د. رفعت السعيد يكتب: الطبقة العاملة المصريةفي غمار النضال «17»

32

ونأتي إلي بدايات خمسينيات القرن الماضي.. النقابيون المنفيون في المعتقلات وكان أكثرهم في معتقل الطور عادوا جميعا إلي احضان نقاباتهم، وبدأت الحركة النقابية في إعادة تنظيم صفوفها مستندة لوجود حكومة وفدية وإلي انتهاء الأحكام العرفية وإلي اشتعال النضال الوطني ضد قوات الاحتلال في منطقة القنال، ومع تصاعد المد الوطني النضالي تصاعدت الحركة النقابية العمالية وتصاعدت معها الدعوة لإقامة اتحاد عام لنقابات عمال مصر وتحدد يوم 27يناير 1950موعداً لانعقاد المؤتمر التأسيسي للاتحاد وتصدرت عدة نقابات الدعوة منها نقابة سائقي التاكسي (حسن عبدالرحمن ـ سيد خليل ترك) نقابة عمال ماركوني (أحمد طه) نقابة العاملين بالفنادق (أنور لوقا) ونقابة عمال النسيج إلخ وصحب هذه الدعوة دعوة أخري لعقد مؤتمر شعوب الشرق الأوسط في اليوم التالي.. لكن حريق القاهرة أتي ليلتهم كل هذه المحاولات، وعادت الاحكام العرفية وعاد العديد من النقابيين إلي المعتقلات من جديد.. وبقوا فيها حتي قيام ثورة يوليو. التي شارك النقابيون في تأييدها لكنهم ما لبثوا ان صدموا بأحداث اضراب كفر الدوار الدامية والتي بدأت بعد أن نجح اضراب عمال صباغي البيضا في كفر الدوار مطالبين بنقابة مستقلة وزيادة الأجور ومكافأة سنوية مع علاوة سنوية وإجازة سنوية. وحقق العمال مكاسب معقولة بما فتح شهية عمال شركة الغزل الرفيع المجاورة فتشكلت لجنة سرية للاضراب ضمت قيادات عمالية منها محمد متولي الشعراوي ـ أحمد الياباني ـ حلمي الجوهري ـ محمود عطا الله ـ وعيد صالح مبروك ورتبت اللجنة الامر بحيث تبقي وردية مكانها وتدخل الوردية الثانية فيكون في المصنع ورديتان، لكن بعض عملاء الادارة سربوا الخبر فرتبت الادارة الامر بحيث نقلت الاوراق المهمة خارج الشركة، وما أن بدأ الاضراب حتي قام عدد من الخفراء وعملاء الادارة باشعال الحرائق في عدد من مكاتب الشركة لكن العمال تجمعوا لحماية عنابر الآلات وحاولوا اطفاء النار المشتعلة بالمكاتب فأطلق امن الشركة عليهم النار، وبسرعة تشكلت لجان عمالية لحماية الآلات.. وفي الصباح وصل قوات من الجيش وحاصرت المدرعات مداخل المصنع وسدوا البوابات ورسموا بالجير خطوطا علي الأرض معلنين في مكبرات الصوت ان من يتخطي هذه الخطوط سيطلق عليه النار دون انذار، ثم سرت شائعة ان محمد نجيب سيحضر إلي المصنع ليستمع إلي مطالب العمال فتحركت مظاهرة من العمال المحاصرين كي يستقبلوا نجيب وتناوب علي الهتاف مصطفي خميس وعيد صالح مبروك وكانت الهتافات عادية ترحب بنجيب وتعلن ان العمال حماة الثورة واقتربت المظاهرة من الخط الابيض المرسوم علي الأرض وكان الدور علي مصطفي خميس في الهتاف الذي أعطي ‘ظهره للقوات وواجه العمال بهتافه مطالبا اياهم باجتياز الخط الابيض وانهال رصاص القوات علي المظاهرة واختطف خميس وضرب امام العمال ضربا مبرحا. العمال ذهلوا من سيل الرصاص ومن تساقط القتلي وبدأوا في التفرق لكن القوات طاردتهم برصاصها ويقال ان عدد القتلي قد تجاوز الخمسمائة عامل وصدرت الأوامر باعدام دفاتر مستشفي كفر الدوار التي سجلت فيها ارقام واسماء القتلي وبررت الحكومة اطلاق الرصاص علي العمال بأن رصاصا أطلق علي الجيش وقتل جنديين لكن تحقيق النيابة أثبت ان الرصاص اطلق من خارج المصنع.

وقفز العديد من العمال من فوق الاسوار هربا من الاغتيال العشوائي وبقي عدة مئات ليحرسوا آلات المصنع فجمعهم أحد الضباط وأمرهم بالانبطاح علي بطونهم لمدة 48 ساعة انتظارا للمحاكمة وامرالجنود باطلاق الرصاص فورا علي من يرفع رأسه.

محضر نقاش مع عيد صالح مبروك. وهو احد العمال الذين شاركوا في الاحداث) ونتابع بقية الاحداث علي شريط مسجل لذات العامل ونستمع كان إعلان الحكم حفلة ارهاب للعمال في كل مصر فقد جمعوا آلافا من العمال رغم أنوفهم ليستمعوا إلي الحكم وهم جالسون علي الأرض، وتلا الحكم أحد الضباط وهو واقف علي دبابة وكان الحكم اعدام خميس والبقري والسجن لثمانية وعشرين عاملا لكن المثير للدهشة ان العمال مالبثوا ان تقدموا بمذكرة بمطالبهم فحصلوا علي مكافأة شهرين كل سنة وعلي زيادة العلاوة السنوية وعلي حقهم في إقامة نقابة مستقلة وواصلوا الاضرابات حتي زادت الأجور 150% وفي احداث مارس 1954 استدعي فرسا رهان عبدالناصر الضابطان الطحاوي وطعيمة القيادي العمالي محمد متولي الشعراوي وطلب منه ان ينظم عمال المصنع اضرابا شاملا لمساندة عبدالناصر فطلب منهما عرض الأمر علي مجلس النقابة وقرر مجلس النقابة ارسال بلاغ للنيابة العامة ضد طعيمة والطحاوي بحجة التحريض علي الاضراب. والحقيقة ان مقتل خميس والبقري كان علامة فارقة فحتي منظمة حدتو صاحبة السيطرة علي العمل النقابي في كفر الدوار والتي كانت تؤيد ضباط يوليو وكان لها علاقات وثيقة بعديد من الضباط الاحرار وبأثنين من مجلس قيادة الثورة.

يوسف صديق وخالد محيي الدين) تراجعت عن تأييد حركة الضباط وبدأت الحركة العمالية بشكل عام في التباعد عن تأييد حكم الضباط إلي درجة احتياج ضباط يوليو إلي تقديم رشاوي لاحد القادة العماليين لتنظيم اضراب يهتف فيه المتظاهرون وتسقط الديمقراطية وكانوا هم من اعتدي علي السنهوري في مجلس الدولة وبرغم ان الصحف الحكومية أبرزت هذاالعامل (صاوي أحمد صاوي) كبطل إلا أنه قوبل بسخط شامل من الحركة العمالية وسقط سقوطا فاحشا في أول انتخابات نقابية.

وفي ذلك الحين 52 ـ 1954 كانت الحركة العمالية تحاول ان تتنفس وإن بصعوبة فعيون السلطة تترصدها وتحاول ارهاب قواعدها وحبل مشنقة خميس والبقري يرعبها. ومع ذلك واصل العمال سعيهم لتشكيل نقابات وتشكيل اتحاد عام لنقابات العمال وتصدر لهذه المهمة النقابي الشهير فتحي كامل وذلك بعد القبض علي عديد من القادة مثل أحمد طه وهروب بعضهم مثل سيد خليل ترك وأنور مقار، ويروي فتحي كامل في حواره معي (مايو 1972) انه وفي هذه الفترة الصعبة توجه لمقابلة وزير الشئون الاجتماعية في بدايات عام 1953 لمناقشته في مسألة تأسيس اتحاد عام لنقابات العمال وكان بالغرفة شخص يتظاهر بأنه يتأمل ارفف الكتب ثم فجأة التفت إلي فتحي كامل وسأله ومين بقي سيقود اتحاد العمال؟ فرد فتحي كامل من سيختاره العمال؟ ورد الشخص يعني تجيبوا بلاوي يحرقوا البلد زي خميس والبقري؟ وسأله فتحي كامل حضرتك مين؟ فقال: سيد قطب. وكان يعمل في ذلك الوقت مستشارا مقربا جدا من عبدالناصر لشئون العمال.

ويقودنا ذلك مرة أخري إلي دور الإخوان في الحركة العمالية في هذه الفترة الحرجة 52 ـ 1954 والتي تحولت الحركة العمالية بعدها إلي كيانات ضعيفة خائفة حتي تمت السيطرة الناصرية علي أجهزتها النقابية.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق