قانون الصكوك بين الجدوي الاقتصادية والأمن القومي

32

القانون يعيد تجربة شركات توظيف الأموال

الهيئة المركزية لإصدارات الصكوك

لم تحدد “جنسيات” أعضاء هذه اللجنة!

تقرير: رانيا نبيل

ضجة لا مثيل لها ومحاولات محمومة لغرض ما يريده الإخوان والأمثلة كثيرة منها قانون الصكوك.

لا يوجد ما يسمي بالصكوك الإسلامية لأنها عبارة عن ورقة تقع بين السهم والسند, هذه الورقة تحدد من له حقوق ومن عليه إلتزامات وتحدد نسبة من الأرباح عند النجاح أو المشاركة كذلك في الخسارة, والفكرة ليست جديدة وأنه منذ جاء البارون وقرر إنشاء مدينة هيليوبلس.. بحسب وصف د. صلاح جودة الخبير الاقتصادي، خلال ورشة عمل حول قانون الصكوك المالية، نظمه منتدي رفاعة الطهطاوي. أوضح “جودة” ان فكرة الصكوك ظهرت مع بداية الحملة الانتخابية لحزب الحرية والعدالة، وكان هناك تركيز في الحديث أن بعد فوز “محمد مرسي” ستقوم جميع الدول العربية بجلب استثماراتها لمصر. وتحدثوا عن وجود 200 مليار دولار وهي حجم المكاسب المنتظرة من استخدام الصكوك، وهو نوع من التلاعب بعقول الشعب المصري لأن هذه الأرقام لم تتحقق علي مستوي عالمي فكيف ستتحقق نتيجة استخدام الصكوك في مصر!

مراحل القانون

أوضح “جودة” أن القانون مر بثلاث مراحل أولها المشروع الذي قدمه “أشرف الشرقاوي” رئيس هيئة الرقابة المالية وهي الجهة المنوط بها تنفيذ القانون فبعد أن قدموا مشروعاً لقانون الصكوك لم يسمع أحد عنه بعد ذلك, ثم صدر مشروع أخر ولكن لم يسمع أحد عنه أيضاً, حتي ظهر مشروع القانون الخاص بالدكتور محمد عبد المجيد الفقي رئيس اللجنة المالية والاقتصادية بمجلس الشوري وشكر الجميع في هذا القانون حتي تم إقراره، واصفًا إياه بأنه مثل “السكين” قد نستخدمه في تقطيع “كعكة” علي سبيل المثال وقد نستخدمه في قتل أنفسنا أو بعضنا البعض، فهو سلاح ذو حدين.

تساؤلات مخيفة

تساءل جودة، هل سيعيد قانون الصكوك نفس تجربة شركات توظيف الأموال وشركات الخصخصة؟ أم أنه نظام جديد سيجلب لنا مزيداً من الإستثمارات؟ وإذا كان لدينا الوقت الكافي لعمل الدراسات والأبحاث وطرح السيناريوهات المختلفة فلماذا العجلة بشان إصدار القانون؟ هل لأن الإستثمارات تقف تتنظر إصدار هذا القانون لتندفع وينتعش إقتصادنا المصري أم أن هناك أصحاب مصالح من وراء الإستعجال في اقرار؟ ولماذا لم يتم عرض القانون علي هيئة كبار علماء الأزهر؟ وطالب جودة بعمل مزيد من الدراسات والأبحاث حول تطبيق الصكوك في مصر وهل ستكون فكرة مجدية أم أنها بدعة لن تضيف الجديد بل ربما تزيد من الأعباء الإقتصادية للدولة.

غموض القانون

كشف الخبير الاقتصادي صلاح جودة, أن القانون الجنائي المنظم للصكوك، غامض وليس واضحا بشكل كافي, ولا توجد عقوبات رادعة وحتي الغرامات تكون بحد أدني 50 ألف جنيه وبحد أقصي مليون جنيه أو الحبس مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات, أي أنه في حالة هلاك الشركة أو تعثر أصحابها عن رد عوائد الصكوك من السهل جداً أن يتحمل الغرامة وكلمة “أو” الموجودة في القانون والخاصة بالحبس وصفها كأن من وضعها يعلم انه في نيته الهروب من التزاماته بالدرجة الأولي لأنه عند عقوبة الحبس إن تم القبض علي المقصود فسيعود بعد ذلك ويطالب الحكومة بالتصالح, وفقاً للقانون مما سيأخذ وقتاً كبيراً, كذلك من أهم التخوفات التي أشار لها جودة ما يسمي “بالهيئة الشرعية المركزية لإصدارات الصكوك” والتي لم تحدد جنسيات أعضاء هذه اللجنة حيث تنص المادة “علي أن يكون أعضاء هذه اللجنة أغلبهم من المصريين”، مطالباً بضرورة وضع الضوابط الملزمة لمن يحصل علي الصكوك بالكشف عن هويتهم وتحديد الإطار الإداري والقانوني والشكل العام الذي سيعمل من خلاله أصحاب هذه الصكوك لتفادي تكرار تجربة شركات توظيف الأموال والخصخصة.

تعجل إقراره

انتقد أيمن هيبة عضو مجلس الشوري والأمين العام المساعد لحزب غد الثورة، التعجل في إقرار القانون الذي يحتاج لجلسات مطولة من الحوار بين المجلس ومسئولي الجمعيات والذين هم الفئة المستهدفة الأساسية من القانون، كذلك النشطاء وغيرهم من ذوي الشأن. أوضح هيبة، أن مصر دولة مدنية ولا يجب تدخل الجهات الدينية في إقرار القوانين أو الموافقة عليها, فلم يسبق أن عرض مجلس تشريعي قوانينه علي الهيئات الدينية أو الفقهية، حتي لا نكرس بذلك لحدث يكون الأول من نوعه.

قانون مواز

من ناحية أخري فكرة الفصل بين الملكية العامة مثل الأهرامات والنيل، والملكية الخاصة مثل الشركات والمشروعات فكلاهما ملكية تخضع للدولة, فكان لابد من إستصدار قانون موازٍ يعرف الملكية العامة والملكية الخاصة, كذلك فيما يخص الإعفاءات الضريبية و تخفيف الجزاءات كانت تحتاج الي مزيد من الضوابط والتعديل, مشيراً في ذلك أنه في ملكية الشركات العامة في كثير من الدول لا يمتلك أي شخص أو هيئة إعتبارية أكثر من 5% من إجمالي أسهم الشركة وذلك حتي لا يتم الجور علي الملكية العامة للأشخاص. لافتاً أن حزب الحرية والعدالة له الأغلبية من الكتلة التصويتية داخل مجلس الشوري وبالتالي من الطبيعي رغم كل التحفظات ان يتم إقرار القانون بالإغلبية التصويتية, وإن اختلفوا حول موضوع ما لكنهم في النهاية يسيرون بمبدأ السمع والطاعة أي ما يريده الحزب يكون هو رأي جميعهم في النهاية.

خلط الملكية

انتقد د. حمدي عبد العظيم رئيس اكاديمية السادات السابق قانون الصكوك بأنه لم يفرق بين الملكية العامة والخاصة، ذلك لأن الملكية الخاصة المملوكة للدولة هي بالأساس ملكية عامة، فمثل هذه الثغرات والسقطات قد تؤدي إلي البيع أو الرهن أو الخصخصة لهذه الملكيات. مطالباً بضرورة إطلاع الشعب علي كل البيانات الخاصة بملكية هذه الصكوك من خلال تقارير متابعة دورية وليس في نهاية السنة المالية, كذلك تُعلن مصادر الإنفاق والإستثمار لهذه الصكوك مشيراً في ذلك لبعض التصريحات التي خرجت من وزارة المالية تقول “إنهم سيستخدمون الصكوك لإستيراد 9 ملايين طن قمح , ورصد جزء منها لتوفير صوامع لتخزين القمح”. لفت “عبدالعظيم” انه كان من الأفضل أن يتم عرض القانون علي هيئة علماء الأزهر قبل تمريره مباشرة لرئيس الجمهورية, وليس العكس، لأن ذلك قد يتسبب في جدل قانوني مثله مثل غيره من القوانين التي تأخذ مسارها الصحيح وحدث بشأنها جدل واسع, مع الأخذ في الاعتبار بأن رأي هذه الهيئة هو رأي استشاري ولكنه سيضفي مزيدا من الشرعية علي القانون.

إقرار القانون

أشار ياسر دهمش الباحث السياسي في الشئون البرلمانية، الي ان مجلس الشوري يتولي مؤقتا السلطة التشريعية لحين إجراء انتخابات لمجلس النواب وذلك بمقتضي المادة 230 من الدستور ولكن مجلس الشوري يجب عليه فقط القيام بإقرار التشريعات العاجلة والضرورية فقط، والمطلوبة بصورة سريعة لحين انتخاب مجلس نواب جديد، كما أن كل أعمال مجلس الشوري ستعرض مرة اخري علي مجلس النواب لتقرير ما يراه فيها وذلك وفقا للمادة 131 من الدستور. لفت “دهمش” ليس بعيدا أن تأتي أغلبية برلمانية لا تنتمي للتيار الإسلامي ومن ثم يمكنها إلغاء أو إدخال تعديلات جوهرية علي هذا القانون، لذا فمجلس الشوري ليس له علي الأقل من ناحية الملاءمة السياسية أن يقر تشريعا ذا أهمية بالغة مثل قانون الصكوك فهذا القانون يتطلب حوارا مجتمعيا علي الأقل بين المختصين في مجال الاقتصاد وخبراء التمويل كي يتم الاتفاق علي ما يضمن حماية أصول الدولة وممتلكات الشعب من العبث في ضوء التجربة التي عاني منها الشعب قبل الثورة، وأدت الي اندلاع الثورة.

وفي دراسة متكاملة تقول الباحثة الاقتصادية د. سلوي العنتري أن الانتقادات والاعتراضات التي واجهت المشروع السابق المقدم من وزارة المالية فيما يتعلق بالصكوك الحكومية كانت تدور بصفة أساسية حول طبيعة الأصول العامة التي سيتم رهنها ضمانا للصكوك وهل تتضمن المرافق العامة، ولمن يتم الرهن هل لمصريين أو أجانب واتجهت مخاوف الجماهير العريضة إلي قناة السويس علي وجه التحديد. ثم هل يتم استخدام حصيلة الصكوك في مشروعات انتاجية جديدة أم في سداد عجز الموازنة. وإذا كان الهدف هو سداد عجز الموازنة وليس إقامة مشروعات جديدة مدرة لعائد فمن أين ستأتي الموارد التي تكفل سداد الدين حين يحل أجل الصكوك ؟ وتري د. سلوي أن هذه المخاوف التي طرحتها القوي الوطنية أكدتها اعتراضات مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الذي رفض القانون لنفس هذه الأسباب.

والسؤال الآن هل قضي مشروع القانون الجديد علي هذه المخاوف؟

تجيب د. سلوي في دراستها وتقول إن القانون الجديد حاول الالتفاف علي الاعتراضات المتعلقة برهن الأصول العامة، وذلك بالنص علي حظر استخدام الأصول الثابتة المملوكة للدولة “ملكية عامة” أو منافعها في إصدار الصكوك (مادة 5). إلا أن هذا الحظر تم تفريغه من مضمونه علي الفور في نفس المادة، حيث أجازت إصدار صكوك مقابل حق الانتفاع بالأصول الثابتة المملوكة للدولة “ملكية خاصة”، وتركت أمر تحديد تلك الأصول لمجلس الوزراء. وحقيقة الأمر أن جميع المرافق العامة والأراضي الصحراوية والأراضي البور والعقارات المملوكة للحكومة والهيئات العامة ووحدات الإدارة المحلية والموانئ والمطارات والمستشفيات والبنوك والشركات العامة والهيئة العامة للبترول وهيئة السكك الحديدية وهيئة النقل العام وهيئة مترو الأنفاق وهيئة الأبنية التعليمية وبنك ناصر الاجتماعي التابع لوزارة التأمينات الاجتماعية وعشرات ومئات وآلاف المؤسسات العامة ومايتبعها من أصول ثابتة ومنقولة ينطبق عليها وصف “الملكية الخاصة للدولة”، وقابلة بالتالي لأن تستخدم كضمان لإصدار الصكوك. وحتي لو لم يكن الوصف منطبقا علي مؤسسة أو مرفق أو أصل ما فإن قرارا يصدره مجلس الوزراء بناء علي عرض وزير المالية كفيل بتجاوز تلك العقبة!

محاولة التغلب علي المخاوف جاءت أيضا بالنص في نفس المادة رقم (5) علي أن إصدار الصكوك الحكومية بضمان تلك الأصول الثابتة سيقتصر علي منح حملة الصكوك حق الانتفاع وليس الملكية (حق الرقبة) وبالتالي فلا خوف من انتقال تلك الأصول إلي الأجانب فيما لو تعثرت الحكومة في السداد. وهنا نلاحظ أمرين بالغي الأهمية، أولهما أن القانون لم يتضمن وضع حد أقصي لمدة الانتفاع، وتصريحات السيد وزير المالية تعلن أن تلك المدة ستكون في حدود 35 عاما. الأمر الثاني أن المادة (8) تنص علي أنه يجب علي الجهة المستفيدة استرداد الصكوك في نهاية مدتها لأداء قيمتها لمالكيها عن طريق الالتزام بشراء موجوداتها. أي باختصار أنه يتعين علي المدين (الحكومة علي سبيل المثال) سداد الدين واستعادة الأصل الضامن حين استحقاق أجل الصكوك.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق