دخول المسيحية إلي مصر

23

ارتبط اسم مصر وأهلها بالمسيحية منذ أن لجأت إليها العائلة المقدسة، هربا من ظلم هيرودوس الحاكم الروماني الذي أمر بقتل الأطفال من ابن سنتين فما دون ذلك، والأرجح أن المسيح لم يكن عمره، حين ذاك يزيد علي ثلاثة أشهر، لأن المسيح ولد سنة 943 لبناء مدينة رومية، حسب ري أفضل المحققين، وهيرودوس كما دون يوسيفوس المؤرخ مات سنة 350 لبناء رومية، فتكون المدة بين ولادة المسيح وموت هيرودوس سنة واحدة.

ويعتقد البعض أن العائلة المقدسة مكثت في مصر سبعة أشهر والبعض مد هذه الفترة إلي عامين، لكن المهم هنا أن قدوم العائلة المقدسة كان وقت عبادة المصريين للآلهة يزيس، وتصادف أثناء وجود العائلة المقدسة احتفال المصريين بهذه الآلهة التي شكلت ركنا مهما في الحياة الدنيوية بمصر، وقد سجل أحد الفنانين هذه الزيارة، في لوحة توجد بالمتحف البريطاني تعرف باسم «سنة الرب».

وتمثل احتفالا كبيرا، كان يقيمه المصريون لآلهتهم حتي السنة الأولي للميلاد، وكان ذلك شائعا في مصر شيوعا كبيرا، ترتيبه أن يسير المغنون والضاربون علي الأعواد، وبينهم فتيات حسناوات الوجوه، يضربن بالطبول والدفوف، ويتقدم هذا الموكب تمثال الإلهة يزيس محمولة علي أكف الشرف والفخار، حاملة ابنها هورس «حورس» علي ركبتها، وحين مرور الآلهة يأتي الناس بمرضاهم علي جانبي الطريق اعتقادا بنيلهم الشفاء، وفي وسط الصورة الممثلة لذلك يري الناظر ركبا صغيرا قد انزوي جانبا ليفتح الطريق للإلهة المذكورة، وهذا الركب مؤلف من امرأة متواضعة قصيرة، وطفلها راكبين حمارا أنهكه التعب، وخلفه رجل ريفي يسير راجلا وقد أضناه الكلال وطول الشقة، وبالطبع يمثل هذا الموكب العائلة المقدسة أثناء زيارتها، ولو عدنا للأسطر السابقة التي تصف اللوحة، سنجد فكرا ومقولات ثقافية متأصلة لدي المصري القديم، استمرت ظلالها حتي بعد مجئ المسيحية، كالاعتقاد في قدرة الأولياء علي شفاء المرضي، وبعض جوانب العقيدة القديمة «الأوزيرية» والتي تساوت مع كثير مما جاءت به المسيحية، ومهدت لقبول المصريين للعقيدة الجديدة، كما سيعرف بعد.

حمت مصر العائلة المقدسة، وارتبطت بتاريخ المسيحية منذ ذلك الوقت، لكن «لم تقدم للمسيحية قائمة ولم تعرف جيدا بمصر إلا بعد أن جاء الرسول مرقس إليها، في مدة حكم أوثون قيصر، في وقت كانت مشحونة بالأهالي، عامرة بالسكان، يبلغ تعداد سكانها اثني عشر مليونا وقيل بل عشرين مليونا، «واتخذ مار مرقس الإسكندرية مقرا لخدمته لأنها كانت حينذاك تجمع أجناسا مختلفة من مصريين وحبش ونوبيين ورومانيين ويونانيين وغيرهم، وكانت قصبة ولاية مصر، ومركزا مهما للتجارة، ومكانا آهلا بالعلم والعرفان وكان ذلك ما بين (50-358).. جاء مرقس الرسول إلي مصر ليبشر بالدين والعقيدة الجديدة، فوجد ترحيبا وقبولا من المصريين للتقارب القائم بين الفكر العقائدي في مصر القديمة، والفكر الجديد الوافد مع العقيدة الجديدة ونوجز أهم ملامح أو محاور هذا التواصل فيما يلي:

1- كان المصريون يؤمنون بوجود إله، وقد توصلوا في مراحل ديانتهم أن هذا الإله واحد، وأنه أزلي أبدي.

2- كان في معتقد المصريين ما يجعل فكرة التثليث المسيحية قريبة إلي فهمهم «فقد كان لكل مدينة مهمة ثالوث من الآلهة تختص بعبادته، والولاء له، ومن أمثلة ذلك ثالوث طيبة، ويتألف من «آمون» الأب، و«موت» الأم، و«خنو» الابن، وثالوث يبدوس أو العرابة المدفونة، ويتألف من أوزيريس «الأب» و«يزيس» الأم، و«حوريس» الابن وكانوا يعتقدون أنهم وإن كانوا ثلاثة إلا أنهم يعملون معا.

3- كما كان في معتقداتهم ما يجعل فكرة ابن الله من عذراء قريبة إلي فهمهم كذلك، فقد كانوا يعتقدون مثلا أن حور محب آخر ملوك الأسرة الثامنة عشرة هو ابن الإله آمون من عذراء، وأن أبيس كان يتجسد في مولود عجلة بكر بعد حلول روح الإله مناح فيها.

4- كانوا يعتقدون أن الله قد خلق الإنسان ووضع فيه الروح، وأن هذه الروح خالدة، وأن الإنسان سيبعث بعد الموت وسيحاسب في الآخرة عن أعماله فيكافأ عن حسناته، ويجازي عن سيئاته.

5- كانوا يصورون في يد آلهتهم علامة ترمز إلي الحياة، وكان يسمونها «نمخ» «مفتاح الحياة»، وهي قريبة في تكوينها من علامة الصليب التي اتخذها المسيحيون شعارا ورمزا لهم بعد ذلك.

6- كانوا يستعملون الغسل والرش بالماء المقدس، وهو طقس يشبه العماد عند المسيحيين.

7- وأخيرا نجد في قصة الإله أوزيريس، واستشهاده، ثم انتصاره في النهية علي الشر، وجلوسه بعد ذلك في محكمة السماء، ما يجعل قصة حياة المسيح وموته وقيامته، وصعوده قريبة إلي عقول المصريين وقلوبهم، «من هذا يتبين لنا أن المسيحية حين دخلت مصر وجدت السبيل ممهدا لأن يقبل المصريون معتقداتها، ويؤمنون بها ويستشهدون في سبيلها».

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق