في المؤتمر الأدبي لإقليم القاهرة الكبري وشمال الصعيد.. الثقافة والوعي الثوري والبحث عن الدور الغائب للنخبة

14

تحت عنوان «الثقافة المصرية والوعي الثوري» جاء المؤتمر الأدبي الثالث عشر لإقليم القاهرة الكبري وشمال الصعيد الثقافي والذي أقيم بمدينة القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية.

رأس المؤتمر د. علي شمس الدين، وتولي أمانته الشاعر محمد السيد إسماعيل، وافتتحه الشاعر سعد عبدالرحمن – رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، والذي أكد في الجلسة الافتتاحية أن الثورة هي فعل ثقافي في المقام الأول، وعلي المثقفين أن يخرجوا من عزلتهم إلي الجماهير.

وأضاف عبدالرحمن قائلا: وأعتقد أن كثيرا مما يحدث الآن من ظواهر سلبية – بعد سقوط النظام السابق له علاقة وثيقة بهذه العزلة التي فرضتها النخبة علي نفسها، أو فرضت عليها، المستقبل – إذن – ملتبس وقد يكون مظلما إذ لم نحاول كنخبة أن نخرج من هذه الشرنقة التي نحن فيها، لابد من النزول إلي الناس وتغيير لغة الخطاب الثقافي ليقترب أكثر من الجماهير.

وأكدت منيرة صبري – رئيس إقليم القاهرة الكبري وشمال الصعيد الثقافي – علي أن الأدب الصادق – دائما – ما يشعل طاقة النور، ودور الثقافة هو تغيير الواقع لتحقيق سيادة القيم التي نادت بها ثورة 25 يناير، ولابد أن نشير إلي أن الأدب الذي يعبر عن ثورة يناير لم يظهر بعد، فهذه الثورة ستكون ملهمة لكثير من الفنانين والأدباء.

ثقافة التسامح

وتحدث د. محمد السيد إسماعيل – أمين عام المؤتمر – أن هذا المؤتمر يمثل تمثيلا رمزيا للثقافة المصرية بما فيه من تنوع الآراء وتمازجها، فالحوار الذي يبتعد عن لغة التكفير وينحو إلي التسامح هو الطريق للخروج من حالة الصراع التي نعيشها الآن، فالثقافة هي قاطرة التقدم، وعلي حد تعبير أوسكار وايلد: «فإن الحياة هي التي تحاكي الفن».

وتحدث د. عبداللطيف الصباغ – عميد آداب بنها – مؤكدا أن الظرف التاريخي الآن يحتاج إلي خطاب ثقافي ينشر تعاليم التصالح والتسامح، ويتجاوز الصدامات والانقسامات.

كما تحدث عبدالحميد عبدالشافي – رئيس مدينة القناطر – عن دور الثقافة في تغيير المجتمع.

وجاءت الجلسة البحثية الأولي تحت عنوان الثقافة الجماهيرية والوعي الثوري وشارك فيها كل من الناقدة فريدة النقاش والفنان التشكيلي عزالدين نجيب والشاعر د. يسري العزب والشاعر سعد عبدالرحمن وأدارها الشاعر محمد بغدادي، والذي أشار إلي أن العلاقة وثيقة بين الوعي الثوري والثقافي بشكل عام، وأن جهاز «قصور الثقافة، مرتبط بالوعي المصري في العصر الحديث منذ أيام أحمد أمين – في أربعينيات القرن الماضي وإذا كنا نتحدث عن الوعي الثوري فلابد وأن نتطرق إلي اللحظة الراهنة فالثقافة – في حد ذاتها – فعل ثوري».

وأكدت فريدة النقاش أن من يلام في أمر «عزلة النخبة» وانقطاعها النسبي عن الواقع والجماهير وليس انقطاعها الكامل، هو الواقع السياسي والاقتصادي.

وأضافت النقاش: أن هذا ما أسميه «أن النظام الذي سقط رئيسه ولم يسقط النظام اختار ما يسمي «استراتيجية الإنهاك»، إنهاك الجماعة الشعبية في البحث عن رزقها، وإنهاك النخبة في البحث عن ذاتها».

وهناك عمليات ملاحقة لتلك النخبة صارت في إطار ممنهج خاصة ضد التيار التقدمي في الثقافة، وهذا ما أدي إلي عزلة المثقفين فلا أحب أن نلوم أنفسنا، ففي ظني أن المسئولية تقع علي النظام التسلطي الاستبدادي الذي سقط رئيسه، وعلي الثورة – الآن – أن تواصل طريقها وليس هناك ثورة تنتصر في عام أو عامين، وأن الوضع الراهن في مصر – الآن – هو جملة اعتراضية علي هذا الطريق.

وأعتقد أن العنصر الثقافي في ثورة يناير هو عنصر مهم جدا، فكل ثورة تلغي السلطة القديمة هي ثورة سياسية، وكل ثورة تلغي الذهنية السائدة هي ثورة ثقافية.

وفي 25 يناير نحن أمام ظاهرة ثقافية بامتياز وهي امتلاك مجموعة من الشباب لأدوات تكنولوجية عصرية ومهارات فائقة في هذا الإطار، من خلال تطبيق عملي لثورة المعلومات، هذا الشباب الذي ظل لسنوات طويلة يطرح الأسئلة ولا يتلقي الأجوبة.

مراحل التأسيس

وتحدث عزالدين نجيب عن أن المثقفين مهدوا للثورة، وأن شباب الثورة ليسوا خارج النخبة وثورة 25 يناير تعكس المنظومة التي كانت سائدة لعقود طويلة وهي أن الشخصية المصرية بطبيعتها ساكنة تميل للسكون والصبر ولا تميل للتغيير إلا بعد سنوات طويلة، وفي يناير ثبت أن التغيير من الممكن أن يبدأ من الجماهير قبل أن يبدأ من الوعي الثوري، فليس من الضروري أن تكون عند الجماهير أبعاد نظرية، ولكنها بالجينات الفطرية التي تحملها بها من عناصر ثورية ما يجعلها قادرة علي النهوض لتندفع دفعة واحدة لتغيير التاريخ.

وقد ظهر ذلك جليا في «انتفاضة يناير 1977» وقبلها في مظاهرات 1946، وفي ثورة 1919 كان هناك التلاحم بين النخبة والشعب.

وأضاف عزالدين نجيب قائلا: الآن تتوفر عناصر كثيرة للارتداد علي الثورة، فنحن أمام «ثورة مضادة» فلا توجد قاطرة كبيرة تسحب الثوار وراءها، فهناك فجوة عميقة بين المثقفين والجماهير، فالمؤسسات الثقافية الرسمية مازالت حتي الآن تشغلها نفس القيادات، وتسير علي نفس المناهج ونفس الميزانيات.

وهذا يتطلب منا أن نسعي لعمل مشروع ثقافي يواكب الثورة، هذا المشروع يتطلب إلغاء المركزية الثقافية والاتجاه للجماهير العريضة في القري والنجوع مثلما كان ذلك في الستينيات.

وأكد د. يسري العزب علي أن المثقفين لم يكونوا أبدا في عزلة عن الجماهير بل كانوا دائما في مقدمة من يتماس مع قضايا المجتمع، فعلي سبيل المثال ففي فترة انتشار الإرهاب في التسعينيات كنا كأدباء نذهب إلي قري أسيوط ونلقي أشعارنا وإبداعنا هناك.

وفي ثورة يناير نجد أن أغنيات الستينيات ومشاهد المسرحيات التي قدمت في الستينيات كانت حاضرة بقوة في ميدان التحرير.

وأضاف د. العزب أن «الثقافة الجماهيرية» دائما ما كانت تمارس ضدها ألاعيب سياسية للحد من نشاطها منذ عهد «الرئيس أنور السادات».

الكيل بمكيالين

وأكد سعد عبدالرحمن أنه إذا كانت مواقع قصور الثقافة تبلغ 560 موقعا الآن إلا أن نصف هذه المواقع «أكاذيب» فلا يتوفر فيها الحد الأدني لمواصفات الموقع الثقافي الذي له دور، وهذا يرجع إلي عدم اهتمام الدولة بالثقافة، فعلي سبيل المثال نجد عدد مراكز الشباب قد وصلت إلي 3500 مركز شباب، بينما تتقلص المواقع الثقافية فالثقافة بالنسبة للدولة ماتزال حلية أو زينة واستكمال لشكل الدولة الحديثة، ودائما ما كانت هناك مخططات للبطش بهذه المؤسسة الثقافية، لجعل تأثيرها محدودا في الحياة المصرية فقد أثقلوا كاهلها بالعمالة الزائدة حيث إن 90% بها بطالة مقنعة، ليست المؤسسة في حاجة إليها، ولا توجد التخصصات المطلوبة في المواقع.

كما تضمنت فعاليات المؤتمر مجموعة من الجلسات البحثية الأخري والتي قدمت فيها مجموعة من الأبحاث منها «السينما المصرية والثورة» لنادر رفاعي، و«في معني «الثورة» وسلطة المثقف» للدكتور عمار علي حسن، و«بلاغة الثورة في القضاء الإلكتروني» للدكتور عماد عبداللطيف، و«الشعر والثورة» لمحمد السيد إسماعيل. كما صدر كتاب تذكاري عن الشاعر يسري العزب.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق