يهود مصر.. فيلم تسجيلي خال من العنصرية

28

كتبت: نسمة تليمة

حتي تراه يجب أن تتخلص علي باب القاعة من كل ذكرياتك ومعلوماتك وانطباعاتك عن هؤلاء، من عاشوا بمصر حتي منتصف القرن العشرين كمصريين، «اليهود» لتدخل في حوار خاص بينك وبين سيمفونية فنية رائعة يبقي الطرفان أنت وهي فقط، كل منكما يستمتع علي طريقته الخاصة فالسيمفونية الفنية «يهود مصر» تعزف أوتارها وتقدم لك صورة قريبة الشبه من الزمن الماضي وأنت تجلس لتستمتع وتتلقي تبتسم أحيانا وتصمت طوال الوقت لتكتمل السيمفونية علي أنغام موسيقي هادئة ترصد لك عدسة الكاميرا شوارع مصر الأنيقة في أربعينيات القرن الماضي، إضافة إلي ذكريات مرئية لصور عائلات عاشت في مصر لفترة طويلة، لتضيف للمشهد رونقا مدهشا بظهور بعض الشخصيات الحقيقية التي كانت بطلة لهذه الصور لتروي ذكرياتها في مصر الحبيبة كل هذا بجانب توثيق مميز علي لسان بعض المؤرخين والكتاب ممن اهتموا باليهود في مصر.

علي لسان أحد المهاجرين اليهود من مصر والذي تحدث من فرنسا يروي للمشاهد كيف كانت حياته وهو طفل صغير بمصر ويشير إلي صور عائلته التي مازال يحتفظ بها «والدي ووالدتي» والدي كان يرتدي الطربوش دائما، كان ليه صديق اسمه نادر محمد توفيق هو أعز أصحابي في ليسيه الحرية كان يتخيل سفير ويحزن معتبرا أنني سأدخل الجيش الإسرائيلي وهو سيدخل الكلية العسكرية وكنت أخبره أننا نحن الاثنين سنذهب إلي اليمن».

هؤلاء كانوا يشكلون جزءا من حياتنا في مصر.. كمعظم المصريين يحيط بنا وقتها يهود في الشارع والعمل والسكن والفن.. صوت ليلي مراد، منير مراد وتوجو مزراحي بأفلامه لنتأثر بسياسة يوسف درويش وهنري كوريل.. هكذا يأتينا صوت الراوي في الفيلم التسجيلي الذي حاول أن يقدم صورة مختلفة عن يهود مصر علي لسان أبطالها ممن مازالوا يعيشون بمصر أو خرجوا وعاشوا في دول أخري، ليذهب المؤلف والمخرج الشاب المتميز أمير رمسيس إلي أماكن هؤلاء ويسجل معهم حول حياتهم في مصر.

يستمع إلي انطباعاتهم عن الخروج من مصر، وإحساس الغربة إذا جاز لنا الوصف، كنا نسمع دائما ونحن جيل صغير السن عن هؤلاء الذين عاشوا مع أجدادنا وآبائنا في مصر حتي خمسينيات القرن الماضي، كنا نحاول تكوين صورة مليئة بالرتوش عن تلك الشخصيات التي أثرت في الثقافة المصرية وتقبلها الجميع دون مشكلة، كنا نضحك أو نبتسم ببطئ عندما يقدم لنا مخرج سينمائي حديث شخصية ليهودية مصرية تبكي بحرقة وتريد أن تعود لمصر ونرد علي المشهد قائلين: «يا سلام للدرجة دي؟»، هكذا كانت الصورة ولكن أمير رمسيس قدم لنا صورة أوقع وأقرب للحقيقة، التقي بهؤلاء وتحدث إليهم وعزف خلال الفيلم علي «أنشودة الحنين» كما نطلق عليها مزجها بموسيقي هيثم الخميسي «المنتج» وهي الأقرب لملامسة الحدث في الفيلم وضفر كل هذا بصور ووثائق وتصوير للشوارع الحقيقية التي حملت الأحداث كلها بمصر.

تحدث خلال الفيلم د. محمد أبوالغار مؤكدا أن جماعة اليهود المنتمين لليهود والمصريين انقسموا إلي طبقات منها يهود لا يفرقهم شيء عن المصريين العاديين ومنهم كان الفنانون والموسيقيون والكتاب وطبقة وسطي أخري منهم تواجدوا في مصر وحصلوا علي تعليم متميز وفرته لهم جاليتهم والجزء الأخير هم الاشكيناز أو اليهود المهاجرين من أوروبا الشرقية إلي مصر وكانوا متعلمين من الأساس ومنعهم أطباء أسنان ومحامين وطبقة أخري صغيرة عرفت بـ «السفرويم» وهم أغنياء اليهود ترجع أصولهم لإسبانيا وهاجروا لمصر في عصر الحكم العثماني وكان منهم قطاي باشا أيام محمد علي والذي تولي وزارة هكذا كانت الخريطة، وكانت علاقة اليهود بالمصريين جيدة وقاموا بإسهامات اقتصادية جيدة ومنها محلات «شكوريل، عمر أفندي، شملا، بنزايون»، هنا يأتي صوت «ألبير» اليهودي المصري الذي مازال يعيش بمصر بذكريات قديمة ينقصها الأبطال يقول: رفضت مغادرة مصر مع من غادروا وعشت هنا ولدت في حي عابدين لكن اليهودية أصبحت تهمة في فترة ما رغم أني لم أدخل معبدا يهوديا طوال حياتي ولا أعرف حتي تفاصيل صلاة اليهود وكنت في مدرسة ليسيه الحرية والتي كانت نموذجا للمدرسة العلمانية فلم يسأل أحد دينك إيه، وكثير منا لم يعرف ديانة الآخر.

أما «روبير» يعيش في فرنسا الآن فيتحدث باللغة العربية وهو مستاء مما جعله يخرج ويترك مصر ويرتكن علي رف لمكتبته وضع عليه كتاب «مجرد ذكريات» لرفعت السعيد، ليظهر في المشهد التالي صاحب الكتاب وهو يتحدث عن أبرز اليهود المصريين في الساحة «شحاتة هارون» الذي لم يعترف بدولة إسرائيل وترك وصية له كما يقول «السعيد» يطلب فيها ألا يصلي عليه حين يموت حاخام من إسرائيل وأن يرسلوا لإحضار حاخام من أي مكان آخر.

الكثير من الحكايات يرويها أصحاب القصص الأصليين من اليهود المصريين وحكايات أخري يرويها أبناؤهم وأحفادهم عن تلك البلاد التي عاش فيها آباؤهم ويحتفظون بالكثير منها ويعلقون صورهم بها التي التقطتها عدسة مصري يعيش في شوارع السيدة أو وسط البلد في شارع البستان أو يوسف الجندي.

حرق محلات اليهود من قبل الإخوان المسلمين بعد عمليات «لافون» وربط صورة اليهودي بالصهيونية وإسرائيل وخروجهم نتيجة ذلك، روايات أخري لمن حاولوا السفر فطلبت منهم الحكومة المصرية التنازل عن جنسيتهم وحبس البعض لأنهم في تنظيم شيوعي.

دور اليهود في الثقافة المصرية، وبناء المسرح المصري علي يد يعقوب صنوع اليهودي المصري الذي أصدر صحفا نقدية وأسس للمسرح وأطلق عليه «موليير مصر»، عائلة مزراحي السينمائية أول من أدركوا أن السينما صناعة ومقولة توجو مزراحي: «لا نستطيع أن نري السينما مجانا» والذي فتح 10 دور سينما، كما كانت إسهامات عائلة «مراد» وأبنائه «ليلي وسميحة ومنير» والذي يعتبر أهم العازفين المصريين وابنه منير مراد الذي اسهم في خلق ثقافة موسيقية جديدة، كما كانت إسهامات يوسف درويش السياسية والذي دافع عن الفلاحين والعمال في المحاكم وناهض الصهيونية ورفض الخلط بين اليهودية والصهيونية كما روت ابنته الناشطة نولة درويش.

حكاية هنري كوريل السياسي اليهودي المصري المخلص الذي علم بخطة هجوم 1967 وأبلغ مسئولين مصريين أبلغوا عبدالناصر لكنهم اعتبروها خيالية، والذي يكشف الفيلم عن حقيقة ابنه «آلان جريش» الذي تعرف علي والده دون أن يعي أحدهما أنه ينتمي للآخر ويأتي المخرج بابنه وهو يروي كيف التقاه عام 1958 في فرنسا بعد خروجه من مصر ثم عام 1962 وشكل وعيه السياسي دون أن يعي أن والده، هنري كوريل الذي فهم أن القضية الأساسية للشعب المصري هي «التحرر» وتبرع بفيلته الخاصة بمصر لسفارة الجزائر لمساندته قضية الجزائر في وجه الاحتلال الفرنسي، وكانت علاقته قوية بمنظمة التحرير الفلسطينية وقتل في 4 مايو 1978 أثناء خروجه من منزله بالقرب من الحي اللاتيني بباريس في عملية اغتيال مقصودة.

«ماليش أمل في الدنيا دي غير إني أشوفك متهني» وعلي نغمات أغنيتها الجميلة تؤكد ليلي مراد في نهاية الفيلم تفاصيل من تحدث قبلها، من روي علاقته بمصر وعشقه له، من تدين باليهودية لكنه مصري الأساس ولا ينتمي لشيء آخر الفيلم يؤكد أن العائلات اليهودية التي خرجت من مصر في الخسمينيات لم تسافر لإسرائيل وأن معظمها رفض فكرة الوطن البديل عن مصر فالبعض استقر في فرنسا أو إيطاليا أو جنوب أفريقيا كما فعلت عائلة صيدناوي.. لتبقي الحياة مجرد ذكريات.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق