ماجدة موريس تكتب : باسم يوسف أمام النيابة حين يتحول النجم إلي زعيم

22

صباح الأحد الماضي.. أوردت كل قنوات التليفزيون تقريبا خبر إحالة الإعلامي باسم يوسف إلي التحقيق متهما في ثلاث قضايا وذهابه إلي النيابة للتحقيق معه، وعلي مدي اليوم كله، كان هذا الخبر هو الحصان الأسود الذي تخطي كل ما عداه من أخبار مصر سواء في البرامج الصباحية أو المسائية التي تبدأ فقراتها برصد أخبار وما جد فيه من أحداث، حتي التليفزيون الحكومي غطي الخبر بشكل واف في نشرة التاسعة مساء..

أما علي شبكات التواصل الاجتماعي فقد قفز الخبر ليطاردنا بدلا من أن نبحث عنه، مع إضافات وتفاصيل عديدة لا يمكن للصحافة والتليفزيون ملاحقتها مثل حركة باسم يوسف وهو في طريقه للنيابة، وما الذي كان يرتديه؟ وماذا قال لمؤيديه؟ وما الإجراءات التي اتخذت حين وصل للنيابة العامة مرورا بالمحامين ودورهم، ورفضه أن يدافع عنه القطب الإخواني صبحي صالح الذي تطوع من أجل إثبات رحابة الفكر!! باختصار، تحولت قضية باسم يوسف المتهم فيها من قبل اثني عشر مواطنا إلي ثلاث قضايا هي العيب في ذات الرئيس مرسي وازدراء الأديان! ولا أتذكر الثالثة لكن من الواضح أن المواطنين الذين تقدموا بالبلاغات للتحقيق معه يعرفون جيدا كل شيء عن القانون وبنوده وسنينه وكانت أكبر وثائقهم في هذه البلاغات ضد مقدم «البرنامج» هي أجزاء ومقتطفات منه أي البرنامج نفسه، وبالطبع يشمل هذا كل الكتيبة العاملة به وإلا ما تحقق له – أي للبرنامج – كل هذا النجاح والتأثير فهو عمل جماعي ينفذ إلينا من نافذة مقدمه الذي يعبر عن كل هؤلاء الذين رصدوا أحوال مصر علي مدي أسبوع وانشغلوا بمتابعة ورصد ما يصدر عن الرئيس والنخبة الحاكمة وما يصدر من مواقع التأثير في كل أجزاء هذا الوطن..

وبرغم أن باسم يوسف وبرنامجه ليسا وحدهما في عالم البرامج الساخرة علي قنوات التليفزيون المصرية الآن، إذ يوجد برنامج «بني آدم شو» لأحمد آدم علي قناة «الحياة» وعلي نفس القناة ظهر برنامج جديد بعنوان «زلطة شو» لفنان صاعد هو مدحت شاكر، وعلي دريم يقدم الفنان محمد عزب برنامج «عزب شو» أما علي «إم بي سي مصر» فيقدم هاني رمزي برنامجه «الليلة مع هاني» لنجد أنفسنا أمام شبه «بانوراما» تعلق علي ما يحدث الآن في حياتنا بأسلوب يجمع في داخله العديد من فنون وأساليب السخرية التي تجمع بين «الموقف» و«الحركة» و«الكلمة» وتتفاوت فيها مهارات كل صاحب برنامج وأيضا مهارات فريق العمل، لتصل بنا إلي حجم وقوع التأثير الذي يثيره لدينا كمشاهدين..

وفي إطار المتابعة لهذه البرامج، يبدو واضحا التطور الواضح الذي يضيفه يوسف لبرنامجه، وحيث بدأ من فكرة وعمل فردي علي موقعه علي شبكة «يوتيوب» ولجمهور الشبكات الإلكترونية الشبابي إلي قناة تليفزيونية صاعدة هي «أون» وفيها بدت أكثر قدرات مقدم البرنامج علي الحكي بأسلوب ساخر وابتداع حوارات مع شخصيات ذهنية وشخصيات حية وهو ما لفت الأنظار إليه كثيرا ثم جاءت القفزة الكبري له عبر قناة ثانية هي (cbc) التي أتاحت له إمكانيات التوسع في التعبير من خلال فريق عمل كبير، وأيضا التواصل الفوري مع الناس من خلال قاعة يقدم فيها البرنامج بدلا من الاستوديو المحدود وليصبح «البرنامج» أول برنامج سياسي من نوعه في مصر يقدم أمام ضيوف ومشاهدين – أي لايف – بعيدا عن مسابقات الغناء أو حوارات السياسيين والنجوم..

لكن الطريف واللافت هنا أن البرنامج حين انتقل إلي مرحلة «اللايف» لم يتخل عن فنون «التسجيل والمونتاج» وحيلها التي تليق بالاستديوهات المغلقة، وهو ما جعله يجمع بين شكل وفورم البرنامج التقليدي، والمتطور معا، خاصة وهو يدخل عالم السياسة الساخن، بدءا من رصده لأفعال وأقوال الرئيس مرسي وصولا لفريقه ومحبيه ثم المعارضين.. ولهذا أصبح «البرنامج» كالمرصد الشعبي لأحوال الحكم في مصر، يقدم لنا شحنة أسبوعية تستعيد أقواله وأفعاله وسلوكياته تجاه المواطنين من خلال كل ما قدم عبر التليفزيون والصحف «التي لا تفوت شيئا» وليقدم للمشاهد – في نهاية الأسبوع – متعة السخرية مما عاشه ويعيشه، وأيضا متعة التأكيد علي ذكاء هؤلاء المواطنين الذين يعرفون سلفا ما يعرفه البرنامج ولكنهم من خلاله يستمتعون بالفن في أشكال الصياغات والمحاكاة والمقاربات، وبتفريغ شحنة غضب وتحويلها إلي انفراجة وأمل في التغلب علي الإحباط.. هل أصبح باسم يوسف وبرنامجه حقنة مسكنة للمشاهد المصري؟ ربما..

بالنسبة للبعض، لكنه أيضا تحول لنموذج للعمل الجماعي ولفكر وفن مجموعة تكتب أسماءها علي تترات النهاية فإذا بنا نري نموذجا لبرنامج «ديمقراطي» في الكتابة والإعداد ولوحة تعبر عن المجموع.. وأيضا، ما يتحفنا به صناع البرنامج من فرق فنية جديدة تطرح علينا جزءا من الإبداع الجديد لدي شباب ونساء ورجال مصر الباحثين عن نقطة ضوء للتواصل مع غيرهم من المصريين..

لهذا كله تحول «البرنامج» إلي «ظاهرة»، وتحول مقدمه إلي نجم، وها هو الهجوم عليه من دوائر الحكم والمتربصين من تيارات الإسلام السياسي يوشك أن يحول «النجم» إلي «زعيم».. ولم لا.. فالزعامة ليست منصبا سياسيا بقدر ما هي رؤية شعبية، وباسم يوسف الآن هو زعيم الترفيه عن الناس في نهاية كل أسبوع ملئ بالإحباط.. ثم إنه لا يخترع شيئا مما يقدم لهم.. وإنما يستعيد فقط ما مر عليهم من أحداث وأقوال وأفعال.. إنها سخرية الواقع التي تفوق الخيال في مصر اليوم.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق