أمينة النقاش تكتب : الشيطان يعظ

33

في عام 1979 أصدر «نجيب محفوظ» الطبعة الأولي من مجموعته القصصية البديعة «الشيطان يعظ» والتي أحتوت علي ثلاث عشرة قصة قصيرة، ومسرحية من فصل واحد بنفس العنوان، استلهمها من حكاية «مدينة النحاس» من كتاب «ألف ليلة وليلة» وهي تجمع بين وقائع تاريخية، وأخري أسطورية متخيلة، تنطوي علي رسالة سياسية وأخلاقية وفلسفية تروي حكاية سفر «طالب بن سهل» من حاشية الخليفة «عبد الملك بن مروان» في دمشق لتسليم شقيقه أمير مصر «عبد العزيز بن مروان» رسالة منه، تطلب إليه تشكيل مجموعة من خبراء اللغة والجغرافيا والأجناس والعساكر والدين، للبحث في عمق الأراضي والبلاد التي يسيطرون عليها، للبحث عما سمعه الخليفة في مجالسه من وجود قماقم نحاسية التي تم بها سجن الجن والعفاريت والمردة في عهد النبي «سليمان» لاتزال موجودة في عدد من الإمارات، فأستعان أمير مصر بنائبه في المغرب «موسي بن نصير» قائد الجيوش والفتوح، للقيام برحلة البحث التي استغرقت عامين، لتسفر عن حصيلة من الوقائع والحكايات المليئة بالدلالات الرمزية والايحاءات السياسية، والمواعظ والحكم الإنسانية، الخاصة بالموت والحياة، والتواضع والاغترار بالدنيا الذي يدفع إلي التجبر، والتملك الذي يكرس الأنانية والاستحواذ، ويدفع الإنسان كي يمشي في الأرض مرحا، وكأنه سوف يبلغ الجبال طولا.

لا أدري لماذا تذكرت هذه المسرحية، وأنا استمع إلي خطابات الرئيس محمد مرسي الأسبوع الماضي، في المنطقة المركزية العسكرية بالعباسية، وفي معسكر قطاع الأمن المركزي بالدراسة وفي مؤتمر «مبادرة دعم حقوق وحريات المرأة المصرية».

استخدم الرئيس مرسي أكثر من خمس مرات لكلمة الشيطان الذي يوسوس ويحرض علي العنف، ويخرب وهو يوجه التحية لرجال القوات المسلحة، ولضباط الشرطة، محذرا إياهم من الاستجابة لتلك الوسواس الشيطانية ومبرئا سياساته من أي خطأ مرجعا أزمة مصر الطاحنة واقتصادها الذي يتداعي إلي من يمنحون غطاء سياسيا للعنف». وهم بطبيعة الحال قادة جبهة الإنقاذ والأحزاب والقوي السياسية والإعلامية التي تعارض السياسات العشوائية التي تدار بها شئون البلاد، والتي تنطوي خطب قادة الجماعة وأنصارها علي تحريض علني بملاحقتهم والاعتداء عليهم، وحتي قتلهم دون أن تنتفض الرئاسة.

وكعادته في الاستمتاع بالحوار بين أتباعه وأنصاره ومؤيديه، تصاعدت لهجة الرئيس محمد مرسي التهديدية ضد معارضيه، متوعدا اياهم بالملاحقة أيا كان مستواهم أثناء افتتاحه لمؤتمر المرأة، وقاطعته معظم المنظمات النسائية المعنية بقضايا النساء، ولم تشارك فيه المجلس القومي للمرأةو الذي استبق أعمال المؤتمر بإصدار بيان يرفض فيه نية الحكومة إلحاق تبعية المجلس القومي للمرأة إلي مجلس الشوري بدلا من مؤسسة الرئاسة وعقد المجلس مؤتمرا صحفيا رد فيه علي ترهات المعارضين لوثيقة الأمم لمكافحة العنف ضد النساء والفتيات من الإخوان وغيرهم من الإسلاميين، التي الصقوا بها كل المفاسد والرزايا واجمعوا علي أنها ضد الدين والشريعة الإسلامية، بعد أن نصبوا أنفسهم المتحدث الأوحد باسميهما، وأن وافق عليها الوفد الرسمي المصري المشارك في دورة الأمم المتحدة التي أقرت الوثيقة. الرئيس مرسي هدد بفتح السجون لهؤلاء المعارضين، وبالتضحية ببعض ما وصفهم بممارسة العنف، لإحداث الاستقرار في البلاد وسط تصفيق حاد من أعضاء المؤتمر!

ولا أدري من أين أتي الرئيس بهذه الثقة، بأن معه ما يكفي من التأييد والمساندة، لاتخاذ أي نوع من الإجراءات القمعية والمطالبة بتطبيق القانون علي الجميع، وهو يؤكد، أنه رئيس لكل المصريين، ويدعو في نفس الوقت للحفاظ علي الممتلكات العامة والخاصة، في نفس الوقت الذي كان أنصاره في «حازمون» يتحرشون بالإعلاميين في مدينة الإنتاج الإعلامي، ويسبونهم بألفاظ بذيئة قولا ورسما علي الحوائط والأرض، ويمنعون الدخول أو الخروج منها.

الحكمة تقول أنك تستطيع خداع الناس لبعض الوقت، لكنك لن تستطيع أن تخدعهم طوال الوقت أما الشاعر «أحمد شوقي» فيقول : برز الثعلب يوما في ثياب الواعظينا، مخطئ من ظن يوما، أن للثعلب دينا» .

حقا فالشيطان لا يعظ !

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق