فرح أنطون يرد في «الأهالي» علي مرسي!

17

بقلم :د. رفعت السعيد

غضب د. مرسي هاج وماج واندفع دون محاذرة في هجوم عاصف علي معارضيه وعلي أجهزة الإعلام ناسيا مثلا أنه يتحكم هو وجماعته ووزير إعلامه في كل المؤسسات الصحفية القومية بكل ما تصدره من صحف ومجلات ودوريات ودعم مالي وأنه يسيطر علي أكثر من عشرين قناة تليفزيونية وأكثر من ستين قناة إذاعية أي أن في يديه أكثر من تسعين بالمائة من الإعلام المصري، ولكن ضعف الأداء والتحكم الإخواني وفرض من تري الجماعة فرضه أضعف الأداء وجعل الروموت كنترول هو صاحب القرار، فيتجه بصاحبه إلي القنوات الرافضة لمرسي، معتبرا أن انتقادها لسياساته وسياسات مكتب الإرشاد هو شهادة علي صحة الموقف وصحة الأداء.

إن صراخ مرسي في وجه الإعلاميين ومحاولة ترويعه لهم وإشارات إصبعه والحديث المثير للسخرية ولعشرات النكات عن الأصابع المندسة والتلويح بالقبض والسجن وحتي التضحية بحياة البعض في سبيل مصلحة مكتب الإرشاد التي هي بالطبع تمثل مصلحة الوطن عند مرسي، قد أعادتني إلي قصة ومسيرة فرح أنطون المفكر الليبرالي والاشتراكي الشجاع والذي أصبح أشهر صحفي مشاغب في مصر فقد حرر عديدا من الصحف وانتهت أمرها جميعا إلي قرار من سلطات الاحتلال بإغلاقها.. وقد حدث أن مرض توحيد بك السلحدار رئيس تحرير جريدة مصر الفتاة فطلب إلي صديقه فرح أن يكتب الافتتاحية نيابة عنه، فكتب مقالا أغلقها إغلاقا نهائيا، ووصل الأمر أن اشتهر فرح بذلك إلي درجة أن كل من تعثرت جريدته وأوشكت علي الإقفال يطلب إلي فرح أن يكتب مقالا فتغلق إداريا، ويروي صهره نقولا حداد أن أحد الموظفين في دار المندوب السامي البريطاني قال له «إن فرح أفندي رجل متهور في كتاباته بشأن الحركة الوطنية وأخشي أن يؤدي تهوره إلي نفيه من البلاد فحبذا لو تنصحه أن يعتدل».

ثم ما لبث هذا الموظف نفسه أن استدعي فرح أنطون وأنذره إنذارا شديد اللهجة فرد عليه فرح «أتأسف أن أقول لك إنني لست أحترف القلم لكي أسترزق منه فقط، بل أحترفه أساسا كي أكتب ما تقرأه فإذا لم يسمح لي بأن أكتب ما يوحي إلي به ضميري سأطلب الرزق من حرفة أخري، ورد ممثل المندوب السامي البريطاني نعم من الأفضل أن تحترف حرفة أخري» ويمضي نقولا حداد «غير أن «فرح» لم يكترث بل استمر في خطته فكانت نتيجتها إغلاق ثلاث جرائد علي التوالي بسبب شدة قلمه وتشبثه بالحرية وإيضاح الحق» (كلمة نقولا حداد في رثاء فرح أنطون منشورة في مجلة السيدات والرجال عدد سبتمبر 1923)، والحقيقة أن قلم فرح أنطون كان حادا كسكين حاسما لا يعرف الملاينة وبعد أن تسبب في إغلاق عدة صحف استقر رئيسا لتحرير جريدة «الأهالي» لكنها أغلقت بقرار من سلطات الاحتلال لمدة ستة أشهر، فأصدر بدلا منها «المحروسة» فأغلقت وكانت الستة أشهر توشك علي النفاد بما يعني عودة «الأهالي» للصدور في فرصة أخيرة، ويروي نقولا حداد الحوار التالي الذي دار بينه وبين فرح..

>> حداد: من الأفضل أن تخفف الهجوم حتي تسلم «الأهالي» من الإغلاق

> فرح: معني ذلك أن نرمي سلاحنا ونرفع العلم الأبيض ونسلم أنفسنا للخصوم.

>> حداد: ولكن ماذا تفعلون إذا عادت الحكومة وأغلقت «الأهالي» نهائيا؟

> فرح: نحن محاربون فإقفال «الأهالي» أفضل جدا من أن تحيد شعرة عن خطها والهلاك في الحرب أشرف من التسليم.

>> حداد: لكن ماذا تفعلون وهي مغلقة؟

> فرح: نكتب كتبا وكراسات ونؤلف روايات تمثيلية عن سكان واق الواق والشعب ذكي يفهم.

ويكتب عباس العقاد في رثائه لفرح «كان فرح أفندي مريضا وحرارته تبلغ الأربعين فكتب مقالا تزيد حرارته عن درجة الغليان فصودرت الجريدة.. ويومها مات فرح وقد حاول الطبيب منعه من الذهاب إلي دار «الأهالي» فرفض وحملوه هناك ليكتب ما أغلقها بعد أن قال الطبيب «من الأفضل أن أموت في «الأهالي» بدلا من أن أموت علي فراشي».

.. ورحل فرح أنطون ليذكره التاريخ مناضلا في سبيل حرية الرأي فهل يتذكر أحد اسم واحد ممن أغلقوا صحفه وطاردوه.

.. ودرس فرح أنطون يحلق فوق رأس أعداء الحرية فما من قوة تمكنها أن تقهر الكلمة الحرة طالما تمسك بها صاحبها، بل والويل لمن يحاول إسكات الكلمة.. فالتاريخ لا يرحم، وسيظل يغلفه بما يستحق وهو كما قال الشاعر:

عارُ الزمان وسُبة الأبد

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق