ما تجعلنا نبحث عن بديل، وان ما يحدث هو عمل استثنائي حينما يترك ضباط الشرطة عملهم، كما جاء علي لسان الدكتور أحمد عارف المتحدث باسم الإخوان المسلمين. رحبت ايضا بعض القوي الإسلامية المتحالفة مع جماعة الإخوان، وسط إعلانها تشكيل مجموعات “لحفظ الأمن” قالت إنها “لجان شعبية لسد العجز” الذي أحدثه الإضراب في جهاز الشرطة.. ايضا أعلنت الجماعة الاسلامية تأييدها للقرار. وقالت جماعة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” بالسويس، “وجب علينا القيام بدورين بعد قرار النائب العام؛ أولهما فرض الأمن علي الشارع، وتطبيق شرع الله”، وأكدت أنها قسمت أتباعها إلي 5 مجموعات، كل واحدة مسئولة عن حي من أحياء السويس الخمسة، تنطلق عقب كل صلاة لتقبض علي أي مخالف، وتتعامل معه وفقاً لتعاليم الإسلام، حسب بيان الجماعة. واعتبر البيان أن “القرار تأخر كثيراً”، وحذرت الجماعة أصحاب المحال التجارية من عدم الالتزام بإغلاق محلاتهم وقت كل صلاة، كما أكدت أنها ستجلد من يضبط بصحبة أي فتاة.

رد فعل عكسي

علي الفور كان رد فعل الشارع المصري إزاء هذه التصرحيات، حيث شهد شارع “شميس التجاري” بحي الأربعين بالسويس حالة من الفوضي عقب اعتداء المواطنين والتجار علي7 من الملتحين اثناء قيامهم بنهر احدي السيدات بسبب ملابسها التي وصفوها انها مخالفة “للشريعة الاسلامية”، وتهديدها بإلقاء القبض عليها وجلدها بحكم قانون الضبطية القضائية مما تسبب في صراخ السيدة واعتدائها علي احدهم “بالحذاء” فحاولوا القبض عليها وتسبب هذا في تدخل المارة والمواطنين واصحاب المحلات التجارية بالاعتداء عليهم بالضرب المبرح مما دفعهم إلي الفرار.

النور يرفض

علي العكس تماما من باقي التيارات الإسلامية، كان موقف حزب النور السلفي، حيث أكد عدد من قيادات الحزب، أن قرار منح المواطن حق الضبطية القضائية سيؤدي إلي فوضي عارمة تجتاح مصر، مشيرا إلي أن الحالة الأمنية المضطربة التي تشهدها مصر الآن بسبب كثرة التظاهرات والاحتجاجات تعتبر نوعا من “الفوضي الخلاقة” التي تعبر عن مطالب جانب من الشعب، أما ما ستشهده مصر بسبب القرار فهو “فوضي غير خلاقة” لن تؤدي إلي حل أي أزمات أو تلبية أي مطالب وستزيد من حالة الاحتقان إلي حد تحول الشارع المصري إلي ميليشيات تتصارع فيما بينها. ويرون الحل يكمن في التفاوض مع الشرطة ومحاولة تلبية مطالبها، مؤكدا أن المواطن لا يمكن أن يكون بديلا عن الشرطة بأي حال من الأحوال.

هدف الجماعة

«1» تفكيك القضاء: تسعي جماعة الاخوان وحلفاؤها دائماً في افتعال صراع قاس بين السلطات بدلاً من إحداث التكامل بينها، من اجل الهيمنة علي كل السلطات بالدولة، بدءً من محاولة شق وتقسيم السلطة القضائية التي تأتي عـلي قمة أولوياتها لاستكمال التحكم والسيطرة عـلي مفاصل الدولة، ووضح دور الجماعة جلياً في تقسيم القضاء عندما جاء د. محمد مرسي بناءً علي تعليمات مكتب الارشاد بالمستشار ابراهيم عبدالله نائباً عاماً، بإعلان دستوري غير قانوني، وعليه كانت الازمة والانشقاق داخل القضاء. بعدها كانت موقعة المحكمة الدستورية وحاصرها من قبل أنصار ابو اسماعيل لإرهاب قضاتها امام اعين الجميع دون ان يحرك “مرسي” ساكناً.

«2» السيطرة علي المحليات: ثم جاءت سيطرة الاخوان علي المحليات بعدما اقتنصت الجماعة وزارة التنمية المحلية، في تشكيل الحكومة الجديد، للدكتور محمد علي بشر، عضو مكتب الإرشاد. وهي الوزارة التي رفض المجلس العسكري السابق أن يعطيها للمهندس خيرت الشاطر، نائب المرشد، في الفترة الانتقالية قبيل إجراء الانتخابات الرئاسية.

«3» النقابات: اما فيما يخص محاولة الاخوان للسيطرة علي النقابات العمالية، فقد كشف المحامي العمالي خالد علي، خلال مؤتمر الإعلام وقضايا المحاجر، إنه كان هناك “محاولات مفضوحة من جماعة الإخوان المسلمين” للسيطرة علي النقابات العمالية، من خلال مكالمات تليفونية لرؤساء النقابات بأن تتضمن التشكيلات الجديدة لها أعضاء ينتمون للإخوان بالمخالفة للقانون، وإلا لن يتم اعتماد هذه التشكيلات من قبل الوزارة .

«4» تفكيك الشرطة: مؤخرا كانت محاولة مكتب الإرشاد لهدم المؤسسات الأمنية، وبدأت بجهاز الشرطة التي هي ملك للشعب المصري كله وليس لفصيل آخر، وبدأت المؤامرات تحاك ضد الشرطة للوقوع في الفخ بتوريطهم وإدخالهم في مواجهة مع الشعب، وبالتالي تنفيذ مخططهم بالاستيلاء علي وزارة الداخلية، وتنصيب جهازهم الأمني الخاص بهم (الميليشات) ليكون بديلاً للشرطة، بعدها يتفرغون للقضاء علي الجيش وتفكيكه ظناً منهم ان الجيش المصري جيش عنصري مثل سوريا، او مرتزقة مثل ليبيا..

فتونة وبلطجة

النظام يعتمد علي «الفتوة والبلطجي» بدلاً من الشرطة ويدير البلاد بمنطق القبيلة بالاضافة للرفض السياسي، والقانوني لما يسمي بالضبطية القضائية للمواطنين، هناك جانب أكثر أهمية، علينا ألا نغفله؛ وهو الضرر الاجتماعي الناتج عن هذا القرار، ومدي تقبل المجتمع له.. الدكتورة هدي زكريا، أستاذ علم الإجتماع السياسي بجامعة الزقازيق، وصفت متخذي مثل هذه القرارات بأن مدي وعيهم بمفهوم سلطة ومؤسسات وإدارة “الدولة” يكاد يكون صفرا، فالدولة مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي، ومصر غير كل المجتمعات، ووصلت الي الرقي وصنع الدولة منذ 7000 سنة، ويتصرف المصريون بنظام ورُقي حتي في المواقف الأشد إرتباكا. وإن لم يتواجد مفهوم الدولة فيستطيع المصري إيجادها، والدليل علي ذلك اللجان الشعبية في الايام الاولي للثورة.

أكدت استاذة علم الاجتماع ان من يدير الدولة في هذه المرحلة “عاجز” ولا يمتلك القدرة علي الادارة او الخبرة او حتي القدرة علي اكتساب خبرة من سبقوه وثورنا عليهم. وبالتالي هم يديرون مصر بطريقة “القبيلة” تماما كما توقف مستواهم في الحكم، حيث اللجوء للعرف وليس القانون. وعندما فشلوا في الإدارة لجأوا الي الاعتماد علي اتباعهم لتغطية عجزهم. وبالتالي النظام إستبدل الشرطة القضاء وإستدعي “الفتوة” و”البلطجي” بدلا منه، ومعه تسقط قيمة واحترام البدلة الميري ومصداقيتها امام المواطن العادي لوجود منافس لها، ويحول المجتمع الي فوضي يصعب علاجها. حذرت د. ذكريا، ان كلما اتجه القائمون علي ادارة الدولة الي اثبات عجزهم كلما جاء رد الفعل المضاد أعنف وله تبريره، خاصة وان الموقف لا يحتاج الي استدعاء المواطنين لمحاربة عدو مثلاً، بينما دعوة لمحاربة المواطنين بعضهم البعض.

حرب أهلية

وصف أحمد سميح مدير مركز الأندلس لمناهضة العنف، ان مصر تعيش حالة حرب اهلية صامتة منذ ديسمبر 2012، جاء ذلك علي هامش ندوة بملتقي رفاعة الطهطاوي. مضيفاً ان الفرق السياسية اصبحت تتهم بعضها البعض بالبلطجة، وكل اشكال العنف هي اشكال مبسطة من الحرب الأهلية والتي يرتبط أغلبها بالمواقع الجغرافية، سواء بالقاهرة او بورسعيد ومدن القناة، وخير دليل مشهد المدرعات والمدافع الرشاشة والجنود أمام قصر الاتحادية تماما هي أجواء حرب أهلية. أشار “سميح” الي ان البند الذي مفاده أن التنظيمات السياسية ليس من حقها تشكيل جماعات مسلحة، ليس موجودا في الدستور الجديد، وفي ذلك إشارة إلي ان من كتب الدستور أراد أن يفتح المجال أمام تكوين التشكيلات العسكرية للمواطنين.

دعوة للفوضي

وصف المحامي الحقوقي محمد زارع رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائي، القرار بمثابة “دعوة للفوضي” ولم يقبل اي من الاطراف، واذا تطور الامر سيصل الي حرب اهلية. لافتا الي انه لا يوجد ما يسمي بالضبطية القضائية للمواطنين، لانها من حق السلطة العامة بنص الدستور والقانون، وما يتكلمون عنه بنص المادة 37 هو في حالة الضروري، ويمارسها المواطن العادي عندما يتدخل تلقائياً لمنع جريمة او إللحاق بالجاني، او مشاهدته لجريمة مكتملة الاركان وبالتالي فالمصريون ينفذون الضبطية القضائية منذ مئات السنين. اما تكوين جماعات او فرق منظمة لتطبيق القانون فهو غير مقبول لانها مسئولية الدولة فقط. لفت “زارع” ان ما يسمي بالضبطية للمواطنين ما هي إلا محاولة من النظام الحالي لكسر رأس المعارضة، وبدلا من ان يفتح النظام حوارا مع القوي السياسية قام باستخدام القوي لقمعه، فلجأ لتنظيم ميليشاته لمحاربة المعارضة، وقرار النائب العام أعطي غطاء لذلك.

دور الشوري

تساءل ياسر دهمش الباحث في الشئون البرلمانية، حول المانع الذي يعيق مجلس الشوري في مناقشة وتمرير قانون لإعادة هيكلة الشرطة؟ مطالباً أن يقوم المجلس بدوره بصفته المؤسسة التي تمتلك السلطة التشريعية الان في البلاد بحكم الدستور الجديد، وتمثل الشعب ويراعي مصالح المواطنين، ومن ثم يجب ان يؤدي دوره في منع الاحتراب الأهلي الذي ستتسبب فيه تلك التصريحات عن الضبطية القضائية.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق